الرئيس الايراني حسن روحاني يعلن ان بلده سترفع نسبة التخصيب الى المستويات التي تحتاجها وانها ستعيد تشغيل مفاعل أراك، كل هذا عتبارا من السابع من هذا الشهر نهاية الموعد الذي حددته ايران للاتحاد الاوربي لتلبية طلبات ايران بالتزام الاوربيين بما يلزمهم تبعا للاتفاق النووي الايراني.

سبق وكتبت مقالا منذ وقت قريب قلت فيه ان احتمال ان تشن الولايات المتحدة حربا على ايران لا يقوم بصورة جدية الا اذا ذهبت ايران في تنفيذ ما تتحدث عنه من انها سترفع مستويات تخصيب اليورانيم، والان ايران تؤكد ما سبق وتحدثت عنه من انها ستمضي الى ذلك بل وستعيد تشغيل مفاعل اراك، وبذلك ايام فقط تفصلنا عن احداث ان وقعت فستكون الاكثر كارثية في تاريخ البشرية.

قبل يومين اعلنت ايران انها رفعت مخزونها من اليورانيوم المخصب – تحت نسبة الاتفاق النووي – الى 300 كيلو جرام وهو امر مزعج بالنسبة لخصوم ايران للغاية وعلى اثر ذلك ارتفعت معدلات الخطر في الملف الايراني لمستويات لم تبلغها حتى عند إسقاط الطائرة الامريكية المسيرة.

رفع المخزون اخذ بجدية كاملة من الادارة الامريكية وتقرر عقد اجتماع خاص في البيت الابيض وتم استدعاء نائب الرئيس الامريكي على عجل والذي قطع زيارته لاحدى الولايات الامريكية وعاد الى واشنطن وعلق على هذا الاستدعاء العاجل بالقول ”هناك امر ما قد استجد”، و هذا بالطبع بعد صدور تصريحات رسمية عاجلة بريطانية وامريكية وصهيونية ما بين الادانة والتوعد.

قبل ايام كان هناك سجال بين البيت الابيض والكونغرس الامريكي حول حق الرئيس الامريكي ”ترامب” في توجيه ضربة لايران وكسب هذا السجال ”ترامب” الذي اعتبر مغطى قانونيا – تبعا للقانون الامريكي – لتوجيه ضربات محدودة لايران وبات بامكان ”ترامب” اتخاذ قرار بتوجيه ضربات عسكرية لاهداف محددة في ايران اذا قرر ذلك ودون الحاجة للرجوع للكونغرس.

بالمقابل الامر ليس بهذه السهولة، فمع كون ”ترامب” مغطى قانونيا لتوجيه ضربات، الا ان احتمالات ما سيترتب على هذه الضربات ان وجهت لايران هو الحرب مع على اعلى مستوياتها، فإيران لن تقف مكتوفة الايدي تجاه اي ضربات قد تستهدفها، وهنا هي حساسية القرار المطلوب من ترامب والذي يجعل منه غاية في الصعوبة وبعبارة اوضح ما هو مطلوب من ترامب اتخاذة ليس قرار ضربات محدودة لايران وانما قرار شن حرب على ايران عمليا، ولهذا فالامر لا زال معقدا بالنسبة للداخل الامريكي فسيكون مطلوبا من ترامب وادارته عقد مشاورات واسعة قبل اتخاذ القرار نظرا لطبيعته الخاصة وان لا يقتصر الامر على مشاوراته مع ادارته و اتخاذ القرار، ويظل مزاج ترامب المتهور يمكن ان يمضي في اتخاذ القرر حتى دون تلك المشاورات الواسعة بكل ما يحمله ذلك من المخاطرة داخليا.

الدعوة المفاجئة لـ بينس نائب الرئيس الامريكي وقطعه زيارته وعودته العاجلة الى واشنطنو خلقت حالة توتر غير مسبوقة عالميا، فالرئيس الروسي بوتين أجّل مواعيد في جدول اعماله وعقد اجتماعا مع وزير دفاعه، الاتحاد الاوربي دعا لاجتماع عاجل خلال ساعات، والجميع يتوجّس شرا من مزاج ترامب المتهوّر وبأنه قد يتسبب بكارثة لن يسلم من اثارها السيئة احد.

ذهاب ايران لرفع مخزونها من اليورانيوم، دفع العالم الى الاقتراب من حافة الهاوية، ولكن رفع مخزون اليورانيوم شيء ورفع نسبة تخصيب اليورانيوم شيء اخر، واذا طرح رفع المخزون مسألة قرار الحرب بجدية غير مسبوقة من قبل وخلق ذلك التوتر العالمي فرفع مستوى التخصيب سيجعل قرار الحرب في حكم المؤكد وسيضع العالم على حافة الهاوية تماما.

