ابراهيم ناصرالدين

اصرار رئيس الحكومة سعد الحريري على اكمال اجازته وعدم قطعها والعودة الى بيروت عقب الازمة السياسية مع التيار الوطني الحر، دليل على ان الامور «مش محرزة»، لانه لا التسوية الرئاسية بخطر، ولا البلاد على «ابواب نفق» سياسي او امني وذلك على الرغم من «فداحة» وخطورة عملية طرابلس الارهابية... هذه الخلاصة لاوساط نيابية «زرقاء» تلخص مضمون المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس الحكومة عقب عودته من الخارج، فهو «اطرب» جمهور تيار المستقبل بما يحب ان يسمع «وبطريقة» عامية «شعبوية» ردد اكثر من مرة انه قوي وليس ضعيفا امام وزير الخارجية جبران باسيل «العاشق» لاثارة «الازمات العابرة» للاحزاب السياسية والطوائف، ولذلك اكد المؤكد بأن «التسوية» لا تزال على «قيد الحياة»، ورئيس الجمهورية «كشريك» يشكل ضمانة استمرارها، وان لا شيء يهدد صلاحيات رئاسة الحكومة او يتنازعها معه... ولكن يبقى السؤال من اين يأتي الحريري بكل هذا «الهدوء» في التعامل مع الوقائع والتطورات؟ ولماذا لا يشعر ان موقعه مهدد على الرغم من الاستهدافات المباشرة لصلاحياته ومحاولة القفز فوقها؟

الاجابة عن هذه الاسئلة تفترض توسيع دائرة الاستنتاجات والمعلومات لتطال الوضعين الاقليمي والداخلي، وبحسب اوساط نيابية بارزة، نجح الرئيس الحريري على المستوى الخارجي في «الاطباق» على المحرضين عليه في المملكة العربية السعودية، وبعدما استجاب لمطالب الرياض في ابعاد نادر الحريري عن دائرة القرار، وعمد الى ازاحة الوزير نهاد المشنوق من «الصورة»، اعاد نسج علاقاته مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على «قاعدة» اعتبار ازمة احتجازه «غيمة صيف» عابرة، والبدء من جديد في علاقة عنوانها «الواقعية» في التعامل مع الملف اللبناني، وهو ما شكل ارتياحا عميقا لدى رئيس الحكومة الذي بات «اللاعب» السني الوحيد على الساحة اللبنانية، دون اي منافسين جديين او غير جديين تم استخدامهم في الفترة الماضية «للتصويب» عليه «والتشويش» على سياساته، ولعل ابرز ترجمة عملية لهذه المعادلة عودة اللواء اشرف ريفي الى «عباءته» بطلب سعودي، وانضمام الرئيس فؤاد السنيورة الى فريق الداعمين بعدما اتخذ صفة «الناصح» «المؤذي» على فترات طويلة ما شكل «صداعا» جديا للحريري القادر الان على مسك تيار المستقبل «بيد من حديد» بعدما استوعب على نحو شبه كامل تداعيات الانتخابات النيابية وفي مقدمها محاولة «تمرد» النائب السابق مصطفى علوش الذي دفع ثمنا سياسيا «باهظا» باستبعاده عن النيابة لكنه عاد بعد فترة «اعتكاف» قصيرة الى «المنظومة» بدوافع ذاتية واخرى لها ارتباط مباشر بالسعودية غير القادرة في الوقت الراهن على «اجتراح» اي بدائل عن التسوية الرئاسية التي قام بها الحريري دون «ضوء اخضر» منها، ولذلك ستبقى حاجة للجميع في غياب البدائل...

اما المعطيات الداخلية فهي لا تقل اهمية عن المعطى الخارجي، فالرئيس الحريري يدرك جيدا ان وزير الخارجية جبران باسيل يحتاج التسوية ربما اكثر منه في المرحلة المقبلة، واذا كان هو ثابت في «بيئته» السنية ولا منافس له، فان رئيس التيار الوطني الحر سيخوض الكثير من المعارك على المستوى المسيحي كي يحقق طموحه الرئاسي، وهو مضطر في نهاية المطاف الى ان يضع «قدميه» على «الارض» كما قال رئيس الحكومة امام زواره... وبحسب اوساط «التيار الازرق»، سيكون التحالف مع تيار المستقبل واحد من العوامل الحاسمة في الاستحقاق الرئاسي، ولا مصلحة لباسيل في معاداة الجميع والاتكال فقط على تحالفه مع حزب الله الذي لم يعط كلمته لاحد في هذا الاطار، لان ظروف الحسم مؤجلة الى وقتها،وهذا لا يجعل باسيل مطمئنا الى «خواتيم» الامور، ولذلك يخوض معركته في الشارع المسيحي دون «هوادة» لاضعاف خصميه رئيس تيار المردة سليمان فرنجية ورئيس القوات اللبنانية سمير جعجع...

