لماذا يُصرّ الحزب الديموقراطي اللبناني برئاسة النائب طلال إرسلان مدعوماً من «حزب الله»، و«التيّار الوطني الحرّ» برئاسة الوزير جبران باسيل وحزب التوحيد برئاسة الوزير السابق وئام وهّاب على إحالة جريمة قبرشمون فوراً الى المجلس العدلي، ويُعارضها فريق 14 آذار ورئيس الحكومة سعد الحريري ورئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط والقوّات اللبنانية معتبرين إيّاها «حادثة فردية» ولا بدّ من طي صفحتها؟ وما هي بالتالي حيثيات إحالة دعوى قضائية الى المجلس المذكور، في الوقت الذي تساءل فيه رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي الذي يعمل على تهدئة الأجواء لعدم انقسام الحكومة الحالية، أو تعطيل عملها أو استقالتها، عن جدوى هذه الإحالة «إذا كان بهدف العجلة، فهناك عشرات الملفات التي لم يُبت بها في المجلس، وقد تكون المحكمة العسكرية أسرع منه».

وتقول مصادر سياسية مطّلعة بأنّ إرسلان وباسيل ووهّاب يتمسّكون بإحالة القضيّة الى المجلس العدلي، على خلفية محاولة اغتيال وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب، وعلى أنّ ما حصل كان مدبّراً. ويجدون بأنّ عدم التصويت على إحالتها اليه، يعني تغطية الفتنة في الجبل وتحليل إرهاق دمّ الناس على بعضها البعض وفرض منطق القوّة والسلاح، والخوف من كشف حقيقة أنّ ثّمة أوامر عليا قد أعطيت للمرتكبين للقتل أو القيام بعملية الإغتيال. فيما يرى كلاً من الحريري وجنبلاط وجعجع بأنّ إحالة الجريمة الى المجلس العدلي لديها خلفيات سياسية «غير بريئة»، ومن شأنها بالتالي تفجير الحكومة وضرب الإستقرار الأمني في البلاد، وبأنّ جرائم أخرى مماثلة لها أو أخطر منها قد حصلت أخيراً، من وجهة نظرهم، لم تُحل الى المجلس العدلي، فيما أنّ ما حصل هو وليد ساعته ولم يكن مخطط له سابقاً، ولا تنطبق عليه بالتالي مواصفات الجريمة التي تُهدّد أمن الدولة والسلم الأهلي في البلد.

وإذ تحتاج إحالة أي جريمة الى المجلس العدلي الى انعقاد مجلس الوزراء بنصاب ثلثي الأعضاء، كما الى التصويت عليها بالأكثرية أي بالنصف زائد واحد، فإنّ ثمّة خشية من تعطيل انعقاد جلسات مجلس الوزراء، لعدم طرح هذا البند. أمّا في حال تقرّر انعقاد المجلس فإنّ بعض أصوات الوزراء قد تلعب دوراً حاسماً في ترجيح موقف هذا الفريق المؤيّد أو ذاك المعارض مثل صوت وزير «تيّار المردة» يوسف فنيانوس. وحتى الآن، فإنّ الوزير السابق سليمان فرنجية حليف الفريق المتمسّك بهذه الإحالة، لا يقف ضدّ إحالة الجريمة الى المجلس العدلي، إلاّ أنّه يريد انتظار نتائج التحقيقات مع المطلوبين من الطرفين بعد تسليمهم، وعلى ضوء ذلك يُعلن موقفه النهائي، سيما وأنّه لا يودّ جرّ البلاد حالياً الى دهاليز هي بغنى عنها.

وأوضحت بأنّه إذا كان الهدف لدى المطالبين بإحالة جريمة قبرشمون التي أسفرت عن مقتل اثنين من مرافقي الوزير الغريب وسقوط جرحى الى المجلس العدلي هو القول بأنّ جنبلاط قد وضع مخطّطاً لاغتيال الغريب، وجعل المسألة قضية وطنية وتمسّ بأمن الدولة، فإنّ القانون اللبناني يُحدّد اختصاص المجلس العدلي والجرائم التي ينظر فيها، إلاّ أنّ الخلاف يبقى على «توصيف» أو «تصنيف» الجريمة التي حصلت لمعرفة ما إذا كانت مواصفاتها تنطبق على الجرائم المحالة الى المجلس العدلي.

فما هي الجرائم التي تُحال الى المجلس العدلي؟

تجيب المصادر نفسها، أنّه بحسب القانون وسنداً للمادة 356 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، فإنّ المجلس العدلي ينظر الى الجرائم المنصوص عليها في المواد 270 حتى 336 من قانون العقوبات، وهي الجرائم الواقعة على «أمن الدولة» الآتية: الخيانة- التجسّس- الصلات غير المشروعة بالعدو- الجرائم التي تمسّ بالقانون الدولي- النيل من هيبة الدولة ومن الشعور القومي- جرائم المتعهّدين- الجنايات الواقعة على الدستور- إغتصاب سلطة سياسية أو مدنية أو قيادة عسكرية- الفتنة- الإرهاب- الجرائم التي تنال من الوحدة الوطنية أو تعكّر الصفاء بين عناصر الأمة - النيل من مكانة الدولة المالية - جرائم الأسلحة والذخائر - التعدّي على الحقوق والواجبات المدنية - وجمعيات الأشرار.

