مجلس الوزراء «معلق» على تسوية «التفاصيل» الأمنية

الحريري رفض طلبا من باسيل لتأجيل اللقاء مع جنبلاط !


بعد ادراك معظم القوى السياسية خطورة «اللعب على حافة الهاوية»، تتجه أحداث الجبل نحو الإحتواء على الرغم من عدم حصول تسليم لكامل المتورطين، وعلى الرغم من تحديد موعد دفن مرافقي الوزير صالح الغريب اليوم وغدا، تزامنا مع وعود جدية يرعاها مدير الامن العام اللواء عباس ابراهيم بأن تسلك الاجراءات الامنية والقضائية مسارها الصحيح، لم «تعبد الطريق» بعد امام تحديد جلسة جديدة لمجلس الوزراء في ظل استمرار الخلاف على اعداد المتورطين بالاحداث، ففيما يصر الحزب الديموقراطي على وجود 32 متورطا يرفض الحزب الاشتراكي هذا الرقم، ويشير الى ان المطلوبين لا يتعدون الثمانية اشخاص، ويربط تسليم بعضهم بتسليم المتورطين من الطرف الاخر.. والى ان تحسم هذه المسألة التي ترافقت مع وقف الجيش مداهماته بانتظار التوصل الى تسوية، تبقى احالة القضية الى المجلس العدلي معلقة، في ظل غياب الاجماع ضمن الفريق الواحد حولها، ما سيؤدي حكما الى سقوط الاحالة اذا ما جرى التصويت داخل مجلس الوزراء في ظل اصرار الرئيسين بري والحريري على عدم الذهاب باتجاه خطوات تصعيدية، وهو ما دفع رئيس الحزب الديموقراطي طلال ارسلان الى القول بأن «دماء الناس اصبحت في رقابهم».. ومساء عقد اجتماع بين رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الصناعة وائل ابو فاعور موفدا النائب السابق وليد جنبلاط وذلك على أثر اجتماع عقده الحزب الاشتراكي. وبحسب أوساط «الاشتراكي» يأتي الاجتماع استكمالا للقاء عين التينة ولإعلان جنبلاط من دار الطائفة الدرزية استعداده للإنفتاح على مختلف الفرقاء. ووفقا للمعلومات أبدى جنبلاط انفتاحه على اي مسعى لتقريب وجهات النظر بين التيار الوطني الحر والحزب الاشتراكي وابلغ الحريري استعداده للحوار، مع العلم ان بعض المصادر تتحدث عن نية رئيس الجمهورية ميشال عون عقد لقاء مرتقب في قصر بعبدا يجمع كل الافرقاء، ويبقى الموعد رهنا بتأمين ظروف نجاحه، والاتصالات الان على «قدم وساق» لحسم الامر.

«ضربات تحت الحزام»

في هذا الوقت، بدأت تتكشف المزيد من المعطيات التي سبقت تلك الاحداث وما تلاها من مواقف تخللها ضربات «تحت الحزام» بين وزير الخارجية ورئيس الحكومة «هزت» التسوية مجددا لكن دون ان «تقع»، وقد تبادل الرجلان «العتاب» «والفيتوات»، لكن الخلاصة برأي اوساط وزارية في صالح «المختارة» حيث حقق جنبلاط مبتغاه، بعدما منحه باسيل فرصة ليوجه من خلالها «رسالة» بالغة الدلالة الى الجميع بانه لا يزال «رقما» صعبا في المعادلة الدرزية، وفي هذا الاطار يحمله الحريري المسؤولية لانه ساعد بسلسلة «الفاولات» المرتكبة على تعبئة الشارع الدرزي خلف «كليمونصو»، وما زاد «الطين بله» اصرار باسيل على احراج الحريري مرة جديدة بتعطيله جلسة الحكومة على نحو اظهره انه الآمر الناهي في هذا السياق.

«رسائل» الحريري

وبرأي تلك الاوساط، طبق الحريري للمرة الاولى القول بالفعل، فهو عندما خرج «مستاء» بفعل اصرار باسيل على احراجه حكوميا، قال ان من يريد ان «يلعب معي» بعرف «انا كمان كيف بلعب معه»، وهنا كان واضحا ان رئيس الحكومة كان ينتظر اللقاء «الثلاثي» مع الرئيس نبيه بري والنائب السابق وليد جنبلاط، للرد على «ازدراء» باسيل بموقع رئاسة الحكومة، وقد جرى «تظهير» جلسة «غسل القلوب» على انها عودة الى «احتضان» «المختارة» وبدل ان تدفع الاثمان السياسية، يعاد تعويمها الان من «بوابة» «عين التينة» و«بيت الوسط»..

