استرعت حركة الإتصالات الفلسطينية اهتماماً لافتاً، وذلك من خلال تكليف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قيادات حركة «فتح» في لبنان بنقل رسائل إلى مرجعيات سياسية وروحية لبنانية، بغية وضعها في أجواء الموقف الفلسطيني على ضوء ما نتج عن مؤتمر المنامة من مقرّرات، ومن ثم رفض السلطة الفلسطينية أي قرار يدعو للتوطين. ولذا، وقطعاً لدابر الشكوك، فإن أبو مازن أراد من خلال هذه الحركة وجولات موفديه على المرجعيات اللبنانية طمأنتهم بأنه لا يقبل بأي خطوة أو موقف قد يؤدي إلى انتهاك السيادة اللبنانية، معتبراً أن لبنان قدّم الكثير للفلسطينيين ولا زال يحتضن الجزء الأكبر منهم، وبالتالي، بات من الضرورة بأن يكون هناك تفهّم وحرص فلسطيني على احترام خصوصية لبنان وظروفه، ولا سيما في هذه المرحلة.

وفي غضون ذلك، تشير المصادر المتابعة لهذا الملف، إلى أن رئيس السلطة الفلسطينية أراد أن يكون انطلاق الجولات عبر القيادات والمرجعيات المسيحية باعتبار أن معظمها يتخوّف من التوطين ومن تغيير الفرز الديمغرافي في لبنان، وهذا ما يؤدي إلى قلق ومخاوف في التركيبة اللبنانية، وخصوصاً في ظل المتغيّرات والتحوّلات الحالية إقليمياً ودولياً، وينقل عن المرجعيات التي التقت بالمسؤولين الفلسطينيين أنها أعربت عن ارتياحها من الموقف الفلسطيني الحاسم لشجب ورفض التوطين، ومن ثم تلقّوا رسائل شفوية من الرئيس الفلسطيني أبو مازن، تركت ارتياحاً لهذا النهج السياسي الذي يصب في خانة احترام الدولة اللبنانية ومؤسّساتها، وبالتالي، أن ما ساد سابقاً، وفي مراحل الحرب الأهلية من علاقة متوترة بين اللبنانيين والفلسطينيين، ولا سيما على الصعيد المسيحي، فذلك صفحة طُويت، وبات هناك علاقة بين دولة ودولة، وسفير فلسطيني ينسّق مع المرجعيات الرسمية.

إنما، تبدي المصادر نفسها مخاوفها من أن يكون هناك صفقة ما من خلال تسويق المشروع التوطيني، أو ما يسمى بـ «صفقة القرن» على حساب الدولتين اللبنانية والفلسطينية، والمخاوف تكمن من حصول اهتزازات أمنية في المخيمات عبر جهات أصولية تتلقى أوامرها من أجهزة مخابراتية على خلاف سياسي وعقائدي مع حركة «فتح» ومع السلطة الفلسطينية بشكل عام، أو هناك جهات إقليمية ودولية مستاءة من موقف الرئيس الفلسطيني لمقاطعته مؤتمر المنامة ورفضه للمشروع الدولي أو ما يسمى بـ «صفقة القرن»، وعلى هذا الأساس قد يكون الردّ بتفجير بعض المخيمات، أو من خلال الرسائل الأمنية المتنقلة لإرباك هذه السلطة الفلسطينية، ومن الطبيعي الدولة اللبنانية.

وبناء عليه، فإن التنسيق الذي يحصل اليوم بين السلطة الفلسطينية ومراجع سياسية لبنانية، إنما هو لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمن المخيمات والإمساك بزمام الأمور في محيطها وأماكن أخرى كي لا تحدث أي اهتزازات، وهذه العناوين برمّتها كانت من صلب الحراك الفلسطيني الذي سيتواصل مع كافة المرجعيات المسيحية وأيضاً الإسلامية، وهناك تعزيزات وإجراءات متخذة من حركة «فتح» في معظم المخيمات، وذلك درءاً لأي مخاطر أو عمل أمني قد يستهدف أمنها، في حين أن التنسيق المخابراتي بين السلطة الفلسطينية والجيش اللبناني جارٍ على قدم وساق، وعلى هذا الأساس جاءت رسائل التطمين من قبل الرئيس الفلسطيني إلى المسؤولين اللبنانيين، والأمر عينه لسائر المرجعيات السياسية والروحية، إذ وفق المعلومات من المطلعين على هذا الحراك، قد تكون هناك مقرّرات سرية اتخذت في مؤتمر المنامة، أو ثمة تحرّك قد يحصل في وقت لاحق لترجمة هذه المقرّرات، ومن الطبيعي أن الساحة اللبنانية هي الأبرز في سياق تصفية الحسابات بين اللاعبين الدوليين والإقليميين، وهذه المسألة كان سبق وأن برزت في مراحل كثيرة، وأدّت إلى انفجارات وتوتيرات واهتزازات أمنية في معظم المخيمات ونطاقها الجغرافي.