وأضافت: فضلاً عن الجرائم المنصوص عليها في قانون 11/1/1958، وهي جرائم: الإعتداء أو محاولة الإعتداء التي تستهدف إثارة الحرب الأهلية أو الإقتتال الطائفي بتسليح اللبنانيين أو حملهم على التسلّح بعضهم ضدّ البعض الآخر، أو الحضّ على القتل والنهب والتخريب، وجرائم ترؤّس عصابة مسلّحة أو تولّي وظيفة أو قيادة فيها بقصد إجتياح مدينة أو محلّة أو بعض أملاك الدولة أو جماعة، أو مهاجمة أو مقاومة القوّة العاّمة العاملة ضدّ مرتكبي هذه الجنايات، وجرائم صنع أو اقتناء أو حيازة المواد المتفجّرة أو الملتهبة والمنتجات السامّة أو المحرقة أو الأجزاء التي تُستعمل في تركيبها أو صنعها بقصد اقتراف الجنايات المذكورة أو أيّة جناية ضدّ الدولة، وكلّ عمل إرهابي أو مؤامرة بقصد ارتكاب هذه الجنايات (وهذه الجرائم هي في الأساس من اختصاص المحاكم العسكرية).

هذا الى جانب الجرائم الناتجة عن صفقات الأسلحة والأعتدة التي عقدها أو تعقدها وزارة الدفاع الوطني والجرائم المرتبطة بها أو المتفرّعة عنها، لا سيما المنصوص عليها في المواد 351 حتى 366 ضمناً من قانون العقوبات، وفي المواد 376 و377 و378 منه، وفي المواد 453 حتى 472 ضمناً منه، وفي المادتين 138 و141 من قانون القضاء العسكري.

وبناء عليه، فإنّ جريمة قبرشمون، بحسب المصادر ينطبق عليها الكثير من مواصفات الجرائم التي يُمكن إحالتها الى المجلس العدلي لا سيما منها إثارة الفتنة، واستخدام الأسلحة للقيام بجريمة ما وسواهما.. غير أنّ قرار الإتهام الذي يصدر عن المحقّق العدلي بتجريم المتهمين وإحالتهم أمام المجلس لتتمّ محاكمتهم، هو قرار مبرم، وهذا ما يجعل المعترضين على الإحالة يخشون من هذا الأخير إذ لا بدّ من تنفيذه ولا يُمكنهم بالتالي الإعتراض عليه. علماً أنّ المجلس العدلي عندما يضع يده على الدعوى بموجب قرار الإتهام المحال اليه من المحقّق العدلي، بحسب المعلومات، يجب عليه التثبّت من صلاحيته في ضوء النصوص التي تُحدّد بدقّة جميع الجرائم التي تُحال اليه، وعلى هذا الأساس يُصبح البتّ في انتفاء الصلاحية مناطاً به. ولهذا يقوم كلّ فريق بإجراء الحسابات المتعلّقة بالأعضاء الذين يتألّف منهم المجلس العدلي من الرئيس الأول لمحكمة التمييز والقضاة الأربع من المحكمة نفسها والنائب العام التمييزي والى دفّة أي فريق يميل كلّ منهم سياسياً.

وتجدر الإشارة الى أنّ خطورة بعض الجرائم وعلاقتها بأمن الدولة قد فرضت على المشترع إنشاء المجلس العدلي بهدف الإسراع في محاكمة المتهمين بالجرائم التي يحيلها مجلس الوزراء بناء على مرسوم يصدر عن، وإلاّ فلا يُمكن للمجلس العدلي أن يضع يده من تلقاء نفسه على القضية الناشئة عن جريمة واقعة على أمن الدولة.. ولكن السؤال المطروح اليوم في ظلّ الخلاف القائم داخل مجلس الوزراء على «تصنيف» جريمة قبرشمون هو: هل سيتمكّن كلاً من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس برّي من إطفاء الإحتقان الحاصل فتعود الحكومة الى عقد جساتها لإنهاء إقرار الموازنة من دون إصدار مرسوم إحالة الجريمة الى المجلس العدلي، بل تتمّ إحالتها الى القضاء الجزائي العادي الصالح للتحقيق والمحاكمة، أم أنّ الأمور ستتطوّر الى تعطيل انعقاد مجلس الوزراء في حال أصرّ كلّ فريق على موقفه، وبالتالي الى شلّ عمل المؤسسات، في الوقت الذي يبدو فيه اليوم بأنّ الحلّ لمثل هذه الجرائم أو الأحداث «لا يكون بالسياسة وحدها ولا بالقضاء وحده ولا بالأمن وحده بل بالثلاثة معاً»...