ووفقا لتلك الاوساط، زاد التقارب بين «خصميه» اللدودين من توتر وزير الخارجية الذي بات مستعجلا على حسم اكثر من ملف على الساحة المسيحية مستغلا الدعم المطلق من رئيس الجمهورية ميشال عون، ولان الحريري يعرف عنوان المعركة جيدا، فهو ليس قلقا ازاء كل الشعارات المرفوعة من قبل باسيل والتي يطالب فيها باستعادة دورالمسيحيين وحقوقهم، لانها ستبقى غير قابلة للصرف في ظل استحالة المس باتفاق الطائف وتعديل اي بند فيه في الظروف الراهنة، لكن وعلى الرغم من ذلك، ارسل الحريري خلال الايام القليلة الماضية عبر اصدقاء مشتركين «رسالة» بالغة الدلالة الى رئيس التيار الوطني الحر، قال له فيها صراحة «شوي شوي علينا، اذا بدك تخوض حملة رئاسة مبكرة انت حر، بس بعود عني وعن التسوية، لانه هيك ما بيمشي الحال»... وهو موقف سيكرره الحريري على مسامع رئيس الجمهورية...

ووفقا لتلك الاوساط، تلقى الحريري «ضمانات» بتهدئة الاجواء من باسيل قبيل عودته من الخارج، تزامن ذلك مع زيارة وزير شؤون رئاسة الجمهورية سليم جريصاتي الى دارالافتاء، وكان مقررا ان يتحدث الحريري عقب لقائه رئيس الجمهورية في قصر بعبدا، لتقديم شروحات كافية حيال التطورات، لكن اتصال النائب بهية الحريري كان حاسما في عقد مؤتمر صحافي في القصر الحكومي، فرئيس الحكومة سمع من عمته وصفا دقيقا لحالة التململ في الشارع السني عموما وداخل تيار المستقبل، وهي العائدة للتو من جولة في طرابلس، ونصحته بضرورة الاطلالة من القصر الحكومي لما يحمله من رمزية، وهكذا كان، وقال رئيس الحكومة ما يجب ان يقوله ردا على كل ما سبق من «رفع للسقوف»، لكن مع علمه المسبق ان مؤتمر الصحافي لن يثير في المقابل اي ردود فعل «متشنجة» من الطرف الاخر في التسوية والذي تفهم عدم قدرة الحريري على «السكوت» اكثر... وهكذا يطوى الملف «وكأن شيئا لم يحصل»...

وفي هذا السياق، كان لافتا غياب التصعيد في موقف الرئيس الحريري ضد حزب الله، فرده على كلام السيد حسن نصرالله حيال موقفه في قمة مكة، كان مدوزنا وتحت «سقف» الحفاظ على «المساكنة» القائمة حاليا، وهو لم يكن بصدد افتعال اي أزمة مع الحزب في ظل التفاهم «الضمني» الذي رعاه رئيس الجمهورية حيال تظهير موقف لبنان في القمة العربية، وذلك على قاعدة «لا يموت الديب ولا يفنى الغنم»، ولذلك كان رئيس الحكومة حريص على تاكيد حقه بتمثيل الحكومة اللبنانية في الخارج لا اكثر ولا اقل، وهو يعرف ان ما قاله هناك لا يمثل قناعة لدى الحزب الذي قرر بدوره «تدوير الزوايا» وعدم خلق تداعيات داخلية «لزوم ما لا يلزم».

وفي اطار متصل، شكل موقف حزب الله من «التراشق» السياسي الاخير في البلاد، ارتياحا لدى رئيس الحكومة الذي تأكد دون ادنى شك بان ما يقوم به باسيل، له ظروف ذاتية، تتعلق بمستقبله السياسي، وهو غير مرتبط برغبة الحزب في توتير الساحة الداخلية او اختلاق ازمة معه، وقد سمع الحريري من مصادر موثوقة وجود رغبة لدى قيادة حزب الله بعودة الهدوء والاستقرار الى الساحة السياسية للتفرغ مجددا للموازنة ومكافحة الفساد، ولم يحظ باسيل من الحزب على اي دعم في «معركته» الاخيرة... وازاء ذلك ستعود الامور الى نصابها في الساعات المقبلة، لا تعديل في التسوية، ولا ضمانة بعدم حصول «كباش» جديد يهزها دون ان «تقع»، المحاصصة في التعيينات ستكون اول الاختبارات، وثمة خشية من دفع «خصوم باسيل» المسيحيين ثمن «انعاش» التسوية الرئاسية...