أطفأ الاجتماع الذي عُقد في قصر بعبدا بعد ظهر الأربعاء الماضي بين رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري، فتيل انفجار العلاقة بين «التيّار الوطني الحُرّ» و«تيّار المُستقبل»، من دون أن يتمّ نزعه بشكل كامل بعد، وكان التوافق بين الرئيسين على ضرورة تفعيل العمل الحُكومي مُجدّدًا. وبالتالي، وفي حين يُواصل مشروع مُوازنة العام 2019 شقّ طريقه بصُعوبة وببطء داخل أروقة مجلس النوّاب، بشكل أثار حفيظة «التيّار الأزرق»، تتجه الأنظار إلى ما ستحمله جلسات مجلس الوزراء اعتبارا من الأسبوع المقبل، وذلك بعد أن تراكمت الملفّات العالقة والقضايا الشائكة التي جرى تأجيل البحث فيها، علمًا أنّ آخر جلسة لمجلس الوزراء كانت قد عُقدت قبل نحو ثلاثة أسابيع، وتحديدًا في 27 أيّار الماضي! فهل سيتمّ البحث في ملفّ التعيينات قريبًا، وهل من توافق مُسبق في هذا الشأن، أم أنّ الخلافات الحادة ستعود لتُطلّ برأسها من جديد؟

بحسب أوساط سياسيّة مُطلعة إنّ انطلاق البحث في كل من مُوازنة العام 2020، وخطّة إعادة النازحين السُوريّين، وتنظيم المقالع والكسارات، والإجراءات التنفيذيّة لخطّة الكهرباء، إلخ. هي كلّها ملفّات مُهمّة، لكنّ الأولويّة على طاولة مجلس الوزراء ستتركّز خلال الجلسات المُقبلة على ملف التعيينات، إلى جانب تسيير شؤون مُختلف الوزارات، وعجلة الدولة ككل بطبيعة الحال. وأوضحت الأوساط أنّ طبخة التعيينات لم تنضج بعد، الأمر الذي قد يدفع رئيس الحُكومة إلى إرجاء البحث فيها، في انتظار تبلور الأمور أكثر، وذلك منعا لانفجار الوضع السياسي بين أكثر من فريق فاعل مُشارك في السُلطة التنفيذيّة. ورأت الأوساط نفسها أنّ الحريري في موقع لا يُحسد عليه في ملفّ التعيينات، حيث أنّه حريص من جهة على إعادة «التسوية الرئاسيّة» مع «التيّار الوطني الحُرّ» إلى مرحلتها الذهبيّة، ولا يريد من جهة أخرى الاختلاف مع كل من أحزاب «القوات اللبنانيّة» و«التقدمي الإشتراكي» و«المردة».

وتابعت الأوساط السياسيّة المُطلعة أنّ الحريري عالق بين خيارين دقيقين ومُحرجين في ملفّ التعيينات، فإمّا يستجيب لضُغوط رئيس «التيّار الوطني الحُرّ» وزير الخارجيّة جبران باسيل - الذي يتطلّع للاستحواذ على حصّة مسيحيّة شبه كاملة في هذه التعيينات، ويمدّ التسوية بزخم كبير إلى الأمام، لكن على حساب تدهور علاقته أكثر مع «الاشتراكي» وعودة التوتّر إلى علاقته مع «القوات» والتسبّب بخلاف مع «تيّار المردة»، وإمّا يُصرّ على تمثيل كل هذه القوى بشكل فاعل في التعيينات، على حساب تدهور علاقته بباسيل! وأضافت الأوساط نفسها أنّ وزير الإعلام السابق ملحم رياشي نقل رسالة واضحة من رئيس حزب «القوات اللبنانيّة» الدُكتور سمير جعجع إلى الحريري الخميس الماضي، طلب فيها إعتماد آليّة تعيينات مُوحّدة وعادلة تُعطي الأولويّة لمبدأ الكفاءة، منعًا لتفجّر الخلافات على الحُصص في ظلّ سعي «التيّار الوطني الحرّ» للاستئثار بأغلبيّة التعيينات، بحجّة أنّ «التيّار البرتقالي» هو الأوسع والأكبر تمثيلاً على الساحة المسيحيّة. وأشارت الأوساط نفسها إلى أنّ «تيّار المردة» رفع بدوره مطالب مُماثلة إلى رئيس الحكومة، مُشدّدًا على ضرورة أن لا تكون التعيينات المُقبلة حكرًا على فريق واحد مسيحيًا، أو على بضعة أفرقاء وطنيًا، بل أن تُمثّل مُختلف القوى السياسيّة بشكل مُنصف. وبالنسبة إلى رئيس «الحزب التقدمي الإشتراكي» وليد جنبلاط، أوضحت الأوساط أنّه اعتمد أسلوبًا مُختلفًا في تعاطيه مع «السراي الحُكومي»، لجهة توجيه رسائل الإمتعاض العلنيّة في ظلّ ارتفاع منسوب التوتّر في علاقة الطرفين، وذلك بعد أن تماهى إلى مسامعه أنّ رئيس الحُكومة مُتفهّم لمطلب تمثيل كل من «الحزب الديمقراطي اللبناني» وحزب «التوحيد العربي» بشكل فاعل، في التعيينات المُخصّصة للطائفة الدُرزيّة، خُصوصًا أنّه يتعرّض لضُغوط في هذا السياق من جانب «التيّار الوطني الحُرّ». ولفتت الأوساط نفسها إلى أنّ الموقف المُحرج لرئيس الحُكومة لا يقتصر على ضرورة الاختيار بين الرُضوخ لضُغوط وزير الخارجيّة أو مُواجهتها، مع كل ما لهذين الخيارين من تداعيات سلبيّة، بل يشمل حصّة «تيّار المُستقبل» نفسه، باعتبار أنّه إذا وافق على تمثيل مُختلف القوى المسيحيّة بشكل فاعل إلى جانب تمثيل «الوطني الحُرّ» ضُمن الحصّة المسيحيّة، فهذا سيقوده تلقائيًا إلى التسليم بتمثيل قوى سنّية عدّة على مُستوى التعيينات، وعدم احتكارها كلّها من قبل «التيّار الأزرق»!

