نبيه البرجي

الديبلوماسي الأميركي، المستعرب، جورج بول نقل عن هنري كيسنجر قوله «أزمة الشرق الأوسط ولدت حين ولد الله، وتموت حين يموت الله».

وقال «الأزمة هي بين نصف الله والنصف الآخر». هي لاهوتية (تيولوجية)، لا سياسية، ولا تاريخية، ولا حتى انسانية. ماذا عن الأزمة، أو الأزمات، اللبنانية؟

لا مجال لتغطية الحقيقة، بل لا بد من تعرية الحقيقة، وما بعد الحقيقة. النظام سقط، الدستور سقط، الطبقة السياسية سقطت. لم نعد في عنق الزجاجة. اننا على حبل المشنقة.

ونحن في قاع المستنقع، ثمة من عثر على الحل. صرخ مثلما صرخ أرخميدس «وجدتها... وجدتها». الدولة المدنية بكل رشاقتها الفلسفية والسياسية.

لندع جانباً المقاربات اللولبية للتراجيديا اللبنانية. الذي حدث مع النائبة اللبنانية رلى (لا رولا) الطبش أكثر من أن يكون مروعاً. التفاعل، حتى ولو بالشكل، مع الآخر يعني الردة، والردة تعني قطع الرأس بالسيف. حالياً بالساطور، وما أدراك ما الساطور!.

على نائبة بيروت، بيروت التي قال فيها رفيق الحريري، وهي تنتمي الى تياره،«مدينة عريقة للمستقبل»، أن تبعث بكتاب امتنان الى الله لأنهم لم يدعوا الى قطع رأسها أو الى رفع الحصانة عنها واخراجها، بالأصفاد، من ساحة النجمة.

هذا كان يمكن أن يحصل لو أن النائبة عضو في اللقاء التشاوري الذي اثبت معظم أعضائه هشاشة منقطعة النظير في طرح قضيتهم، كما لو أنهم لم يشكلوا حالة داخل السنيّة السياسية يفترض أن يكون هناك ما يماثلها في طوائف أخرى وفقاً لسياسات التعليب، والبرمجة، وانزال أصحاب السعادة من المدخنة.

غالبية النواب الستة دافعوا ببغائياً. جماعة الأحادية انقضوا عليهم بلغة الردة السياسية الأكثر بشاعة، والأكثر قابلية للعقاب، من الردة الدينية.

هذه انتفاضة ضد الاحادية، وضد القبلية، داخل الطائفة السنية التي طالما رفعت راية القومية. كان يفترض بالرئيس سعد الحريري، وبالرئيس نجيب ميقاتي، الاحتفاء بتلك الظاهرة التي قد تكون الخطوة الأولى نحو تفكيك التوتاليتاريات التي تتحكم بالبنية السياسية، وحتى بالبنية التاريخية، للجمهورية.

دولة مدنية حين يتقدم نائب، ومحام، على طريقة النظام العنصري في جنوب أفريقيا، باقتراح قانون يحظر بيع أراض من أبناء طائفة الى أبناء طائفة أخرى.

لا بل ان ثمة مجلساً بلدياً يتجاوز كل أحكام الدستور، وكل مقتضيات الوحدة الوطنية، ويمنع اعطاء أوراق ذمة، أو أية وثائق أخرى، تتعلق برخص بناء، أو بعقود ايجار، لأبناء طائفة معينة.

لنضع عند المنافذ الحدودية: دولة قيد التصفية، أو دولة بالمزاد العلني. لعل الحل باعادة الأقضية الأربعة الى سوريا، وتكريس نظام القائمقاميتين في جبل لبنان.

اذا كنتم تتابعون تصريحات الساسة حول تشكيل الحكومة العتيدة. ما من دولة في العالم بلغت هذا الحد من الهلهلة. ما من دولة في العالم بلغت هذا الحد من التفاهة.

لسنا، في أي حال، مع أي طرف. ولكن ألسنا في حضرة الرئيس القوي؟ الرئيس الذي يستمد قوته من ديناميكية التفاعل بينه وبين الناس، لا الذي يعنيه الثلث الضامن، أوالثلث القاتل. تجاوزاً للمهزلة، لماذا لا تكون العودة الى دستور 1926 الذي يولي رئيس الدولة اقالة الحكومة بشطحة قلم؟

هذا بدلاً من المضي الى ما لا نهاية في مسلسل الهرطقات السياسية، والدستورية، التي تحولت، مع الوقت، الى ما يشبه الطقوس المقدسة.

كل ذلك لا ينفي اقتناعنا بان الرئيس ميشال عون يتطلع الى اصلاحات بنيوية ان في هيكلية الدولة أو في أداء الادارات والمؤسسات العامة.

أي اصلاح حين يكون هناك، بين فرسان العهد، من يتعامل بهلوانياً حتى مع مسألة تشكيل الحكومة، دون أن نتناسى الصوت المدوي لرئيس الجمهورية «يا شعب لبنان العظيم»!

الأزمة ليست هنا بل في كوننا نعيش على أرض دولة بعيدة، كلياً، عن المفهوم الفلسفي للدولة، وعن الرؤية الاستراتيجية للدولة. بماذا تختلف الجمهورية الهرمة عن النجمة الهرمة؟ مستحضرات التجميل لم تعد مجدية، ولا ممكنة. أي عملية جراحية في هذه الحال؟

لبنان أمام مأزق البقاء واللابقاء. اذا كان شيوخ القبائل (القبائل الأفغانية) يحتاجون الى عام، أو أكثر، لوقف صراعات الأرقام والحقائب، كم تراهم يحتاجون لكي يتوصل مؤتمر تأسيسي لاعادة النظر في الصيغة، صيغة الطائف التي استنفدت كل مقوماتها، وكل ظروفها، وكل الرجالات الذين أتوا بها؟

دولة مدنية في هذا العراء (الايديولوجي والاستراتيجي) في الاقليم، وحيث كل الأنظمة، وكل الخرائط، وصلت الى خط النهاية ؟

كلام في الوقت الضائع لجمهورية ضائعة. لنعد الى مسلسل «الضيعة ضايعة». الذي قال، ذات يوم، «لبنان ينتج اللبنانيين»، عليه أن يقول اليوم «لبنان يتقيأ اللبنانيين»!!