جهاد نافع

هل عاد الفكر الالغائي من جديد الى الساحة الطرابلسية؟ وهل تضيق طرابلس بحرية الفكر والراي الآخر؟ وهل هناك من يسعى الى ان تتحول طرابلس الى جزيرة منعزلة عن الآخرين وان تكون حكرا لسياسة آحادية الاتجاه؟؟

ما حصل في طرابلس يوم امس السبت فتح ملف حرية التعبير على مصراعيه.. فمنذ أن اعلن «صالون فضيلة فتال الادبي الفكري» عن استقباله للمستشار الثقافي الايراني في السفارة الايرانية محمد مهدي شريعتمدار في محاضرة ثقافية حتى انطلقت حملة تجييش وتحريض غير مسبوقة من مجموعات محسوبة على تيار المستقبل ومن هيئة علماء المسلمين التي تضم مشايخ سلفيين ومتشددين ودعا هؤلاء الى منع المستشار الثقافي الايراني من دخول طرابلس والى تنظيم تظاهرة تحت دارة السيدة فضيلة فتال شجبا لاستقبالها المستشار الايراني..

وحفلت مواقع التواصل الاجتماعي بحملات التحريض والشحن المذهبي، حتى ظهر وكأن طرابلس مقبلة على حرب ضروس بل اوحت الحملة بأن حدثا خطيرا ستشهده طرابلس في وقت لا تزال فيه المدينة تلملم جراحها جراء الاجرام الدموي «الداعشي» المتطرف الذي لم يلق نفس مستوى الشجب والتحريض الذي مارسه البعض في حملته على منع المستشار الايراني شريعتمدار... وبعد ذلك يتحدثون عمن يشوه صورة طرابلس ووصمها بالارهاب وحاضنة للتطرف فيما هم اول من يصمها بهذا التطرف بحملاتهم الفاضحة ـ حسب قول احد شخصيات طرابلس الفكرية...

لعلها المرة الاولى التي تتعرض فيه السيدة فضيلة واصف فتال الى هذا الموقف الحرج منذ تأسيس صالونها الادبي والفكري الذي شاءته أن يكون منبرا حرا بكل ما للكلمة من معنى وهي المؤمنة بحرية الفكر والرأي والمعتقد، وقد استضافت في صالونها شخصيات فكرية وسياسية وحزبية من كل الاتجاهات تأكيدا منها على ان صالونها منبر حر وواحة صراع فكري غير منحاز لاحد، بل عله يغني الفكر والثقافة ويسهم في الانفتاح والحوار البناء على قدر المسؤولية الفكرية.

لم يمض على استقبال صالونها زمنا لشخصيات سياسية مثل امين عام تيار المستقبل احمد الحريري، واللواء اشرف ريفي وآخرين وقد اطلق المذكوران الحريري وريفي الكثير من المواقف المتطرفة التي طالت بسهامهما ايران وحزب الله وسوريا الدولة والجيش ..فيما كانت الدعوة ثقافية ـ فكرية وليست لاطلاق مواقف سياسية متشددة...

لدى السيدة فتال اعتقاد ثابت بما قاله الزعيم سعاده «إن لم تكونوا احرارا من أمة حرة، فحريات الامم عار عليكم»...

لم تتخيل ان دعوتها للمستشار الثقافي الايراني ستلتقى هذا الحجم من الشجب والاعتراض والشحن لانها تعرف ان طرابلس في تاريخها القديم والحديث وفي كل المحطات السياسية بقيت ساحة حرية تتلاقى فيها كل الآراء والاطراف الحزبية والاتجاهات الدينية والمذهبية ولم يمر في تاريخها أن اتجاها دينيا او سياسيا احتكرها ومن الغريب جدا أن يحاول البعض تشويه صورة طرابلس الانفتاح وتقبل الآخر ممعنا في تشويه هذه الصورة وأخذها الى مكان آخر...

رفضت السيدة فتال الغاء محاضرة المستشار شريعتمدار وان الامر متعلق به فحصل أن اعتذر شريعتمدار عن الحضور في بيان مقتضب «حرصا على أواصر الاخوة بين المسلمين عامة، وابناء طرابلس خاصة» بينما اعلنت السيدة فتال ان المحاضرة تأجلت الى الموسم الثقافي المقبل ولم تلغ... عل الآخر يتقبل الرأي الآخرويكون قد انفتح ذهنه وادرك حجم الخطيئة التي ارتكبها بحق طرابلس المنفتحة...

قضية دعوة المستشار الثقافي الايراني الى طرابلس اثارت عدة تساؤلات في الاوساط السياسية وفتحت مجالا لطرح اكثر من علامة استفهام كون ما حصل هو ابعد من احتجاج وشجب:

اولا: هل وافق الرئيس سعد الحريري كونه رئيس تيار المستقبل على تصرفات تياره في طرابلس حيال زيارة المستشار الثقافي الايراني الى طرابلس؟

ثانيا: هل تعكس حجم الخلاف القائم بين الرئيس الحريري وايران انسجاما مع مواقفه اللافتة في مؤتمر مكة؟

ثالثا: هل هي رسالة حريرية الى ايران شاءها أن تكون من طرابلس التي تعتمد دائما صندوق بريد سياسي لاعتقاد حريري ان طرابلس قاعدته السنية؟...

حيال كل ذلك برأي اوساط ثقافية وسياسية ان طرابلس وحدها دائما تدفع ثمن التجاذبات والخلافات السياسية وان هناك دائما من يزج بالمدينة في أتون الصراعات تحت مسميات عدة... فمتى أوان اليقظة؟؟...