عادت الولايات المتحدة الأميركية الى لغة التصعيد مع إيران، بعد مهادنة مؤقتة ودعوتها الى حوار بنّاء يفضي إلى اتفاق جديد على برنامجها النووي، وبلغت ذروة التصعيد باحتجاز القوات البريطانية ناقلة النفط الإيرانية في مضيق جبل طارق، وهو ما وصفته طهران بأنه عمل غير مقبول ولا يمكن السكوت عنه، لكنّ هذا التطور لا يعني أن المنطقة مقبلة على عمل عسكري أو حربٍ وشيكة، فالمعطيات القائمة على الأرض لا توحي بشيء من هذا القبيل، لكن ذلك لا يحجب التركيز الأميركي الزائد على حلفاء إيران في المنطقة وخصوصاً «حزب الله».

التصعيد في الخليج لا يقلق إيران من أي مواجهة، وتبدو طهران مرتاحة الى نجاحها في فرض توازن الرعب، وإبراز عضلاتها أقلّه بنموذج اسقاط طائرة التجسس الأميركية، وتعرية القوة الأميركية بعجزها عن الردّ، وتفيد مصادر مطلعة على ما يدور في أروقة الأمم المتحدة، أن طهران لا تزال تربح بالنقاط في معركة عض الأصابع، وهي تحقق أهدافها على الأرض، ويكفي أنها لا تتراجع قيد انملة عن المضي ببرنامجها النووي ورفضها أي تفاوض مع الأميركيين تحت وطأة العقوبات، وعدم التخلّي عن حلفائها في المنطقة، أو الانسحاب من الساحات التي تتواجد فيها.

وبرأي المصادر المذكورة فإن الحرس الثوري الإيراني المصنّف «فصيلاً إرهابياً» على اللائحة الأميركية، لا يعير أهمية لتحذيرات الرئيس دونالد ترامب الذي بات محشوراً بالزاوية، بعدما تحوّل انسحابه من الاتفاق النووي عبئاً على واشنطن بدلاً من طهران، بدليل أن الأخيرة تحررت من التزاماتها ودخلت مجدداً مرحلة تخصيب اليورانيوم لبرنامجها السلمي، وبالتالي باتت هي القادرة على فرض شروطها لمفاوضات جديدة وليس الإدارة الأميركية، ما يمكنها من التوصل الى اتفاق جديد يحررها من قيود سابقة.

لا يمكن إلغاء فرضية اندلاع الحرب، لأن أي حسابات خاطئة أو عملية متهوّرة من قبل القوات الأميركية وحلفائها قد تدفع الى اشعال فتيلها، الا أن المطلعين على يجري بحثه في مراكز الدراسات الاستراتيجية في الولايات المتحدة، يؤكدون أن خيارات الحرب غير واردة في القاموس الأميركي نهائياً، ويشدد هؤلاء على استبعاد الحرب أقلّة في الفترة المتبقية من ولاية ترامب لعوامل عدّة هي:

أولاً: إن الحرب تقضي على أي أمل لترامب بإمكانية الفوز بولاية رئاسية جديدة.

ثانياً: أي مواجهة ستجعل مصالح واشنطن وحلفائها في المنطقة في مرمى الصواريخ الإيرانية المتأهبة دائماً للردّ على أي تطور عسكري.

ثالثاً: سترفع أسعار النفط الى مستوى غير مسبوق، وبالتالي فإنها تبدد الرخاء الاقتصادي الذي يتنعّم به الشعب الأميركي.

وبموازاة استبعاد فرضية الحرب تواصل إدارة ترامب ضغطها على طهران وحلفائها تارة بالسياسة وطوراً بالتلويح باستخدام القوّة، ولا يبدو أن لبنان بمنأى عن هذه الضغوط، ويمكن ربط ذلك بتطورين استجدا في الساعات الأخيرة، الأول سياسي يتمثّل بتراجع الالتزام الأميركي بموضوع ترسيم الحدود مع إسرائيل، وهو ما عبرت عنه الرسالة السلبية التي نقلها دايفيد ساترفيلد الى القيادات اللبنانية، والثاني عسكري، وتجلّى بما أورده تقرير نشره «معهد المجلس الأطلسي الأميركي»، عن دور «حزب الله» في حال اندلاع نزاع بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، في ظل التطورات المتسارعة والخطيرة التي تشهدها منطقة الخليج العربي.

ويبني التقرير أدلته على خطاب الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله، الذي أطلقه في ألقاه في الأول حزيران الفائت، في ذكرى «يوم القدس العالمي»، وذكّر فيه بأن «أي حرب على إيران ستشعل المنطقة، وكل القوات والمصالح الأميركية ستباد»، معتبراً أن الحزب «يمثّل النجاح الأكبر الذي حققته إيران نتيجة تصديرها الثورة الإسلامية». ويركز التقرير على التطورات التي طرأت على قدرات الحزب القتالية، حتى أصبح أقوى قوة محلية غير تابعة للدولة في العالم، بحيث أنّ عديده يُقدّر بـ30 ألف مقاتل، اكتسب عدد كبير منهم خبرة قتالية فائقة القيمة بسبب المشاركة في الحرب في سوريا، عدا عن امتلاكه 150 ألف صاروخ، وأسلحة متطورة مضادة للطائرات إلى جانب طائرات من دون طيار مخصصة للتجسس وأخرى قتالية ومركبات شبه غاطسة».

وإذا كان الحزب لا يخفي تنامي قدراته القتالية لا بل يفاخر بها، فإن أهم ما جاء في التقرير الأميركي تأكيده أنه «في حال هاجم «حزب الله» إسرائيل دعماً لطهران، فإنّه سيتسبب باندلاع حرب يمكن أن تستمر لأسابيع وأن تلحق دماراً بلبنان وإسرائيل». لكن مصادر مقرّبة من «حزب الله» أكدت أن «أي مواجهة ستفرضها الولايات المتحدة على ايران وحلفائها ستشعل المنطقة، وستكون نتائجها تدميرية». وفيما وضعت المصادر ما ورد في تقرير المعهد البريطاني ضمن الحرب النفسية حول إمكانية تدمير لبنان، كشفت أن ما أعلن عن تدمير إسرائيل «واقعي للغاية، لأن إسرائيل ما بعد الحرب المقبلة لن تكون كما قبلها، وربما لن تبقى في المشهد وعلى الخارطة الجغرافية للمنطقة»، مشدداً على أن «الحرب هي الحرب وكلّ شيء فيها مباح». وقال «إذا كانت إسرائيل تقول انها قد تخوض الحرب الأخيرة مع «حزب الله» فهي محقّة، لأنها ستكون الأخيرة فعلاً، وسيكون الالتحام القتالي على ارضها وليس على أرض الآخرين».