رفع ايران لمستوى تخصيب اليورانيوم لن يغطي الولايات المتحدة وحلفائها امام العالم لتوجيه ضربة من حيث المبدأ، فإيران، اذا اعتبرنا انتهاء الاتفاق النووي ليست ملزمة في هذا الجانب الا بسقف التخصيب المحظور قانونا وهو التخصيب لاغراض عسكرية بينما ايران حتى اذا مضت في رفع مستوى التخصيب فسيكون ذلك دون التخصيب العسكري كمسألة اكيدة ، بمعنى ان ايران ستلعب في هامش أمن قانونا هو ما بين نسبة التخصيب المتدنية المتفق عليها في الاتفاق النووي وبين نسبة التخصيب المحظورة قانونا والتي تستخدم للاغراض العسكرية.

هذا الهامش الذي ستلعب ايران في حدوده ليس هينا، بل هو غاية في الخطورة اذا اضفنا للعوامل سعي الادارة الامريكية للحرب اساسا منذ انسحابها من الاتفاق النووي وكذلك الادارة الامريكية الغالب عليها من يوصفون بالصقور او مجموعة المتطرفين الذين يغلّبون المصلحة الصهيونية على المصلحة الامريكية ذاتها، واذا اضفنا مزاج ترامب المتطرف والمتهور والفرصة المتاحة امامه بتغطيته القانونية داخليا لتوجيه ضربات، كل ذلك سيجعل من لعب ايران في هذا الهامش المفترض بأنه أمن، هو لعب بالنار بما تعنيه الكلمة من معنى.

الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق النووي واعتبرته منتهي۔ ايران تناور برفع مخزونها وبتلويحها رفع نسبة التخصيب واعادة تشغيل مفاعل ”اراك” مع الاتحاد الاوربي وليس مع الولايات المتحدة، و الكرة الان هي في ملعب الاتحاد الاوروبي، فالضغوطات التي تصب في سبيل التمسك بالاتفاق النووي قد انتهت بالنسبة للولايات المتحدة ولم يعد لها من مكان إلا مع الاتحاد الاوربي وسيكون الاتحاد الاوربي والدول الاوربية الموقّعة على الاتفاق النووي تحديدا محل ضغط عالمي كبير، فايران في الوضع الاسلم، فقد تمسكت بالاتفاق رغم الانسحاب الامريكي، والاوربيين هم بالفعل لم ينفذو عدد من البنود الملزمة لهم تجاه ايران بموجب الاتفاق الذي لا يزالون يتمسكون به ويحثون ايران كذلك على التمسك به، وبذلك فالاوروبيين سيتحملون مسؤولية مباشرة في حال انزلقت الاوضاع للاسوأ، فليس ترامب فقط هو من انسحب من الاتفاق النووي، وانما الاوربيون ايضا سيكونوا قد انسحبوا منه عمليا اذا رفضوا التقدم بخطوة الى الامام باتجاه ايران. وكان الموقف الروسي واضحا في هذا الجانب عندما طالب الاوربيين ان يتحملوا مسؤولياتهم تجاه الحفاظ على الاتفاق النووي.

ايران لا تريد الحرب، كان هذا واضحا من خلال اعلانها عن رفع مخزونها من اليورانيوم، وقد اردفته بإعلان لاحق، وهو انه يمكن التراجع عن هذه الخطوة اذا وجدت تقدما من الاتحاد الاوروبي تجاه الوفاء بالتزماتهم، لكن اذا لم يحدث اي تقدم من الاوروبيين ولو بخطوة للأمام، فايران ستكون امام تحد هائل بين المضي في تنفيذ وعودها برفع نسبة التخصيب بكل ما يحمله ذلك من مخاطر عالية وجدية وفي حكم الاكيدة، وبين ان لا تنفذ وبذلك ستخسر قوة موقفها في التأثير لصالح حصولها على ما تراه حقوقها بشكل مباشر وعلى وضعها وموقفها في المنطقة والعالم ككل بشكل غير مباشر.

ما هو القادم القريب؟ هذا امر يصعب التكهن به الان، لكن يمكن بدء ارتسام معالمه بخروج الموقف الاوروبي في هذا الخصوص خلال الايام القادمة قبل السابع من الشهر، و ستتبلور معالمه بشكل اوضح – في حال لم يتقدم الاتحاد الاوربي الى الامام – بالتصرف الايراني وفيما اذا كانت ستمضي في رفع نسبة التخصيب ام ستتراجع عما اعلنته۔

على كل حال يمكن القول بصورة غير مسبوقة، ان العالم يمر بأوقات شديدة الخطورة، وفي حال وقع الاسواء فسيتغير الواقع العالمي تماما.

عبدالوهاب الشرفي

المصدر - رأي اليوم