نبيه البرجي

لكأننا في دوقيات القرن الثامن عشر. مونتسكيو تحدث عن الرعايا التي كانت تغبط كلاب الصيد على الترف الذي ترفل فيه. كان باستطاعة الكلب أن يعبّر عن آرائه بصوت عال، وكان يفكر، ولم يشعر، في أي وقت، بالعوز أو بالجوع.

الدوق لم يكن ينام الا بعد أن يشنّف أذنيه بتلك الأنغام السنفونية من الكلاب التي كانت تعوي، بما يشبه اللوعة، ربما عشقاً بالقمر!

لا وثيقة تثبت أن كلاب الصيد كانت تخضع لأي شكل من أشكال التعليب. الدوق أولاً. الكلاب ثانياً. الرعايا ثالثاً. من كانوا في خدمته من البشر انما كانوا من ممتلكاته. تماماً على شاكلة الطناجر، أو على شاكلة قطعان الماعز، أو على شاكلة أكياس الشعير المكدسة في اسطبلات الخيول.

في جمهوريتنا التي نتغنى بأنها بلغت أقصى درجات الفانتازيا، نعيش الحداثة على طريقة الليدي غاغا التي قالت، حين ظهرت في «فستانها» الأخير، انها استعارت ورقة التوت التي كانت حواء تغطي بها مفاتنها، وهذا ما أغوى آدم الذي آثر النزول على الأرض لينام مع حواء على فراش واحد لا أن يختبئ وراء شجرة في الجنة.

حتى الساعة، لا يزال هناك من يرى في وثيقة الطائف كتابنا المقدس. لولاها لبقي لبنان شظايا جغرافية، وديموغرافية. هذه الوثيقة تبلغ مداها الفلسفي، والمستقبلي، في المادة 95 من الدستور. تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية. الذي حدث أننا قرأنا النص باقدامنا،

لا بعيوننا. هكذا التقهقر من أعالي الطائفية الى أعالي المذهبية.

اذاً، اقتراح الى نجوم ساحة النجمة بتعديل المادة اياها. تشكيل هيئة وطنية لالغاء المذهبية السياسية. كم هي جميلة العودة الى زمن الطائقية (يا زمان الطائفية!). الآن، زمن المذهبية السياسية. كل قبور آبائنا حفرناها بأظافرنا لكي نقاتل، بعظامهم، بعضنا البعض.

كنا نأمل أن يكون هناك صراع على الجمهورية. أن ننتشلها من القاع لا أن ندفع بها الى القاع. جانب من هذا القتال من أجل رئاسة الجمهورية، ما يذكّرنا بقول ميشال ادة «نحن الموارنة كلنا عقل. لكننا نجنّ مرة كل ست سنوات. اعذرونا، لا نستطيع الا أن نجنّ، من ذقني وجرّ...»

حيال تلك البانوراما (الدوامة)، تبدو الجمهورية وقد تحولت الى عصفورية. المنطقة كلها أمام الانفجار الكبير (BIG BANG) الذي لا يؤذن ببداية العالم وانما بنهاية العالم. بالرغم من ذلك، نحن في ذروة الجدل حول المحاصصة. كونفديرالية الفساد.

تعالوا، يا جماعة المجتمع المدني، نشكل وفداً الى ضريح الجنرال هنري غورو. نقول له... «هذه جمهوريتك التي ولدت على يديك في قصر الصنوبر تعود اليك».

لا، لن نفعل كما فعل بطل المارن حين ضرب بحذائه الضريح، وقال «ايه صلاح الدين، لقد عدنا».

نحن أبطال الفلافل والشيش طاووق، نذهب حفاة الى الأنفاليد، ونعيد اليه الأمانة التي لم نحافظ عليها كالرجال. لا رجال دولة، ولا دولة، في لبنان.

لسنا في عنق الزجاجة. نحن في قعر الزجاجة. لا ننفك نشعل الحرائق، كما لو أن الجمهورية لا تقف على قرن ثور، وكما لو أننا لا نمشي عراة على صفيح ساخن. بالرغم من ذلك، لا نتوقف عن ذلك المسار الدونكيشوتي، حيث طواحين الهواء هي طواحين الدم.

دوقيات القرن الثامن عشر. هنا لا وجود لغاريبالدي اللبناني، ولا لبيسمارك اللبناني، ولا حتى لروبسبيير اللبناني. هذه جمهورية غوار الطوشي. حارة كل مين أيدو الو. المشكلة أن الأيدي لم تكتف بالسطو على مغارة علي بابا. ها هي تشعل الحرائق حتى في المقابر.

أين رجال الدولة في تلك اللحظة؟ حتى على الشاشات، حتى على صفحات الجرائد، كان هناك من يدافع عن الذين يضعوننا على أكوام الحطب ريثما تدق الساعة الكبرى. ساعة... أكلة لحوم البشر.

هل نكشف سراً اذا قلنا أن ثمة أشياء تحدث على الأرض اللبنانية وتدار بخيوط من الخارج. لطالما قيل ان «صفقة القرن» لا يمكن أن تشق طريقها الى القرن الا عبر سلسلة من العمليات الجراحية المعقدة. من قال ان جمهوريتنا، بالألواح الخشبية البالية، خارج تلك الغرنيكا؟

كل دول العالم تنظر الى دولتنا كونها الدولة الفاشلة. ألا يقول تقرير «موديز» ان ديناميكية الزمن (لا ديناميكية المال وحده) توقفت في لبنان؟ المديونية أشبه ما تكون بجبل من الثلج المشتعل على وشك الانهيار فوق قرية مهددة للتحول، بين ليلة وضحاها، الى ركام.

هذا الكلام نقله مستشار مؤسسة مالية دولية الى مرجع كبير. في هذه الحال، أي ضمير سياسي يحكم مسار (ومآل) الأمور في الجمهورية.

لا مكان للضمير السياسي في سائر أرجاء المنطقة. النتيجة أننا، كرعايا، داخل الأدغال. يوماً بعد يوم، نزداد يقيناً بأننا رعايا اللادولة، وبأننا نغبط كلاب أولياء أمرنا على حقوقهم. الحق في العواء، الحق في التفكير، الحق في الحياة التي هي هبة من الله، وان حاولوا الايحاء لنا بأنهم من يحيون ومن يميتون.

أي تجربة نعيشها الآن؟ أن نكون عيدان الثقاب ( كائنات بشرية على شاكلة عيدان الثقاب) ونستعمل في الحريق الأخير. أليس هناك، في الداخل وفي الخارج، من يراهن، ومن يسعى، الى أن يجعل من الجمهورية... مهرجاناً للخراب؟

من زمان، قال المطران جورج خضر «لبنان واقع ركام لا واقع جماعة». لقد صدق...