دوللي بشعلاني

من يعتقد أنّ حادثة دير الأحمر مرّت على خير وانتهت فهو مخطىء. فتعدّي النازحين السوريين على آلية للدفاع المدني في سهل دير الأحمر ورشقها بالحجارة ما أدّى الى إصابة أحد عناصره بجروح بليغة في رأسه، فتحت الباب واسعاً على ما كانت حذّرت منه مصادر سياسية بارزة من التناحر الذي قد يحصل بين المواطنين اللبنانيين والنازحين السوريين على خلفية منافسة هؤلاء للبنانيين على مهنهم ولقمة عيشهم في بلدهم. علماً أنّ القانون اللبناني يمنع على النازحين السوريين العمل في مختلف الأعمال والمهن باستثناء البناء والزراعة والنظافة، الأمر الذي يستوجب تسطير ضبط مخالفات بهم فيما لو خالفوا القانون.

أمّا الحجّة التي أطلقها النازحون السوريون بأنّهم انزعجوا من تأخّر الآلية في الوصول لإهماد الحريق الذي شبّ داخل حرج أعشاب الى جانب أحد المخيّمات التابعة لهم عند مدخل البلدة، فضلاً عن انبعاث الغبار الذي سبّبته أثناء العملية، فلا يُبرّر أبداً تصرّفهم السيىء تجاه الدفاع المدني، على ما عقّبت المصادر، إذ قاموا بتكسير زجاج الآلية وإحداث أضرار فيها، وأصابوا أحد عناصره الذي هبّ لتقديم المساعدة لهم. فلو تأخّر الدفاع المدني في إنقاذ مواطنين لبنانيين من حريق ما، على ما ذكرت المصادر، قد يبدون امتعاضهم من هذا التأخير غير أنّهم لا يُفكّرون مطلقاً في التعدّي على عناصره، أو التصرّف بطريقة غير لائقة معهم.

وأوضحت المصادر أنّ الإجراء البلدي الذي اتخذته بلدية دير الأحمر بالطلب من النازحين السوريين إخلاء السهل حيث كانوا يعيشون في خيمهم وعددهم 700 نازح، هدَفَ بالدرجة الأولى الى وقف أي احتقان أو اشتباك جديد ممكن أن يحصل بين النازحين وأهالي دير الأحمر، ليس على خلفية الحادثة الأخيرة وحسب، إنّما على كلّ ما يقوم به النازحون في البلدة من مخالفات للقانون. هذا الى جانب ما يتلفّظون به من كلام مسيء للدولة التي تستضيفهم على أراضيها وشعبها منذ العام 2011، على ما يقول بعض العارفين، ما جعل الوضع غير محتمل ودفع بالبلدية الى اتخاذ قرارها النهائي بضرورة مغادرتهم البلدة. وإذ طالب هؤلاء النازحين الدولة اللبنانية أن تنقلهم الى أرض ثانية لينصبوا عليها خيمهم، تجد أنّه كان من الأسهل لهم الانتقال الى المناطق التي كانوا يقطنون فيها في سوريا، وهناك تتمّ مساعدتهم من قبل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على نصب خيمهم على أراضيهم.

ولأنّ حادثة دير الأحمر تعتبر نموذجاً مصغّراً عمّا يحصل حالياً في المناطق اللبنانية الأخرى، البقاعية والشمالية والجنوبية وسواها التي تكتظّ بالنازحين السوريين، والذين غالباً ما لا يُطبّقون القانون اللبناني بل يتغاضون عنه كونه غير صارم تجاههم، وإن كانت لا تتظهّر في وسائل الإعلام، فقد حذّرت المصادر نفسها من تكرار مثل هذه الحادثة في أماكن أخرى، وتفاقمها ما قد يؤدّي الى أوضاع خطرة بين المواطنين اللبنانيين والنازحين السوريين. ولفتت الى أنّ ثمّة لبنانيين باتوا اليوم على قاب قوسين من المواجهة مع النازحين السوريين الذين يُزاحمونهم على أعمالهم من خلال فتح محلات ومؤسسات تجارية منافسة سيما أنّهم يبيعون المواد بأسعار أرخص.

