بقلم المدير العام للأمن العام

اللواء عباس ابراهيم

مقال هام ومفيد ومميز لمدير عام الامن العام اللواء عباس ابراهيم في مجلة الامن العام يجب قراءته من كل اللبنانيين.

ليس مفهوما ولا مبررا على الاطلاق الاهتراء السياسي الذي يسود البلد تحت وطأة ظروف ضاغطة اقتصاديا واجتماعيا، وامنيا حتى. ما بلغه لبنان ليس وليد ساعته، بل هو جراء تراكمات طال زمنها ولم تخضع الى اصلاحات بنيوية، بل كل ما كان يجري عبارة عن معالجات تجميلية آنية، مهمتها الاستفادة من الوقت. كما ان الظروف القائمة حاليا، تستدعي من اللبنانيين جميعا ان يتصارحوا ليتصالحوا، كي يتم النهوض بلبنان، وعبور الازمة الحالية التي استفحلت، بحيث اصبحت تستدعي جراحات موضعية، وظيفتها عقلنة كل شيء في لبنان بدءا من اللغة السياسية وصولا إلى المعالجات المطروحة تفسح في المجال امام ايجاد ممر آمن للخروج من النفق الذي نحن فيه.

ما يُطرح من هنا وهناك، لا بل من الجميع من دون استثناء تحت عنوان الهواجس، لا يعني غير وضع لبنان في دائرة الخطر الحقيقي، علما ان الجميع يعرف الاخطار الاقتصادية والمالية التي تلف البلد وتشمل كل قطاعاته ومؤسساته. هذه «الهواجس» لا تستجلب سوى لغة الحرب والشحن والشحن المقابل، لتترك الساحات امام التطرف الذي لن يجلب على لبنان الا الخراب والدمار. حال كهذه خبرها اللبنانيون في سبعينات القرن الماضي، وفي مراحل دامية ومحطات سود، ثم ما لبثوا ان احتكموا الى العيش الواحد بعدما اقتنعوا ان لبنان لا يكون الا بتعدده الثقافي وتنوعه الحضاري، اللذين شكلا له قيمة مضافة في هذا الشرق. لبنان هو البلد الوحيد الذي لا دين للدولة فيه، وهو الوحيد الذي يقر التنوع والتعدد في دستوره.

ما يحصل حاليا ليس صحيا على الاطلاق، بل هو خطر حقيقي يهدد الدولة ومؤسساتها. المشتركات بين اللبنانيين هي اكثر واقوى بكثير من نقاط الاختلاف. والمفارقة التي تستدعي الوقوف عندها طويلا، هي ان اللبنانيين اقروا في وثيقة الوفاق الوطني (الطائف) ان لبنان وطن نهائي لجميع ابنائه. لكن في المقابل لا نرى ان الجميع للبنان.

السؤال الذي يطرح : متى سيتوقف هذا البلد عن ان يكون مستودعا للازمات؟ فرض عليه استقبال الاشقاء النازحين بما يفوق طاقته بأضعاف مضاعفة، وتسبب ذلك بانعكاسات سلبية ديموغرافيا واقتصاديا واجتماعيا وبيئيا. هذا لا يعني في اي حال من الاحوال الذهاب الى قرارات «عنصرية» لمعالجة هذا الوضع. كما فرض عليه من قبل ان يكون ساحة خلفية للصراع العربي ـ الاسرائيلي، فكان ان صار نهبا للعنف والكراهية الصهيونيين. قبل هذا وذاك كان ساحة لكباش المحاور الاقليمية والدولية فكان ما كان من تصدعات كادت تطيح البلد حتى كان العام 1975 وصولا الى اتفاق الطائف الذي شكل ولا يزال الضمان للبنان وشعبه واستقراره.

آن للبنانيين ان يتعلموا، من حروبهم وانشقاقاتهم، الالتقاء على كلمة سواء في الازمات لايجاد الحلول لها ومعالجتها والخروج منها بأقل الاضرار الممكنة، وان يدركوا ان وطنهم لن يكون قويا ومعافى الا متى كانت دولتهم، بمؤسساتها المختلفة، قوية وقادرة وعادلة، وطبعا الدولة القوية لن تكون الا بالدولة المدنية وعمادها «المواطنة» التي يتساوى فيه الجميع بالحقوق والواجبات، وليس بدولة الطوائف الكارهة بعضها لبعض، والباحثة دائما عن اسباب للصراعات ظنا منها انها ضمان المستقبل.

لبنان بتعدديته يملك قوة استثنائية تجعل منه وطن الرسالة، لكونه يمتاز عن محيطه بالتنوع والتعدد. على ارضه تتعايش العروبة مع الفرانكوفونية والانكلوسكسونية، ومن دون اي تنازع. في حين ان محيطنا كله يشتعل بسبب الأحاديات القاتلة، وآخرها الكيان الغاصب الذي يزعم انه دولة ديموقراطية بينما يعمل ليل نهار ليكون كيانا دينيا بامتياز.