«عتب» باسيل

ووفقا للمعلومات، عبر باسيل عن انزعاجه لرئيس الحكومة و«عاتبه» بعدما اصر الاخير على عقد لقاء المصالحة مع جنبلاط عند بري، ولم يعمد الى تأجيله الى موعد لاحق، واعتبرت اوساط «التيار» ان «الشريك» في التسوية عمد بعد ساعات من «الكمين» في الجبل الى مكافأة «الجاني» بدل توجيه «رسالة» سياسية صارمة تعيد الاعتبار الى «هيبة» الدولة التي استباحها الحزب التقدمي الاشتراكي. لكن رئيس الحكومة بدا مصرا على ادارة الازمة «بنفس» «الاحتواء» وليس الكيدية، وابلغ وزير الخارجية انه ليس بصدد توجيه «رسالة» خاطئة الى شريحة واسعة من الدروز في لحظة سياسية حساسة تمر فيها البلاد، وكان صريحا معه الى حد القول، بان الاحداث اثبتت ان «الخصومة» مع وليد مكلفة والدليل ما حصل في قبرشمون وغيرها من قرى الجبل، ولذلك لا بد من التهدئة واستيعاب شعوره بالعزلة الداخلية والاقليمية.

تقارير الحسن... والجيش

ووفقا للمعلومات، جاء النقاش الحاد بين باسيل ووزيرة الداخلية ريا الحسن على هامش اجتماع مجلس الدفاع الاعلى ليكشف حجم التباين في معالجة الاحداث، وعلم في هذا السياق ان وزيرة الداخلية كانت قد اطلعت رئيس الحكومة على تقارير امنية حصلت عليها قبل 48ساعة من وقوع الاحداث تفيد بأن التوتر قد بلغ ذروته في الجبل وقدمت توصية بالغاء الزيارة، لكن وزير الخارجية أصر على اتمامها على الرغم من اتصال الحريري به واطلاعه على المعطيات الميدانية، ومن هنا جاء تحميل الحسن لباسيل جزءا من مسؤولية التطورات السلبية التي احاطت بجولته.

وهنا تسجل تلك الاوساط ملاحظة شديدة الاهمية وتجزم من خلالها ان تقارير استخبارات الجيش كان مطابقا لرأي الاجهزة الامنية التابعة «للداخلية»، ولم تكن قيادة الجيش راغبة في وضع المؤسسة العسكرية في موقف حرج ولا تريد التورط «بالمعمعة» السياسية، لكن بعد اصرار باسيل قام الجيش بدوره في تأمين الزيارة التي اضطر وزير الخارجية متأخرا الى الاقرار بأنها لم تكن في وقتها وغادر الجبل دون اتمامها...

زيارة طرابلس..!

وما اثار «حفيظة» رئيس «تكتل لبنان القوي»، توصية جديدة من وزيرة الداخلية نصحت فيها بتأجيل زيارته الى طرابلس نهاية الاسبوع الجاري، لكنه رفض «الوصاية» على جولاته رافضا تأجيلها... وفي هذا السياق جزمت مصادر «التيار الوطني الحر» ان الزيارة لا تزال قائمة، في موعدها نهاية الاسبوع. وقالت انه من ضمن برنامج الزيارة لقاء لباسيل مع كوادر التيار في المدينة في معرض رشيد كرامي الدولي، قبل ان ينتقل الى دارة النائب فيصل كرامي حيث يولم على شرفه والوفد المرافق. واكدت ان لا علاقة لزيارة طرابلس بما حصل في منطقة قبرشمون وهي مجدولة في وقت سابق، ومن الطبيعي ان يزور اي رئيس حزب اي منطقة لبنانية.

لقاء اعادة «التوازن»..