ولهذا قامت وزارتا الاقتصاد والعمل بمبادرة عملية قضت بالطلب من اللبنانيين العاطلين من العمل إرسال سيرهم الذاتية للحصول على وظائف تتعلّق بالفندقية والخدمة والتوصيل الى المنزل وما الى ذلك، بهدف استبدال النازحين السوريين الذين يعملون فيها بطرق مخالفة للقانون بموظّفين لبنانيين. وقد وصل عدد مقدمي الطلبات من اللبنانيين حتى الآن الى 13000 طلب، فيما يحتاج السوق الى عدد أكبر بكثير، على ما أوضحت المصادر نفسها، وذلك لاستبدال اليدّ العاملة الأجنبية التي تكتسح العمل في الفنادق والمطاعم بموظّفين لبنانيين. وهذه هي إحدى الطرق التي تُحاول فيها الحكومة حماية الشباب اللبناني الذي يبحث عن وظيفة في بلده بدلاً من الهجرة، إذ يتمّ استبداله باليدّ العاملة من النازحين السوريين الذين باتوا يقطنون المنازل السكنية في جميع المناطق وليس الخيم، ولا يزالون مسجّلين على أنّهم نازحون، ويتلقّون بالتالي المساعدات المالية من مفوضية اللاجئين.

وفي رأي المصادر، أنّه على الحكومة الحالية مواكبة مبادرة وزارتي العمل والاقتصاد هذه، التي يؤمل منها أن تُعيد لبعض الشبّان اللبنانيين ثقتهم بدولتهم، عن طريق التوافق على وضع خطّة شاملة لإعادة النازحين السوريين الى بلادهم في أسرع وقت ممكن. فالمناطق المستقرّة في سوريا باتت تُشكّل أكثر من 80 أو 90 % من مساحة المناطق الأصلية التي فرّوا منها، والعودة الآمنة اليها باتت ممكنة جدّاً في ظلّ مساعدة المديرية العامة للأمن العام اللبناني النازحين الراغبين في العودة على إيصالهم الى بلداتهم بباصات مجانية، فضلاً عن حلّ بعض المسائل التي تُعيق عودتهم. فهذا الأمر هو المطلوب بإلحاح قبل أن تطفو النزاعات والمواجهات الخطرة بين النازحين السوريين واللبنانيين على السطح، سيما أنّها قائمة حالياً ولكن لا يعلم بها سوى سكّان البلدات التي تستضيف النازحين.

وتلافياً لهذا النوع من الاحتقان أو الاستفزاز الذي لا يودّ لبنان حصوله بين مواطنيه والنازحين الذين استضافهم على أرضهم لسنوات وقدّم لهم كلّ ما استطاع تقديمه لهم تحسّساً منه بمعاناتهم الإنسانية، فإنّ البلديات تتحرّك اليوم للحفاظ على سلامة مواطنيها من أي اعتداء أو خطر محتمل وخصوصاً أنّ الأسباب التي أدّت الى نزوح السوريين الى لبنان قد انتهت، ما يجعل عودتهم الى بلادهم مفتوحة أمامهم. وهذا التحرّك لا يُمكن اعتباره «عنصرية» أو «تعصّب»، على ما يحلو للبعض تسميته، سيما أنّ أي بلد عربي أو أوروبي أو أيّاً كان في العالم، يهتمّ لمصلحة مواطنيه قبل مصلحة اي أحد من الغرباء أو اللاجئين أو المهاجرين أو المقيمين على أراضيه. والدليل أنّ الدول الأوروبية أقفلت حدودها في وجه جميع النازحين والمهاجرين، على ما لفتت المصادر، وقام بعضها برفض عدّة طلبات لجوء، فضلاً عن ترحيل بعضها الآخر لعدد كبير من النازحين السوريين، ولم يتمّ اتهام أي منها بالعنصرية أو التعصّب، ولا حتى بالمعاملة السيئة لهم.

وبناء عليه، فإنّ مؤتمراً جامعاً لجميع البلديات في لبنان ستشهده بيروت اليوم السبت (في 15 حزيران الجاري) بدعوة من لجنة البلديات في «التيار الوطني الحرّ»، بهدف مناقشة الشؤون البلدية كافة، ووضع آلية عمل محدّدة لإعادة جميع النازحين السوريين الى بلادهم. وتريد البلديات كافة من هذا المؤتمر تحقيق أمرين مهمّين ومتلازمين هما: الأول، رفع المعاناة عن النازحين أنفسهم، والثاني هو رفع الأعباء الإقتصادية التي تترتّب على لبنان واللبنانيين والبلديات نتيجة النزوح السوري الذي طال لسنوات. وأملت المصادر نفسها أن يخرج هذا المؤتمر بحلول شافية لإيجاد فرص عمل للبنانيين العاطلين من العمل، ولوقف كلّ السوريين الذين يعملون بطرق مخالفة للقانون عن العمل وترحيلهم الى بلدهم، على غرار ما تفعل الدول المتطوّرة التي تعمل على حماية بلدانها وشعوبها، ووضع خارطة طريق لإعادة جميع النازحين السوريين الى مناطقهم في سوريا يُمكن أن تعتمدها الحكومة كنواة لتنفيذ خطة شاملة إعادتهم الى بلادهم في أقرب وقت ممكن.