نبيه البرجي

اللواء عباس ابراهيم قال : لبنان في دائرة الخطر...!

من في البلد لا يثق بالرجل؟ برؤيته لما يحدث في الداخل... ماوراء الداخل؟ هو على دراية تامة بأن السيناريو اياه يلحظ تفكيك المنطقة العربية حجراً حجراً لادخال الفيل في ثقب الابرة.

كيف يمكن لصفقة القرن، كارثة القرن، أن تشق طريقها الى النور الا بتقويض الدول العربية، المجتمعات العربية، كي يحجب غبار داحس والغبراء نقاط الضعف البنيوية في الظاهرة الاسرائيلية؟

لبنان على اللائحة. جاريد كوشنير قال ان 800 ألف يهودي أخرجوا عنوة (!!) من البلدان العربية. التوطين، بكل بساطة، يعني احلال الفلسطينيين محلهم. التغطية بالمال العربي التائه، منذ قرن من الزمان، على أرصفة ألف ليلة وليلة.

آن لنا أن ندرك أن العقل التوراتي، بل العقل التلمودي، هو الذي يحكم الاستبلشمانت في الولايات المتحدة. هنري كيسنجر وصف لبنان بالفائض الجغرافي الذي يمكن توظيفه في صياغة التسويات. تلاه آرييل شارون الذي رأى في لبنان الخطأ التاريخي. لا تنسوا أن اسرائيل هي... المعجزة الالهية.

من لا يعرف (وبمعادلة العباءة والخنجر) أن ثمة بين العرب من يتواطأ لحماية اسرائيل من الاحتمالات المستقبلية (الانكماش الدراماتيكي في الفجوة العسكرية من خلال الصواريخ والطائرات المسيرة)؟ الفلسطينيون ما زالوا يحتفظون بذاكرة الجمر. سواء كانوا في مقاهي كوبنهاغن، أو في ناطحات السحاب في مانهاتن، ناهيك عن مخيمات البؤس في البلدان المتاخمة.

ذاكرة الجمر، ويصاحبها التكاثر، ما يثير الهلع لدى المليادير النيويوركي اليهودي شلدون ادلسون، صاحب نظرية «المال لا الله للقضايا المقدسة». لا بد من تلك الحالة العربية التي اذ تلغي الفلسطينيين، تؤمن «راحة البال» للاسرائيليين. اليوت أبرامز لاحظ أن فوضى الصواريخ في الشرق الأوسط تضع الدولة العبرية بين براثن البرابرة. دعا الى... قطع رأس الثعبان!

سمير جعجع فاجأنا بالقول «الكل يعلم أن صفقة القرن ولدت ميتة». الرجل على بيّنة من الدور الذي يضطلع به حلفاؤه العرب في حفر الأنفاق التي تفضي الى ما هو أبعد من الجحيم.

لا نتصور أن «الحكيم» اكتفى بنظرة الفاتيكان الى الغيتو القاتل للمسيحيين والذي تلحظه الصفقة. من الطبيعي أن يكون لديه الكثير من التفاصيل حول الاحتمالات بكل أبعادها المريعة.

في رأي اكثر من جهة أميركية وعربية (اسرائيل تحصيل حاصل)، أن الصيغة اللبنانية بحاجة الى تعديلات بنيوية. هذا يبدأ بتغيير جراحي في الوضع الديموغرافي. توطين اللاجئين الفلسطينيين، والنازحين السوريين. الغاء الروح اللبنانية، والهوية اللبنانية، وديناميات القوة في الحالة اللبنانية.

لبنان الذي يدور حول الهيكل. الكعبة ايضاً، وبفتوى من أولياء الأمر، تدور حول الهيكل.

فريق الذئاب في واشنطن، وبالتنسيق مع تل أبيب وعواصم أخرى، لا تنقصه المرونة التكتيكية لتعديل بعض حلقات السيناريو. روبرت ساتلوف، الباحث البارز، سأل ما اذا كان دونالد ترامب يعرف ما هو الشرق الأوسط. مثل هنري كيسسنجر تحدث عن «وجود الله في كل تضاريس المنطقة».

الآن الأظافر الأميركية، والاسرائيلية، الى سوريا. هكذا ألمح جون بولتون الى الـ«فوكس نيوز». لماذا، في هذا الوقت بالذات، لاحظت حكومة جبل طارق أن ثمة حاملات تنقل النفط الى سوريا، ليبادر مستشار الأمن القومي، وبعد دقائق، الى تأييد الخطوة البريطانية باحتجاز الناقلة؟

ماذا يعني ذلك سوى «خنق» سوريا. بالتالي «خنق» لبنان، وليس فقط القوى القريبة من دمشق. اين مسيحيو لبنان في رأس دونالد ترامب؟ اسألوا طوم حرب بذلك الرأس الفارغ والذي يستقطب الكثير من الرؤوس الفارغة عندنا.

ممنوع حتى وصول المحروقات الى سوريا. استتباعاً، شل كل مناحي الحياة هناك. الناقلة تحمل النفط الايراني. هل تتجرأ ايران وتحتجز ناقلة بريطانية؟

هنا الاختبار الكبير. كفانا صراخاً. لقد مللنا التهديدات من وراء الزجاج. سوريا في خطر حقيقي. بعد تراجع الخطر العسكري، الخطر الاقتصادي لا يقل هولاً. لا نسأل البعض فحسب «أين أنتم؟». نسأل القيصر ايضاً: لماذا لا تكون هناك ناقلات نفط روسية من ايران الى سوريا؟ هل كان للسلطات البريطانية أن تحتجزها؟

الغاية الاستراتيجية من حصار سوريا، وتفكيك سوريا، ادارة تل أبيب الخارطة العربية. من يقرأ الأبحاث التي تصدر عن معاهد اسرائيلية، وعن معاهد غربية، يدرك مدى الهاجس الذي يلاحق القيادات الاسرائيلية حول مستقبل الدولة. الحل باختراق المنطقة العربية حتى العظم. حصار العرب بالعرب.

لا تستبعدوا، في العقد المقبل، أن ترابط وحدات اسرائيلية في بلدان عربية.

ما من خبير مالي أجنبي الا ويقول ان الدولة في لبنان تتلاشى. لا يمكن للأوليغارشيا الراهنة التي يحكمها منطق المحاصصة، الا أن ترى في الدولة مغارة علي بابا. لم يبق في هذه المغارة سوى بقايا العظام.

هل نصل الى تلك اللحظة التي لا يعود فيها من مجال الا الدخول في الصفقة التي لم تلحظ للبنان سوى ستة مليارات دولار، المبلغ الذي لا يكفي لشراء الفلافل للطبقة السياسية وتوابعها؟

لبنان في دائرة الخطر. من يكترث بهذا الكلام؟ انظروا الى الحلبة السياسية. البلد يتساقط قطعة قطعة، وهم لا هون في تقاسم تلك القصاصات البشرية التي تدعى، مجازاً، الشعب اللبناني.

لبنان (دولة لبنان الكبير) بدأ بصفقة، هل ينتهي بصفقة؟!