دوللي بشعلاني

يبدو أنّ روسيا بدأت تحرّكها قبل إعلان الإدارة الأميركية بنود «صفقة القرن» المرفوضة من قبل دول المنطقة المعنية بها، حتى قبل معرفة تفاصيلها انطلاقاً ممّا جرى تسريبه عن مضمونها لجسّ نبض هذه الدول. ويزور مطلع الأسبوع المقبل بيروت وفد روسي رفيع المستوى من وزارة الخارجية الروسية المعني بالوضع في سوريا، يرأسه الموفد الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى سوريا ألكسندر لافرينتييف، وذلك لمتابعة المبادرة الروسية بشأن إعادة النازحين السوريين الى بلادهم. وتتزامن هذه الزيارة الرسمية مع ما كان أعلنه في وقت سابق الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله عن أنّ لبنان سيستهل مبادرة إعادة النازحين السوريين بعد عيد الفطر.

وتقول أوساط ديبلوماسية عليمة بأنّ روسيا تجد بأنّه لا بدّ من تفعيل هذه المبادرة في ظلّ عدم الموافقة الأميركية والأوروبية على إعادة النازحين السوريين الى بلادهم في هذه المرحلة بالذات. فالولايات المتحدة الأميركية تضع في أولوية اهتماماتها حالياً الترويج لما يُسمّى «صفقة القرن»، تحت إطار إحلال السلام في المنطقة، في حين أنّها لن تؤدّي إلاّ الى إعطاء إسرائيل ما لا يحقّ لها في الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلّة، وإقامة دولتها بالتالي على حساب دولة فلسطين ودول المنطقة ومحاولة شرعنة ذلك دولياً. أمّا الإتحاد الأوروبي فيُبدي موافقته المبدئية على إعادة النازحين لكنّه يتريّث لمعرفة التطوّرات التي ستطرأ على المنطقة ويرفض المساهمة بالأموال فقط، كون ذلك يدعم ويُقوّي موقف الرئيس الروسي في سوريا. ولهذا فإنّ الدول الأوروبية بشكل عام تريد المشاركة أيضاً في الحلّ السياسي الذي سيُعتمد في سوريا، وتتذرّع بالتالي مثل الولايات المتحدة، بأنّ ظروف العودة غير متوافرة حالياً. علماً أنّ نحو 90 % من المناطق السورية باتت اليوم تنعم بالهدوء والإستقرار، وهو العنصر الأساسي لتحقيق عودة النازحين أو المهاجرين بحسب الأعراف الدولية.

ولهذا تتحرّك روسيا اليوم باتجاه لبنان، على ما أضافت، من أجل أمرين: أوّلهما البحث مع المسؤولين اللبنانيين تطوّرات الوضع في سوريا وخصوصاً تحريك مسار آستانة توصّلاً لإيجاد الحلّ السياسي الشامل للأزمة السورية، كون لبنان هو من دول الجوار الذي يعاني من تداعيات هذه الأزمة. وثانيها، لمناقشة ما يُمكن أن يفعله الجانبان اللبناني والروسي مع السلطات السورية لتفعيل المبادرة الروسية بشأن إعادة النازحين السوريين الى لبنان، بهدف الوصول الى إعادة أعداد كبيرة من النازحين الى المناطق الأصلية التي فرّوا منها في سوريا.

وفي رأي روسيا، بحسب الأوساط نفسها، إنّ الفرصة مؤاتية اليوم لتفعيل عودة النازحين السوريين، في الوقت الذي تقوم به كلّ من واشنطن وتلّ أبيب بإعادة رسم خريطة دول المنطقة وفق مصلحة إسرائيل دون سواها، وسط الرفض الدولي لما تقومان به. كذلك فإنّ الوفد الروسي معني بالملف السوري ما يجعله قادراً على مساعدة لبنان في تسهيل هذه العودة، سيما وأنّه يتفاوض في الوقت نفسه مع الجانب الإيراني الذي يهمّه تقديم يدّ العون أيضاً في إعادة النازحين السوريين الى بلدهم.

