نبيه البرجي

«ترامب معجب جداً بمحمود عباس...»!

قال ذلك جاريد كوشنر. يفترض أن يكون معجباً (جداً) به ما دام يضطلع بدور الشاهد (اللي ما شفش حاجة) في رئاسة السلطة. أي سلطة؟!

الرجل الذي ورث عن ياسر عرفات تعليب أهل الانتفاضة داخل القفازات الحريرية، في تلك الفلسطين التي تحتاج الى القفازات الحديدية. لا حجارة، ولا سكاكين، ولا بنادق. تكفي الصيحات الديبلوماسية الرثة لصائب عريقات لكي يهتز الهيكل.

«معجب جداً» تعني، بشكل أو بآخر، «مغرم جداً». لا نعلم كيف يمكن لدونالد ترامب أن يكون عاشقاً لشخصية رخامية مثل كيم جونغ ـ أون. في الوقت نفسه عاشقاً لشخصية كرتونية مثل محمود عباس.

نحن أمام رجل اما أنه يعاني من الشيزوفرانيا أو أنه يعاني من البارانويا. كبار علماء النفس في الولايات المتحدة يقولون انه يعاني من تصدعات سيكولوجية خطيرة. لاحظوا أنه في اليوم الذي أمل فيه بمصافحة كيم، كان يدعو دول العالم الى ترحيل العمال الكوريين الشماليين.

ثمة تقارير باتت بين ايدي الجنرالات في البنتاغون حول الوضع النفسي للرئيس. هذا كان وراء ابعاد أصابعه عن الأزرار النووية.

لعل بعضكم يذكر قصة الدب الذي أراد قتل ذبابة حطت على وجه صاحبه النائم. ألقى عليها بحجر ضخم حطم رأسه.

هكذا وقع الرئيس ترامب في غرام الرئيس الفلسطيني. أغلق الممثلية الديبلوماسية للسلطة في واشنطن، وحجب المساهمة الأميركية في موازنة الأونروا، داعياً الى الغائها بالكامل.

لم يكتف بذلك، بل جمّد كل اشكال المساعدات، قبل أن يعترف بالقدس عاصمة أبدية لاسرائيل، ليطرح، تسللاً، صفقة القرن التي تتوخى ازالة الوجود الانساني، والوجود التاريخي، والوجود الجغرافي، للفلسطينيين، بانتظار اعلان «يهودا» و«السامرة»، أي الضفة الغربية، جزءاً مقدساً

من اسرائيل، عشية الأسابيع الأخيرة من حملته الانتخابية المقبلة.

كوشنر قال أيضاً ان ترامب «مستعد للتواصل مع عباس في الوقت المناسب في صدد اقتراح أميركي للسلام» (اقتراح أم خطة أم صفقة؟). السيناريو، بحسب حضرة المستشار، يلحظ توطين الفلسطينيين في الأماكن التي يتواجدون فيها بدلاً من عودتهم الى أراض باتت جزءاً من اسرائيل. بالحرف الواحد، توطين اللاجئين مكان اليهود الذين غادروا البلدان العربية الى اسرائيل.

لا بد من الصفقة. اللوبي اليهودي يضغط بشدة على البيت الأبيض. التفوق العسكري الاسرائيلي الساحق مهدد بالانكسار. هذا ما تشير اليه معاهد أبحاث كبرى تتحدث عن «الصواريخ المجنونة»، وعن «الطائرات المجنونة».

الـ «Drones» التي باستطاعتها اصابة القاذفات بالعمى الالكتروني. انتاج هذه الطائرات بالآلاف ليس بالعملية المعقدة، أو المكلفة. أعداء اسرائيل يخططون لبعثرة ترسانتها الجوية (التي لا تقهر). هؤلاء الأعداء ليسوا بحاجة الى الـ «ف ـ 35» لتنفيذ غارات على الأهداف الاسرائيلية الاستراتيجية. الصواريخ تتكفل بذلك. ربما بفاعلية أكثر بكثير وبدقة أكثر بكثير.

بعدما خيّل الينا أن بنيامين نتنياهو لاذ بالصمت، عاد الى الغارات المكثفة على سوريا التي تشكل الجدار الفولاذي في وجه الصفقة. حين يتحدث عن سوريا انما يتحدث عن لبنان ايضاً. عن ايران أيضاً وايضاً. اذا تم كسر دمشق تغدو الأبواب مشرعة أمام صفقة القرن.

الغريب أن الغارات تاتي غداة اللقاء الذي عقد، برئاسة نتنياهو، بين مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، ومستشار الأمن القومي الاسرائيلي مائير بن شابات، ومستشار الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف. ما حدث طرح الكثير من الأسئلة حول النتائج الملتبسة، لا سيما وأن اللقاء الثلاثي أخذ منحى استراتيجياً بالغ الأهمية.

الأميركيون والاسرائيليون يريدون من الروس الضغط على ايران للخروج من سوريا. هؤلاء يعتبرون أن التنفيذ مستحيل بوجود الدبابات التركية في منطقة ادلب التي تتاخم محافظات أخرى على مستوى عال من الحساسية الجيوستراتيجية، وبتموضع الوحدات الأميركية شرق الفرات، دون أن يكون هناك من معنى لهذا التموضع ما دامت واشنطن تساوم أنقرة حول الأكراد.

بمعنى آخر، الخروج المتزامن من الأراضي السورية، بعدما ضاق الكرملين ذرعاً بالسياسات اللولبية لرجب طيب اردوغان، وبالسياسات الغوغائية لدونالد ترامب، وهو من يتولى تأمين التغطية للاتصالات المريبة التي يجريها ثامر السبهان مع شيوخ العشائر شرق الفرات. ثمة حديث عن أن وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج دفع، في زيارته الأخيرة للمنطقة، نحو ربع مليار دولار.

لاندري ما دقة المعلومات حول طلب السبهان من رؤساء العشائر الوقوف الى جانب قوات سوريا الديمقراطية في التصدي للأتراك. هذا يعني أن الرياض اختارت الصراع مع أنقرة عبر تلك الخاصرة التي اذ تضج بالثروات الطبيعية, تبدو وكأنها «البلقان السورية».

كل الأطراف، في الوقت الحاضر، أمام المجهول. لا مجال لبقاء الستاتيكو في مناطق ادلب، وفي مناطق دير الزور، الى ما لا نهاية.

اردوغان الذي هزم في اسطنبول، والذي يواجه تعثراً اقتصادياً لا بد أن تكون له تداعياته على القاعدة، ما زال يمارس جنونه الاستراتيجي على طريقة «رقصة الدراويش»، دون ان يكترث بالأحزمة الحمراء التي تلتف حوله. هل حصل السعوديون على الضوء الأخضر الأميركي لاستنزافه في تلك المناطق السورية؟

بدأنا باعجاب دونالد ترامب بمحمود عباس، بالرغم من كل تلك الضربات على الظهر. متى يبدي اعجابه بآية الله خامنئي، وتقفل أبواب الجحيم؟ رجل يتأرجح بين الشيزوفرانيا والبارانويا. الشرق الأوسط يتأرجح معه...