ناجي س. البستاني

في الوقت الذي تعمل أكثر من جهة سياسية لبنانيّة على تحضير الأرضيّة لإصدار قوانين جديدة تُشرّع زراعة الحشيش وفق شُروط مُحدّدة في المكان والزمان ولصالح وجهة إستخدام طبيّة حصرًا، حيث تُستخدم مثلاً لتخفيف الآلم لدى ذوي الأمراض المُستعصيّة، بدأت تطفو العديد من المشاكل على السطح. فمسألة زراعة «القنب الهندي» أي الحشيش ستعود ببعض المكاسب المالية، لكنّها في المُقابل ستؤدّي إلى أضرار جسيمة على مُختلف المُستويات. فما هي المعلومات في هذا الشأن؟

بداية، لا بُد من الإشارة إلى أنّ العقد الحالي شهد إرتفاعًا ملحوظًا للدول التي تُشرّع إستخدام الحشيش لأغراض طبيّة، مثل البيرو والمكسيك وكولومبيا وتشيلي والأرجنتين والأوروغواي، إلخ. علمًا أنّ زراعة الحشيش مُنتشرة مختلف أنحاء العالم - ولوّ بنسب مُتفاوتة، وإذا كانت تتم بشكل مضبوط ومراقب في بعض الدول مثل هولندا وبعض الولايات الأميركيّة، فإنّها غير مضبوطة في دول أميركا الجنوبيّة وأفغانستان والهند وألبانيا، إلخ. ولبنان ليس الوحيد بين الدول العربيّة الذي تتمّ زراعة الحشيش فيه بشكل غير شرعي، حيث تتجاوزه في هذا السياق كل من مصر والمغرب وغيرهما.

وإذا كانت بعض الدول ـ مثل هولندا والأوروغواي والبرتغال وكوريا الشمالية وجامايكا على سبيل المثال لا الحصر، قد شرّعت إستخدام الحشيش وبعض أنواع المُخدرات الأخرى، بشرط أن تكون للإستهلاك الشخصي وبكميّات محدودة جدًا، وحاولت الإستفادة من ذلك لتشجيع ما يُسمّى «سياحة المُخدرات» حيث تذهب أعدادًا كبيرة من السيّاح الذين يرغبون بتعاطي الممنوعات من دون التعرّض لأي مُلاحقة قانونيّة، فإنّ هذه الدول تعيد النظر حاليًا في كثير من التشريعات، بسبب إنعكاسات سلبيّة عدّة ظهرت خلال التطبيق، حيث تمّ جذب فئات من السيّاح أقلّ ما يُقال فيها أنّها فوضويّة وغير مُنضبطة، وبات إنتهاك قوانين السير والطرقات والتسبب بالضوضاء في الأماكن العامة وبالإزعاج للآخرين من الأمور الشائعة جدًا، ناهيك عن إرتفاع أعداد التضارب وجرائم القتل التي يتورّط فيها أشخاص قد تعاطوا الممنوعات.

وبحسب أوساط نيابيّة لبنانيّة مُعترضة على إقتراح تشريع زراعة الحشيش، إنّ الدفع الإقتصادي الذي يتحدّث عنه البعض من مؤيّدي تشريع زراعة الحشيش، مبالغ فيه جدًا، حيث أنّ أكثر التقارير تفاؤلاً بشأن المكاسب المالية التي ستتحقّق للبنان في حال تشريع زراعة الحشيش لأغراض طبيّة، لا تتجاوز سقف المليار دولار أميركي من الأرباح السنويّة. وأضافت أنّه في المقابل، تُوجد لائحة طويلة من السلبيّات المتعدّدة المُرتقبة على مُختلف المُستويات، مُشيرة إلى أنّه توجد سلسلة من الأسئلة التي لا تحمل على الإطمئنان.

