ما الفارق بين أن تبقى المنطقة على أبواب الجحيم أو أن تلج الى الجحيم؟

الصقور في الادارة الأميركية يقرعون الطبول. ما هذه الكوميديا الثقيلة الظل؟ آية الله خامنئي يرفض تسلم رسالة دونالد ترامب التي حملها شينزو آبي في صدد التفاوض (أو التنازل). للتو، تنهال المواقف النارية حول دور ايران في حادثة الناقلتين.

الهشاشة الأميركية (في تصنيع الذرائع) أكثر من مضحكة. صورة لزورق قيل انه تابع للحرس الثوري ينتزع لغماً علق باحدى الناقلتين ولم ينفجر. الصورة مشوشة جداً، ولا اشارة على الاطلاق لهوية الزورق، كما أن الوجوه غير واضحة كلياً، حتى أن مندوب الكويت لدى الأمم المتحدة شكك، والى حد السخرية، في صدقيتها.

قبطان احدى الناقلتين تحدث عن «شيء طائر» ارتطم بها وانفجر. ما حدث هجوم على الناقلتين لا زرع ألغام فيهما. ثم لماذا سكت الأميركيون عن اسقاط احدى طائراتهم المسيّرة من قبل الايرانيين، ولم يصدروا أي بيان حول تعرض طائرة أخرى مماثلة لصاروخ ايراني أخطأها قبل العملية بساعة، وهم الذين اعتادوا على اصدار بيان فوري لدى حصول أي حادث، مهما كان هامشياً، لقواتهم على مقربة من المياه الاقليمية الايرانية؟

في كل الأحوال، هذا مايثبت قيام الأسطول الأميركي بذلك الاجراء الروتيني، أي اطلاق طائرات مسيّرة تتمتع بمزايا خارقة في الرصد، حتى انها تلتقط صوراً للأسماك الصغيرة تحت الماء. كيف لم تتمكن الطائرات اياها من التقاط صور لعملية لا بد أنها استغرقت ساعات في الذهاب والاياب؟

هذه أقوال لا تصدر حتى عن دولة مثل شقيقتنا في جامعة الدول العربية، جزر القمر، أو عن دولة مثل أريتريا معروضة للايجار والاستئجار. هل يمكن للولايات المتحدة ألا تعرض وثيقة واحدة تحدد هوية الفاعل في منطقة عملياتها؟ بالأحرى في منطقة شديدة الحساسية بالنسبة لأمن الأسطول.

ما يحدث كوميديا أميركية. تلك الأرمادا العسكرية الهائلة يمكن لها أن تزيل ايران من الوجود في غضون ساعات. حزام من الغواصات النووية حولها، فضلاً عن القاذفات العملاقة التي تم استجلابها أخيراً. لماذا يتردد الأميركيون، والحال هذه، في أن يفعلوا في ايران ما فعلوه في أفغانستان، وما فعلوه في العراق، وحتى ما فعلوه في نيكارغوا؟

حتماً ليست ايران أفغانستان، ولا العراق، ولا نيكارغوا. منذ نحو ربع قرن، قال لي أندريه فونتين «الايرانيون يبنون دولة. أين أنتم؟ وماذا عنكم؟». نحن كونسورتيوم القبائل. في تراث المنطقة الثيران المجنحة. الآن، السلاحف المجنحة...

البنتاغون يعلم ذلك. للمرة الأولى لا تطابق في الآراء بين وزير الدفاع باتريك شاناهان الذي يشكل مع جون بولتون ومايك بومبيو ثلاثي الذئاب، والجنرلات الذين يدركون ما هي التداعيات الكارثية لأي حرب ضد دولة معبأة ايديولوجياً وعسكرياً حتى الأسنان.

الايرانيون لا يبالغون حين يقولون أن قطع الأسطول، اضافة الى القواعد، والى حاملات الطائرات، تحت مرمى صواريخهم.

منذ أن حل دونالد ترامب في البيت الأبيض والجنرالات يقولون ان أي حرب ضد ايران لا بد أن تنتهي نووياً. لا مشكلة لدى الرئيس في أن تتحول أصفهان أو تبريز الى هيروشيما أخرى، أو الى ناغازاكي أخرى. على الأقل ينحني آية الله خامنئي بين يدي الجنرال جوزف فوتيل، والآن الجنرال كينيث ماكينزي، مثلما انحنى الأمبراطور هيروهيتو أمام الجنرال دوغلاس ماك آرثر.

القنابل النووية تطورت كثيراً منذ تلك الأيام في شهر آب من عام 1945. أي لجوء الى هذا الخيار لا بد أن يقتل الملايين. هل يمكن للبشرية، مهما بلغت وحشيتها، ومهما بلغت بها اللامبالاة، أن تتحمل مثل تلك التراجيديا التي لا مبرر لها على الاطلاق؟

الجنرلات قالوا رأيهم عبر قائد القوات الاستراتيجية الجنرال جون هايتن. «سأرفض أي قرار غير قانوني يصدر عن الرئيس». هذا الكلام لم ينطق به أي جنرال من قبل باتجاه البيت الأبيض.

هذا يعني أن أصابع دونالد ترامب لن تصل الى الأزرار النووية. البنتاغون لا يجد ما يدعو للحرب ضد ايران. يعتبر أن كوريا الشمالية، بترسانتها النووية والصاروخية، تمثل خطراً حقيقياً على الأمن الاستراتيجي للولايات المتحدة. الخطر الأكبر هو التنين الأصفر الذي «على قاب قوسين منا في الباسيفيك».

في شانغهاي، قال فلاديمير بوتين وشين جينغبينغ لحسن روحاني «نحن الى جانبكم». ماذا اذا تورطت الولايات المتحدة في الحرب؟ الأسلحة الروسية والصينية ستتدفق على ايران، عبر السهوب الآسيوية، وحتى على حركة «طالبان» في أفغانستان.

هذا السؤال يطرح في أبحاث خبراء كبار. غالبية الأميركيين لا تؤيد الحرب، ولا تعرف سبب ذلك العداء العاصف لدولة قد تكون أقل خطراً من الحليفة، والعضو في حلف الأطلسي، أي تركيا التي ردت على التهديد بالعقوبات بتهديد مماثل.

ماذا اذا حاصرت دبابات رجب طيب اردوغان المستودع النووي في قاعدة انجرليك (نحو 50 رأساً قنبلة من طراز B - 61) دون أن يكون هناك من دليل على أن القنابل نقلت الى اليونان؟

للمرة الأولى ترفع أنقرة صوتها الى هذا الحد في وجه واشنطن. لا ردة فعل سوى التهديد بطرد الطيارين الأتراك الذين يتدربون على الطائرة «ف ـ 35». في هذه الحال ماذا اذا شكل الروس والصينيون والأتراك والايرانيون حلفاً عسكرياً ضد الولايات المتحدة؟

هذا الذي يتوجس منه البنتاغون. الجنرالات على بيّنة من حماقات دونالد ترامب. كل ما يستطيع فعله أن يدفع الشرق الأوسط الى أبواب الجحيم. الأبواب مقفلة...