نبيه البرجي

يوماً بعد يوم نزداد يقيناً بأننا داخل الأدغال. نحن الحيوانات الصغيرة داخل الأدغال...

لا يعنينا لون الفيلة التي تطأ عظامنا. كلنا، دون استثناء، من أعلى الهرم وحتى القاعدة تطأنا أقدام الفيلة.

لا تستغربوا، والحال هذه، أن تقتصر مهمتنا التاريخية، والايديولوجية، على الرقص فوق قبر قايين وهابيل.

العالم اهتز لمرأى الدخان الأسود يتصاعد من الناقلتين. هذا هو النفط، دم الأرض، كما وصفه هنري بيرانجه في مؤتمر النفط عام 1918. لا أحد يكترث بدمنا الذي يتصاعد منه الدخان الأسود على امتداد تلك التراجيديا العربية... الغراء.

السيف في ظهر الساموراي لا في صدره. ذهل شينزو آبي حين بلغه نبأ تفجير الناقلتين، وهما في الطريق الى الأرخبيل، على مسافة أميال من الشاطئ الايراني. الرسالة وصلت. لا داعي لتسليم الرسالة التي كانت في حقيبته.

أي تفاهم، ولو بالحد الأدنى، بين واشنطن وطهران، ممنوع. الدفع أكثر فأكثر نحو الانفجار...

الأيدي المحترفة استهدفت الناقلتين في منطقة تتولى الأقمار الصناعية مسحها على مدار الساعة. لاحظنا كيف تعاملت صحف اليمين الاسرائيلي، اضافة الى شاشات اليمين العربي، مع مهمة الوسيط الياباني. الكثير من التوجس، والتشكيك، بعدما تردد أنه يحمل رسالة سرية من دونالد ترامب الى آية الله خامنئي.

كل البلدان العربية لا تعني الأميركيين. الحرب الكبرى مع الصين، ولو كانت حرب الطناجر، آتية لا محالة. يفترض بالولايات المتحدة أن تضع يدها على كل حقول النفط والغاز في الشرق الأوسط. ايران جزء من هذا الكونسورتيوم، ويقتضي ترويضها بكل الوسائل. الطاقة هي السلاح السري في وجه التنين.

الذراع «الاسرائيلية» ليست بعيدة عن الذي حدث صباح الخميس. اختيار المكان له دلالته أيضاً. من يصدق أن الايرانيين يمكن أن يفعلوا ذلك بحضور شينزو آبي في عقر دارهم؟

في أوروبا يقولون ان ما يشغل «الاسرائيليين» أن الايرانيين تمكنوا من الدمج بين «الجنون الايديولوجي» والجنون التكنولوجي». هم يركزون على الصناعات الصاروخية، بما في ذلك المنظومات المضادة للصواريخ، وقد حققوا الكثير في هذا المجال. حديث في بروكسل عن تقرير أسود وضعته شعبة الاستخبارات في هيئة الأركان بعنوان : أي ايران عام 2030؟

هنا نستعيد بعضاً مما قاله سيمور هيرش، منذ سنوات. دافيد بن غوريون رأى في مفاعل ديمونا الذي بناه له صديقه الفرنسي غي موليه الهيكل الثالث. بحسب هيرش، بن غوريون اعتبر أن القنبلة النووية هي هدية يهوه بمناسبة العودة الى أرض الميعاد. آية الله قال كلاماً آخر للضيف الياباني. ما معناه أن «الهنا يحظر علينا، كلياً، صناعة القنبلة».

اله اليهود مع القنبلة. اله المسلمين ضد القنبلة. كثيرون يعترضون على المقاربة الميتافيزيقية للمسألة. قد تتماهى القنبلة مع التراث الميتولوجي، وحتى اللاهوتي، لليهودية.

يهوه كان، من كهفه، يرشق السابلة للحجارة. ثمة نصوص «نووية» في التوراة. كيف للقنبلة الأميركية، والروسية، والبريطانية، والفرنسية، أن تتماهى مع تعاليم الانجيل؟ وهل أن القنبلة الصينية أو الهندية تتماهى مع الدامابادا أوالفيدا؟ وهل أن القنبلة الباكستانية تتماهى مع القرآن؟

القنبلة لم تعد للحرب بل لتكريس التوازنات، بما في ذلك توازن الرعب. العرب وحدهم يمكن أن يستخدموها لقتل العرب. هذا ما تردد في «اسرائيل» غداة تدمير المجمع النووي العراقي في 7 حزيران 1981.

بطبيعة الحال، لا يكتفي دونالد ترامب بالنظرة «الشرعية» لآية الله خامنئي. غير أن هذه النظرة، اذا ما عاد الرئيس الأميركي عن سياساته واجراءاته، يمكن أن تشكل مدخلاً لمفاوضات بعيدة المدى حول المسألة النووية.

«الاسرائيليون» يريدون أكثر من ذلك. أن توقف ايران برامجها التكنولوجية. البيت الأبيض يجاريها في ذلك، وهو الذي طرح شروطاً لا تفضي الى تقويض النظام في ايران بل والى تقويض الدولة في ايران.

وحده شينزو آبي من بين قادة العالم يدرك البعد التراجيدي للقنبلة. كان واضحاً أنه يثق بالقيادة الايرانية. الالتزام المطلق بعدم تصنيع السلاح النووي. أليس هذا ما تبتغيه الادارة الأميركية، في الشكل على الأقل؟

في طهران سئل آبي «كيف لنا أن نثق برجل ضرب بالمواثيق الدولية، وبالاتفاقات الدولية، عرض الحائط؟». الفيل داخل غرفة زجاجية. طهران تريد خطوة عملية، وعملانية، بعد العقوبات القاتلة. عشية زيارة رئيس الحكومة اليابانية صدر قرار العقوبات بحق شركة ايرانية للبتروكيميائيات. لا اشارة واحدة توحي بأن دونالد ترامب جاهز للتراجع قيد أنملة.

شينزو آبي كان يتوقع تغريدة من دونالد ترامب تؤمن شيئاً من النجاح لمهمته. الساموراي فوجئ بالسيف في الظهر. منذ اللحظة الأولى عرف أن ثمة من يلعب ضد أي تواصل بين أميركا وايران.

مايك بومبيو أتهم ايران بالوقوف وراء حادثة الناقلتين. استند الى معلومات استخباراتية. هكذا بعد ساعات قليلة فقط. لو كان يتمتع بالحد الأدنى من الصدقية، وهو وزير خارجية الأمبراطورية العظمى، لوضع أوراقه، كل أوراقه أمام الكاميرا، لا أن يظهر بمظهر المشعوذ.

من الآن وصاعداً، انتظروا الكثير من الدخان الأسود يتصاعد من أكثر من مكان. لا دخان أبيض قبل أن يدخل شخص آخر الى البيت الأبيض...