في المقابل تؤكد اوساط نيابية مطلعة على اللقاء الثلاثي في عين التينة، انه من المبالغة القول انه ارتقى الى مستوى التحالف السياسي، وجزمت انه لن يكون على حساب التسوية الرئاسية، واذا كان رئيس مجلس النواب نبيه بري قد ابلغ وزير شؤون النازحين صالح الغريب انه يقف على مسافة واحدة من كافة الافرقاء، فان رئيس الحكومة سعد الحريري اعاد التوازن الى علاقته مع المختارة دون المس بتسويته مع الوزيرجبران باسيل، لكنه اخرج نفسه من «لعبة» محاصرة الحزب التقدمي الاشتراكي وابتعد «مسافة معقولة» عن حليفه الرئاسي دون ان يتجاوز «الخطوط الحمراء».. فعمليا تم طي صفحة الاشتباكات بين «المستقبل» «والاشتراكي»، وما اصاب العلاقات بين الجانبين من شوائب في المرحلة السابقة باتت من الماضي، واذا كانت عين التينة ثابتة على موقفها الى جانب «كليمونصو»، فان اصطفاف الحريري مجددا في هذا التفاهم القائم على عدم «احراج «جنبلاط «لاخراجه»، يحتاج الى متابعة خصوصا ان أوساط «المستقبل» حملت الوزير باسيل المسؤولية المباشرة عما آلت اليها الامور، بعدما واصل ودون هوادة بدفع رئيس الحكومة نحو «الحائط»، وبات رئيس «تكتل لبنان القوي» بحاجة الى اعادة حساباته السياسية في ظل تكتلات كبيرة تصطف لمنعه من «دخول» قصر بعبدا..

وبحسب مصادر وزارية بارزة، فان الاختبار الجدي الان للعلاقة بين العهد والرئيس الحريري ستكون في استكمال تعيينات أعضاء المجلس الدستوري، حيث يسعى فريق رئيس الجمهورية الى بتها في جلسة يرأسها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وعدم انجازها في جلسة برئاسة رئيس الوزراء سعد الحريري، وفي ذلك «رسالة» ضمنية الى السراي الحكومي بان الجلسات «الدسمة» موقعها بعبدا..

موقف حزب الله

في هذا الوقت، وفيما غاب اي بيان رسمي من حزب الله حول الاحداث، تقول أوساط مقربة من الحزب انه ليس طرفا في «المشكل» على الرغم من الدعم الواضح للامير طلال ارسلان، لكن حزب الله ابلغ الجميع انه يدعم المساعي السياسية لرئيس مجلس النواب نبيه بري، والمساعي الامنية للواء عباس ابراهيم لاعادة التهدئة الى الجبل، لان الحزب يرى نفسه معنيا في عدم حصول اي توترات أمنية، ولا يزال مع ايجاد المخارج المطلوبة لتحقيق العدالة ومحاكمة المتورطين بالاحداث.

استمرار مساعي التهدئة

وفي سياق الاتصالات المستمرة لتهدئة الاجواء، زار المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم، دارةَ خلدة والتقى رئيس الحزب الديموقراطي اللبناني النائب طلال إرسلان، وكان لافتا قيام وزير شؤون النازحين صالح الغريب الذي كان حاضرا في اللقاء، بزيارة عين التينة للقاء الرئيس نبيه بري. وقال بعد الاجتماع «لمست من الرئيس بري الحرص على الاستقرار في الجبل والحقيقة تبقى كما هي حتى لو لم تجد تأييدا عاما لها وهويعرف الحقيقة ومشكور لمساعيه». ووفقا لمصادر مطلعة فان رئيس الجلس طمأن الغريب انه على مسافة واحدة من الجميع، وان مسألة الاحالة على المجلس العدلي ترتبط بالتحقيقات، فاذا تبين وجود «كمين» معد مسبقا في قبرشمون فانه لكل «حادث حديث»...

توافق على التشييع..

