جهاد نافع

لا تزال تعيش طرابلس والشمال وكل لبنان تداعيات العمل الإجرامي الإرهابي الذي حصل ليلة عيد الفطر. في ظل موجة عارمة من الاستنكارات وحملات التضامن مع الجيش وقوى الأمن الداخلي بشكل كان الإجماع عليه لافتا حتى من حركات دينية، لكن بالتزامن مع التصريحات الرافضة لتشويه صورة طرابلس واعتبارها حاضنة للإرهاب. فقد اكد الجميع على ان طرابلس بتاريخها القديم والحديث هي مدينة الانفتاح والعيش الواحد وبالتالي هي مدينة العلم التي خرجت علماء لقنوا اجيالا تعاليم الإسلام الوسطي الرافض للتطرف والتشدد والغلو في الدين.

وهناك علماء في طرابلس راحوا يؤكدون ان طفرة الغلو في طرابلس هي دخيلة على المدينة. غير ان هذا الحدث الإجرامي الدموي فتح ملفا من اكثر الملفات أهمية والتي تعتبر دار الفتوى المسؤولة الاولى عنه وهو ملف المعاهد الدينية المتفلتة وإمامة المساجد في مدينة طرابلس التي يتولاها متشددون متطرفون يلقنون الجيل الجديد وقسم من الجيل القديم مفاهيم جديدة للإسلام وفق الفكر التكفيري بحيث بدأت طرابلس تشهد منذ عدة سنوات تحولا في الرؤية الإسلامية التي اعتاد عليها المسلمون اجيالا حتى العديد من هؤلاء المشايخ لقنوا رواد المساجد دروسا في التكفير يخرج بعدها المسلم ليجد نفسه في حالة انفصام عن مجتمعه الإسلامي. هذا ما يقوله احد علماء الدين في الشمال حيث يرى ان المسلمين نشأوا على الفكر الإسلامي المعتدل والوسطي وعلى تقبل الآخر، وان طرابلس كانت دائما يعيش فيها المسلم في جوار المسيحي والعكس صحيح في حالة اخوة، بينما اليوم اصبح المسلم التكفيري لا يتقبل المسلم الوسطي المعتدل بل يراه خارجا عن الدين وهنا الطامة الكبرى.

ولذلك، فان مسؤلية دار الفتوى والمرجعيات الدينية الرسمية هي ان تسارع الى المبادرة بوضع اليد على كل المعاهد الدينية الخارجة عن سيطرتها بحسب احد العلماء السنّة، وإجراء مراجعة شاملة لكل خطباء المساجد خاصة في طرابلس التي تشهد منذ فترة محاولات ابعاد رجال الدين الوسطيين عن المساجد واستبدالهم بوهابيين.

ومن ناحية ثانية من الضروري، برأي مرجع ديني، ان تبادر دار الفتوى الى اعادة تأهيل الكثير من الشباب الذين يرتادون المساجد وان تضع برنامجا شاملا من اجل علماء مشهود لهم بحسن الفقه وحسن الإرشاد الديني وفق الشريعة الإسلامية السمحاء والرافضة لكل الأفكار التحريفية المنافية لمبادئ الدين، خاصة تلك الأفكار التي نشرها «داعش» و«النصرة» في عقول الشباب من بدء الأزمة السورية. وأنه لا بد ان يبدأ العمل بالمبادرة من طرابلس والشمال باعتبارها شهدت قبل عدة سنوات مرحلة نشط فيها الغلو والفكر المتطرف وقد انتصرت طرابلس لاحقا على هذا الفكر، لكن بقي على دار الفتوى ان تعيد النظر في امامة العديد من المساجد خاصة تلك المساجد التي يجري فيها دورات دينية لنشر العقيدة التكفيرية.