وفي هذا السياق، سألت هذه الأوساط عن الجهة التي ستقوم بضبط زراعة الحشيش بشكل حصري في الأماكن الجغرافيّة التي سيتمّ تحديدها، وعن كيفيّة تحديد المساحة التي ستُشرّع لهذه الزراعة في أي بُقعة مُختارة. وتساءلت عن كيفيّة ضبط الإستحواذ على كامل الكميّة لأغراض طبيّة، طالما أنّ تصدير الحشيش لا يقتصر على الزرع والقطاف، بل يتعداهما إلى التجفيف تحت أشعّة الشمس، ثم التبريد و«الدقّ» والطحن والتوضيب، إلخ. وهذه مراحل لا يُمكن أن تجري تحت مُراقبة الدولة العاجزة حاليًا عن وقف زراعة الممنوعات، فكيف بالحري بعد تشريعها؟!

وأضافت الأوساط النيابيّة المُعترضة على خطة تشريع الحشيش، «إذا كانت العديد من العصابات التي تحتكر حاليًا مسألة زراعة الحشيش بشكل غير شرعي، قادرة على تهريبه وعلى بيعه في الأسواق اللبنانية وخارجها أيضًا على الرغم من القوانين المانعة، فمن سيضمن السيطرة على مُنتجاتها وتوجيهها إلى الإستخدام الطبّي حصرًا، طالما أنّ هذه العصابات لديها أساليبها السريّة الخاصة للتهريب وللبيع، بعيدًا عن عُيون الأجهزة الأمنيّة؟!» وتابعت سائلة: «من سيَضمن عدم تنامي العصابات المُسلّحة التي تعمل في قطاع زراعة الحشيش وتهريبه، ومن سيضمن عدم دُخولها في عمليّات قتل مُتبادلة لإحتكار هذه الزراعة، أكان عبر بساتين مُشرّعاً... أو غير قانونيّة - لا فرق؟».

ولفت الأوساط النيابيّة نفسها إلى أنّ الكلفة الإستشفائية التي سيدفعها لبنان لمُعالجة التنامي الحتمي للمُدمنين على المخدرات، ستكون مرتفعة، طالما أنّ زراعة الحشيش ستفتح بابًا حتميًا لارتفاع عدد مُدخّني الحشيش، مهما كانت الضوابط قاسية والمُراقبة مُشدّدة، مُعتبرة أنّ هذه الزراعة ستفتح الباب بالتالي لإنتقال بعض هؤلاء إلى التورّط في أنواع أخرى من المُخدّرات أشدّ فتكًا. وقالت: «إذا كانت مُكافحة تجارة الحشيش والمخدرات صعبة حاليًا، فكيف بالحري عندما سيتم تشريع جزء منها؟».

وإذ تساءلت عن الضمانات التي ستحول دون تصنيف لبنان كدولة تُتاجر في المَمنوعات، مع كل ما يعنيه هذا الأمر من إرتدادات إقتصاديّة وماليّة سلبيّة على لبنان، ومن مُعاملة سيئة سيلقاها اللبنانيّون في مطارات العالم تزيد من معاناتهم الحاليّة بسبب السمعة السلبيّة التي تلاحقهم، سألت الأوساط النيابيّة المُعترضة على خطة تشريع الحشيش: «من سيضمن عدم تحوّل الموضوع إلى صراع مذهبي، حيث جرى أخيرًا تعميم إشاعات أنّ الهدف من قرار تشريع زراعة الحشيش، يتمثّل بالتمهيد لإصدار عفو عن الأشخاص المُتورّطين في ملفّات قضائيّة مُرتبطة بزراعة الممنوعات وتسويقها، بحيث يتمّ تبييض سجّلات عشرات آلاف المحكومين والمطلوبين من أبناء البقاع، ما سيُثير حفيظة مساجين آخرين!».

وختمت الأوساط نفسها كلامها بالتحذير من أنّ وأي سوء تقدير في التعامل مع هذا الملفّ، سيجعل الأمور تفلت من ضوابطها، والأضرار تبدأ من رفع عدد المُدمنين بين اللبنانيّين... وتصل إلى تصنيف لبنان كدولة تُتاجر بالمُخدّرات.