وتوقّعت الأوساط السياسيّة المُطلعة أن يُجري رئيس الحُكومة مروحة إتصالات واسعة قُبيل إدراج ملفّ التعيينات في جدول أعمال أي جلسة من جلسات مجلس الوزراء المُقبلة، على أمل التوصّل إلى حدّ أدنى من التفاهمات العريضة عليها. كما توقّعت الأوساط نفسها أن لا تتم مُعالجة ملفّ التعيينات الشائك دفعة واحدة، بل على القُطعة، بحيث يتمّ تمرير مجموعة محدودة من التعيينات في كل جلسة، بعد تكثيف الإتصالات ومحاولة التوافق عليها مُسبقًا إذا أمكن.

وأشارت الأوساط إلى أنّ المُشكلة لا تقتصر على وظائف الفئة الأولى الشاغرة حاليًا، وعددها نحو 30 وظيفة مُرشّحة لأن تُصبح 43 وظيفة مع شُغور المزيد من المواقع خلال الأشهر القليلة المُقبلة، وذلك من أصل 160 وظيفة، بل تشمل نحو 240 موقعًا من وظائف الفئة الثانية (رئيس مصلحة) من أصل 940 وظيفة تقريبًا، إضافة إلى مئات الوظائف الشاغرة ضُمن موظفي الفئة الثالثة (رئيس دائرة) من أصل 1100 وظيفة تقريبًا. ولفتت إلى أنّ احتدام الخلافات على التعيينات، في حال حُصوله، قد يفتح أيضا أبوابًا مُغلقة، على مُستوى التمثيل الطائفي والمذهبي، باعتبار أنّ الدُستور المُعدّل في «اتفاق الطائف» لا يشترط المُناصفة بين المُسلمين والمسيحيّين على مُستوى التعيينات، سوى في ما خصّ وظائف الفئة الأولى دون سواها (المادة 95). وأضافت الأوساط نفسها أنّ التعيينات المُرتقبة ستشمل أيضًا مجالس إدارة 47 مؤسسة عامة.

ورأت الأوساط السياسيّة المُطلعة أنّ الحجم الكبير لهذه التعيينات، سيفتح شهيّة مُختلف القوى السياسيّة لحجز أماكن فاعلة لها داخل الإدارة الرسميّة، وبخاصة أنّ أكثر من طرف يسعى للتمدّد ولتعزيز نُفوذه تحضيرًا لمعارك سياسيّة قاسية في المُستقبل. وتوقّعت الأوساط نفسها أنّ تستهدف أولى المعارك الحادة على مُستوى ملف التعيينات، ملفّ تعيين الأعضاء الجُدد في المجلس الدُستوري مع ما لهذا المجلس من أهميّة كبرى ومن تأثير حاسم على مُستوى الدور الرقابي للسُلطة الحاكمة. وقالت إنّ البتّ بملف مُدعي عام التمييز، وبملف رئيس مجلس شورى الدولة يدخل أيضًا في سياق الملفّات الطارئة على مُستوى التعيينات.