نبيه البرجي

الفانتازيا الأميركية أم الكوميديا الأميركية...؟

فاجأنا تعبير جيفري غولدبرغ «الآن، أميركا... ما بعد أميركا». من سنوات بعيدة، قال فيلسوف البراغماتية جورج ميد «هؤلاء الذين تراهم على الأرض الأميركية ليسوا أبناء آدم. هم أبناء أميركا».

انهم نتاج تفاعلات سوسيولوجية معقدة. كل الأمم، كل الثقافات، كل الأديان، كل الأمزجة، كل الأزمنة، في هذه الفسيفساء الفذة. «هنا للتاريخ نكهة جيولوجية أخرى، أخرى تماماً».

هذا ليس رأي المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه، وكان رفيق تشي غيفارا في غابات بوليفيا. قال «لن تجد أي حرب، أي مقبرة، في الدنيا، الا ووراءها شيء من أميركا».

لاحظ أن أميركا هي التي صنعت «تلك الديكتاتوريات الغبية في أرجاء العالم الثالث». الشيوعية صنعت طرازاً محدداً من الديكتاتوريات. لا يمكن للايديولوجيا أن تفهم ذلك الشيء الذي يدعى الديمقراطية. في الولايات المتحدة، يمكن أن تجد ريهانا وهي ترقص عارية تحت تمثال لمريم المجدلية.

انه دونالد ترامب. حالة فرويدية صاخبة. ليس لكونه نرجسياً فحسب. ها هو أوديب يغتصب الكرة الأرضية، كما لو أنها غانية من الهند الصينية على أرصفة لاس فيغاس... أي دماغ جهنمي ذاك الذي يعتبر أن المهمة المقدسة للأمبراطورية «ادارة الموتى أو ادارة المجانين»؟ حين التقى دونالد ترامب كيم جونغ ـ أون، ظن للوهلة الأولى، وللوهلة الثانية، أنه يرى نفسه في المرآة. رجلان لا يستطيعان البقاء الا فوق الأنقاض. الأنقاض البشرية تحديداً...

لم يعد هناك رؤساء كبار مثل توماس جيفرسون، وجيمس ماديسون، وأبراهاملنكولن، وودرو ويلسون، وفرنكلين روزفلت. «أنظروا... انها الشمبانزي الشقراء تقف على قدمين». هكذا وصفته توني موريسون، الكاتبة الزنجية الحائزة جائزة نوبل في الآداب.

ماذا حين تتولى الشمبانزي ادارة الكرة الأرضية؟ هكذا هم الأميركيون يعشقون كل ما هو عجيب، وكل ما هو مختلف.

بالرغم من أن دونالد ترامب لا يقرأ حتى الكتاب المقدس، بدا وكأنه يجمع في شخصه بين ليو شتراوس، الفيلسوف اليهودي الملهم للمحافظين الجدد، والذي أطلق العنان للأصولية المسيحية، وصمويل هانتنغتون، صاحب نظرية «صدام الحضارات»، ومؤلف كتاب «من نحن؟» الذي حذر فيه من أن تتحول أميركا، ابنة الاله الأبيض، الى دولة تطغى عليها الألوان الأخرى.

هذه المدرسة بدأت مع جورج دبليو بوش، وفريق الضباع الذي كان يحيط به (تشيني، رامسفيلد، وولفوويتز، بيرل، فايث...)، لتبلغ الذروة مع دونالد ترامب. الخشية من ولاية ثانية اذا لم يظهر المرشح الديموقراطي الذي يستطيع اخراجه بالمكنسة من البيت الأبيض.

داخل الحزب الديموقراطي من يعتبر أن ترشيح هيلاري كلينتون كان خطيئة مميتة. حتى زوجها بيل كلينتون «التجأ» عاطفياً الى مونيكا لويفنسكي لأنها لا تعرف ما تعنيه الأنثى. كمحامية لم تكن تتقن الكلمات الرقيقة. أيضاً، لم تكن صاحبة الوجه المتوهج الذي يهز «أرواح» الناس.

بيرني ساندرز كان يمكن أن يكون حصان السباق. المشكلة أن «أفكاره أكثر انسانية من أن تتحملها أميركا»، بالأرمادا التكنولوجية التي لا بد أن تكون لها الأولوية في العقود المقبلة. بالرغم من كونه يهودياً، اللوبي اليهودي يعتبره، بشكل أو بآخر، لاسامياً لدعوته الى العدالة في الشرق الأوسط الذي تحول الى «معسكر للأنين».

في الضوء جو بايدن، نائب باراك أوباما، الذي يصبح في عام 2020 على عتبة الثمانين. خبرة مترامية في الكونغرس من رئيس للجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، الى رئيس للجنة الشؤون القضائية. اضافة الى الحنكة السياسية التي قد تحتاج اليها الولايات المتحدة اما لاعادة ترميم، أو لاعادة هيكلة، علاقاتها مع العالم.

رجل يليق بالبيت الأبيض. المأخذ عليه أنه من الجيل القديم، وحيث رومانسية العلاقات وشفافيتها. ها أنه يفاجأ بالتغيير الذي حدث في منظومة القيم. احداهن اشتكت لأنه لامس أنفها بأنفه. أخرى قالت أن شفتيه كادتا تلامسان شفتيها. الثالثة لامست شفتاه شعرها.

البلد الذي انتج مارلين مونرو، ومادونا، والليدي غاغا، يتهم فيه رجل بالتحرش اذا ما تأمل في عيني امرأة. فرنسوا ميتران كان يقول «كيف لسياسي أن يكون سياسياً حقيقياً، وكيف لفيلسوف أن يكون فيلسوفاً حقيقياً، اذا لم يذهب بعيداً في عيني امرأة ؟». الرئيس الفرنسي كان يعتبر أن المرأة تضفي «نكهة مقدسة» على الحياة. ثم أردف ضاحكاً «لعلها جيوبوليتيكا الحياة».

لا يمكن لأي مرشح للرئاسة الأميركية الا أن يكون نصف اسرائيلي على الأقل. دونالد ترامب أكثر من أن يكون اسرائيلياً. عندما كان جو بايدن نائباً للرئيس تكلم في عشاء للوبي اليهودي. قال «كنت أتمنى لو ولدت يهودياً. الحياة تكفلت بذلك وجعلتني يهودياً».

لا تسألوا عن العرب هنا. لا احترام البتة للعرب الا في الاطار الفولكلوري. هذه القبائل التي يكاد أفرادها يناهزون النصف مليار بشري في الطريق الى الزوال. مراسل أوروبي سألني «كيف يمكنكم أن تتحملوا كل ذلك الذل؟». الشمبانزي حين يقود قطعاناً من الرمال...

بايدن ضد سياسة ترامب حيال ايران. يرى فيها الدولة القوية والطموحة، وان هالته البنية التيوقراطية للنظام، و«حيث وقف الزمن في الحالة البشرية». تقتضي العودة الى الاتفاق النووي لأن أحداً لا يمكنه كسر شوكة الايرانيين. رأيه أن من مصلحة البيت الأبيض الذي مد يده الى بيونغ يانغ أن يمد يده الى طهران.

قال «علينا ألاّ ندع ايران تذهب الى الضفة الأخرى ما دمنا سنواجه، حتى قبل منتصف القرن، ظهور أمبراطوريات آسيوية قد تدفع بالأمبراطورية الأميركية الى الدرجة الثانية، ربما الثالثة».

دونالد ترامب يسخر من جو بايدن لأنه لا يعرف كيف يلامس النساء الأميركيات. كيف له أن يلامس الأزمات الكبرى، القضايا الكبرى؟