ولهذا، فإنّه بإمكان لبنان المضي قُدماً لتحقيق هذه العودة، خصوصاً بعد حادثة دير الأحمر الأخيرة التي أظهرت شرخاً كبيراً بدأ بالإتساع بين النازحين السوريين والمواطنين اللبنانيين الذين ضاقوا ذرعاً من استضافة هؤلاء على أراضيهم وفي مناطقهم، خصوصاً وأنّهم باتوا يتحمّلون أعباء هائلة لا قدرة لهم على تحمّلها. علماً أنّ الحكومة اللبنانية طالبت الأمم المتحدة مرّات عدّة بمساعدتها لتحقيق هذه العودة، إلاّ أنّها لم تلقَ أي تجاوب من قبلها سيما وأنّ غالبية الدول لا تزال تربط هذه العودة بالحلّ السياسي في سوريا، وبإعادة إعمارها أولاً. في الوقت الذي لم تُبادر فيه سوى دول معدودة حتى الآن، مثل الصين وألمانيا اللتين لديهما القدرة على الدخول في السوق السوري، على الموافقة على المبادرة الروسية في المساهمة بتغذية صندوق إعادة إعمار سوريا كون روسيا غير قادرة بمفردها على دفع تكلفة العودة التي تصل الى نحو 400 مليار دولار. أمّا الدول الراغبة فعلاً بالمشاركة في إعادة إعمار سوريا والتي لم تُعلن موقفها بعد، فتنتظر، على ما أوضحت الأوساط، توافق دول العالم على الصيغة النهائية للحلّ السياسي في سوريا، لكي تدفع بشركاتها الى الدخول في مشاريع إستثمارية فيها.

كذلك فإنّ الوفد الروسي قد يتطرّق الى مسألة المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي عن طريق الوسيط الأميركي بهدف ترسيم الحدود البحرية والبريّة، على ما ألمحت، خصوصاً وأنّ بإمكانه الدخول على الخط نظراً لوجود شركة «نوفاتيك» الروسية من ضمن تحالف الشركات الذي لزّمه لبنان التنقيب عن الغاز والنفط في البلوكين 4 و9 في المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة للبنان.

وبحسب المعلومات، فإنّ المسؤولين اللبنانيين سيُبدون جهوزيتهم لتفعيل المبادرة الروسية، سيما وأنّ حكومة «الى العمل» قد رحبّت بها لإعادة النازحين السوريين الى بلادهم، في بيانها الوزاري وأشارت الى أنّها «تعمل على إقرار ورقة سياسة الحكومة في اتجاه النازحين». فروسيا قادرة على الضغط على السلطات السورية لرفع العوائق التي تحول دون عودة بعض الراغبين الى بلادهم، ما قد يُساعد في عودة عدد كبير من النازحين الى مناطقهم السورية. ولبنان يحتاج اليوم الى من يمد له يدّ العون في إعادة النازحين قبل أن ينفجر الوضع بين النازحين واللبنانيين على خلفية منافسة السوريين لهم على أعمالهم ولقمة عيشهم.

ولهذا أكّدت بأنّ أي جهة داخلية، حتى تلك المعارضة للتنسيق مع السلطات السورية لإعادة النازحين، لن تُعارض ما سيعرضه الوفد الروسي الرفيع المستوى على لبنان فيما يتعلّق بتفعيل المبادرة الروسية بشكل متسارع، خصوصاً وأنّ جميع البلدات والبلديات أصبحت اليوم تُعاني من الوجود السوري على أراضيها. فمن مصلحة لبنان أن يعمل على التخفيف من أعداد هؤلاء النازحين لا سيما في المناطق الحدودية القريبة من سوريا تجنّباً لأي احتقان شعبي ولتخفيض الأعباء التي تتحمّلها الحكومة في استضافة أكثر من مليون ونصف مليون نازح سوري على أراضيها.

كذلك فإنّ «حزب الله» أبدى جهوزيته لمساعدة المديرية العامة للأمن العام برئاسة اللواء عبّاس ابراهيم وللمضي قُدماً في تفعيل في إعادة النازحين على مراحل، وفي المساهمة في حلّ بعض الأمور العالقة مع السلطات السورية لجهة تسهيل العودة أمام كلّ من لا يزال يخشى من الخدمة الإجبارية ومن عدم امتلاكه لبعض الأوراق أو المستندات الثبوتية وما الى ذلك. فالحزب كونه شريك في الحياة السياسية، على ما يقول بعض العارفين، لا يُمكنه البقاء متفرّجاً فيما يُمكنه تقديم المساعدة للأمن العام، كما للنازحين السوريين الراغبين في العودة الى مناطقهم في سوريا.

وتأمل الأوساط نفسها في أن يُساهم التحرّك الروسي باتجاه لبنان في إعادة أكبر عدد ممكن من النازحين السوريين الى بلادهم من خلال تشجيعهم على العودة عن طريق التطمينات والضمانات وتقديم بعض المساعدات المالية لهم التي تُحفّزهم على البدء من جديد في بلدهم، سيما وأنّ عدداً كبيراً منهم لا يزال يتكل على الدعم المالي الشهري الذي يحصل عليه من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، حتى ولو كان غير كافٍ له ولأسرته.