وبعد اجتماع خلدة، قال ارسلان ان الأمور تسير بالمسار الذي يعمل عليه اللواء ابراهيم بكل شفافية وصدقية ودعا الى عدم اختلاق روايات غير واقعية، مؤكدا ان ابراهيم يعمل لأمن الجبل»، مضيفا بأن الحديث عن أن احالة حادثة قبرشمون إلى المجلس العدلي ستفجر الحكومة مرفوض لأنه يمس بهيبة الدولة». أما ابراهيم، فقال «وليد جنبلاط قال كلمة أساسية وهي أنه تحت القانون والأمور تسير في الاتجاه الصحيح ولن ادخل في مسألة اعداد الموقوفين، والمجلس العدلي ليس عندي فكل ما يتعلق في السياسة يبقى في السياسة، وكان ارسلان كان غرد عبر حسابه على «تويتر»، قائلاً «أحذّر من مخاطر تسليم أناس أبرياء للتغطية على المتورطين الحقيقيين بجريمة الاغتيال التي هدّدت السلم الأهلي وأمن الدولة على حد سواء، ومسارهما القضائي معروف وليس بحاجة لاجتهادات وتدوير زوايا». وأضاف: «مؤكداً على ما قاله فخامة رئيس الجمهورية بأن هنالك مسارين مختلفين لا يلتقيان. اولاً المسار القضائي للاقتصاص من المحرّض والمرتكبين والثاني المسار السياسي القائم على الأسس الوطنية لقيام الجمهورية، وفي حديث صحافي أكد ارسلان انه من خلال المسؤولية الوطنية التي يتحملها الرئيسين بري والحريري، فان دماء الناس اليوم في «رقبتيهما»... ولاحقا، أعلنت مديرية الإعلام في الحزب «الديمقراطي اللبناني» أن «رئيس الحزب ونزولا عند رغبة الهيئة الروحية العليا لطائفة الموحدين الدروز والمشايخ العقلاء واحتراماً للقيم والعادات التوحيدية الشريفة، قد توافق مع عائلتي الشهيدين عضو الهيئة التنفيذية في الحزب رامي أكرم سلمان والكادر الحزبي سامر نديم أبي فراج على تعيين موعد تشييعهما بمأتمين حزبيين وشعبيين في مسقط رأسيهما، حيث سيتم تشييع الشهيد رامي سلمان نهار اليوم الجمعة الساعة 2 بعد الظهر في بلدته الرملية، وتشييع الشهيد سامر أبي فراج نهار السبت في الاولى بعد الظهر في بلدته بعلشميه». واضافت «هذه الخطوة لن تثنينا عن المطالبة والإصرار على تسليم جميع المطلوبين والمتورطين والمحرضين إلى الأجهزة الأمنية والقضائية المختصة، حيث أن دماء الشهيدين البطلين والجرحى الذين سقطوا نتيجة الكمين المسلح لن تذهب سدى وهي امانة في اعناقنا، ولا حل لهذه المشكلة إلا باتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة ومحاسبة كل من يثبته التحقيق متورطا في محاولة الإغتيال التي حصلت».

«قلق» لبناني من نوايا اسرائيل

وفيما غادر نائب مساعد وزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الادنى ديفيد ساترفيلد بيروت منذ يومين بأجواء سلبية، في ضوء عودة «وساطته» لترسيم الحدود مع اسرائيل الى نقطة الصفر، أعربت أوساط وزارية عن قلق لبنان من هذه المماطلة الاميركية- الاسرائيلية خصوصا ان المسؤول الاميركي لم يعط اي تبريرات حيال تراجع اسرائيل عن التفاهمات السابقة كما انه ابقى مسألة بقاء المهمة لديه او تسليمها الى خلفه ديفيد شنكر «غامضة»، وهو لم يحدد اي توقيت لبقاء الملف في عهدته، وتخشى تلك الاوساط من محاولات اسرائيلية لادخال الملف في «بازار» التوتر الاميركي- الايراني، وانتظار الاعلان السياسي لصفقة القرن بعد الانتخابات الاسرائيلية في ايلول، حيث «يهمس» دبلوماسيون اوروبيون للمسؤولين اللبنانيين بأن واشنطن وتل ابيب لا تريدان «بيع» موقف مجاني للبنان وقد يكون مفيدا ربط اي تنازلات بتنازلات في المقابل في مسألة توطين الفلسطينيين، ولذلك لا يبدو الاسرائيليين والاميركيين على عجلة من امرهم، وتبين ان «استعجال» ساترفيلد في زيارتها ما قبل الاخيرة لم يكن الا مناورة سياسية للضغط على الجانب اللبناني، كما لا يبدو بنيامين نتانياهو مستعجلا للبت بالملف قبل الانتخابات خوفا من تعرضه انكسارات جديدة في ضوء تراجع شعبيته.