نبيه البرجي

حتى ولو علّقنا، واحداً واحداً، على حبل المشنقة، لن نحيد، قيد أنملة، عن سيدنا، ومولانا، وولي أمرنا، دونالد ترامب !

نحن العرب العاربة، العرب المستعربة، نحن العرب الغاربة، العرب المستغربة، عقدنا العزم على أن نقف في المنامة (كوننا نياماً الى الأبد) الى جانب «اسرائيل» ضد ابنة العم فلسطين التي استنزفت امكاناتنا، وصرخاتنا، وقممنا، وطرابيشنا، وسراويلنا، على مدى قرن من الزمان.

لا مشكلة لدينا في ترحيل الفلسطينيين الى بلاد الواق واق. لا مشكلة لدينا في أن يهدم المسجد الأقصى لاعادة بناء الهيكل، ولو بعيون أطفالنا (نحن حجارة الهيكل). لا مشكلة لدينا في أن نضع الضفة الغربية، وما ملكت أيدينا، على صينية سالومي، وهي تؤدي رقصة المناديل السبعة.

ما هو الشيء الذي لم يفعله الرئيس الأميركي لتفتيتنا، ولاذلالنا، ولتحويلنا الى أرانب بشرية، وللرقص فوق جثثنا؟ هذا لا يعني شيئاً ما دامت العروش ستبقى. وما دمنا مدعوين لفتح صدورنا لصفقة القرن.

من ذا الذي يهز الموتى؟ موتى القرن بل موتى كل القرون، حتى أن صحيفة «هاآرتس» اهتزت، وغضبت. قالت في افتتاحيتها ان كلام السفير الأميركي في أورشليم ديفيد فريدمان حول الحاق مناطق في الضفة الغربية باسرائيل «بمثابة بصقة في وجوه الفلسطينيين، وأنه يتماهى مع موقف اليمين الاسرائيلي، ما يفضي الى تقويض صدقيته كوسيط نزيه، ويبرر، تالياً، شكوك الفلسطينيين في خطة ترامب للسلام».

بالحرف الواحد أيضاً «اذا كانت الولايات المتحدة صادقة في عقد مؤتمر للسلام مع الفلسطينيين، والتصرف كوسيط نزيه بين الجانبين، ينبغي أن يكون ممثلوها حياديين. فريدمان يمثل مصالح المستوطنين، ولا تنطبق عليه هذه المعايير».

الصحيفة الاسرائيلية أغفلت الجانب الأكثر حساسية في المسألة. العرب هم الأولى بتمثيل مصالح المستوطنين. حين يلتئم المؤتمر لسوف تجدون صورة تيودور هرتزل معلقة على الحائط الى جانب صورة الأب الجليل يعرب بن قحطان.

كل ما يفعله العرب انهم ينفذون الوعد الالهي لـ«بني اسرائيل». هنا المحاكاة بين شريعة بني قومنا وشريعة الغاب.

أن يستهين وزير خارجية عربي بالفلسطينيين الى حد القول لجاريد كوشنر «لا عليك، اننا نفهم القادة الفلسطينيين أكثر منكم. لوّح لهم بأكياس العملة الخضراء، ولسوف يلهثون وراءك ولو الى الجحيم». لم ينس القول «بمجرد أن لوّح جيمي كارتر لياسر عرفات بالسلطة، كاد يلثم يد اسحق رابين في حديقة البيت الأبيض».

هذا ما نقله الينا زميل من دولة صاحب المعالي الذي أضاف «يا لغباء الذين يعتبرون أن صفقة القرن أشد سوءا من اتفاق اوسلو الذي هو الحلقة الأولى من سيناريو الصفقة !».

هكذا تتواصل الغارات الصاروخية على سوريا. أي معارضة عملانية للصفقة تأتي عليكم بالوبال. حجة التواجد الايراني ساذجة ومصطنعة. هكذا تتوالى محاولات ابقاء لبنان على حافة النار، بالتواطؤ المباشر، أو غير المباشر، مع قوى أو شخصيات محلية معروفة بارتباطها مع... أهل الصفقة.

في هذا الوقت بالذات، والحرائق تهب من كل حدب وصوب، يقول رئيس الحكومة، العائد من اجازة العيد السعيد «اذا كنتم تريدون المناكفة (لاحظوا بلاغة الكلمة)، أنا أعرف كيف أناكف».

في ظروف سياسية، واقتصادية، واجتماعية، ومالية، هائلة، يعلن رئيس حكومتنا (اللوياجيرغا اللبنانية) جاهزيته للمناكفة (أين السادة المستشارون؟)، كما لو أن رجل الدولة في أوقات قاتلة لا يتجاوز كل هذه التفاهات التي تصدر عن هذا السياسي أو ذاك، ويتصدى للمسائل التي تهدد وجود لبنان واللبنانيين.

حقاً، نحن في حالة الصدمة. صفقة القرن يمكن أن تزعزع، أو أن تطيح، الصيغة اللبنانية، ربما الخارطة اللبنانية. أما الطبقة السياسية فلا تزال على خطى «أبو عبد البيروتي»، بالخيزرانـة والطربوش : جمـرة ياولد...

مناكفة يادولة الرئيس؟ هل لدينا الوقت للمناكفة؟ وهل صدرت مثل هذه العبارة عن رفيق الحريري، وهو الذي وصفته «الاكسبرس» الفرنسية بـ «السيد معجزة»؟

كلنا في لبنان، وغير لبنان، نعمل من أجل صفقة القرن. ديبلوماسي أردني بررمشاركة بلاده في «ورشة المنامة» بالقول «لسنا سوريا، ولسنا ليبيا، وحتى لسنا اليمن، لكي نتحمل أي تفجير داخلي». اعترف ألاّ خطوط حمراء أمام لعبة الدومينو.

العرابون العرب واثقون من أن الصفقة ذات الأجراس (كما الفضيحة ذات الأجراس... كما الأفعى ذات الأجراس) ستشق الطريق عبر مضارب القبائل، دون أن تثير حتى الغبار. لا تنسوا أننا الغبار البشري في حضرة القرون الغابرة.

بعد مواقف دونالد ترامب، وبعد تسريبات جاريد كوشنر، وبعد أقوال ديفيد فريدمان لـ«النيويورك تايمز»، ماذا بقي من القضية الفلسطينية؟ بقي أبو مازن (بونابرت العرب)، وبقي اسماعيل هنية الذي كله بين يدي رجب طيب اردوغان، وما تبقى منه بين يدي آيات الله.

عام من الأعاصير في انتظارنا. دونالد ترامب الأكثر جنوناً، أكثر استيعاباً للواقع العربي الرث. ها أنه يعد لاطلاق الشرق الأوسط الجديد. كل الخارطة السياسية، والاقتصادية، للمنطقة تدور حول الهيكل.

قال لهم «عروشكم الخشبية آيلة الى السقوط». ما على العرب الا أن يشقوا الطريق، بأظافرهم، وبلحاهم، الى الجحيم. عرب المنامة هم عرب النوم، وعرب غرف النوم التي ترابط الأساطيل على بابها. القضية؟ أهل القضية؟ العوض بسلامتكم...

لا تعليق لأي حاكم عربي، من الطراز اياه، على كلام ديفيد فريدمان. نوماً هنيئاً في المنامة !