بولا مراد

ليست حادثة دير الأحمر التي وقعت بين عدد من اللبنانيين أبناء المنطقة وعدد من النازحين السوريين الا عينة صغيرة عما يمكن أن يحصل في الايام والاسابيع والاشهر القليلة المقبلة. فالتوتر المتصاعد بين المجتمع اللبناني المضيف والمجتمع السوري النازح وصل الى مستويات غير مسبوقة منذ انطلاق موجات النزوح في العام 2011، وهو توتر يُرجح أن يستمر بالجنوح صعودا بعد الاجراءات الجديدة المتخذة من قبل عدد من الاجهزة الأمنية والوزارات للحد من التأثيرات السلبية للنزوح على الأصعدة كافة وبخاصة اقتصاديا واجتماعيا.

وبحسب المعلومات، فان أكثر من فريق سياسي وبخاصة «التيار الوطني الحر» يضغط لادراج الخطة التي أعدتها وزارة الخارجية للتعاطي مع ملف النزوح كبند رئيسي على جدول أعمال جلسات مجلس الوزراء المقبلة لتفادي الاستمرار باجراءات أحادية يتم اتخاذها بعيدا عن خطة حكومية يكون هناك تفاهم وطني حولها. وان كانت مصادر سياسية لا تستبعد الاستمرار بهذه الاجراءات وتصاعدها بغياب أي قرار رسمي من مجلس الوزراء خوفا من تصدع أساساته في حال تصاعد الخلاف بين مكونات الحكومة حول الملف، خاصة وأن لكل فريق حكومي وجهة نظر مختلفة تماما عن وجهات نظر باقي الفرقاء ما قد يؤدي الى كباش لا يعرف أحد كيف ينتهي ومتى.

ويبدو واضحا من التدابير المتخذة أخيرا سواء لجهة ضبط العمالة السورية التي تتولاها وزارة العمل والأجهزة الأمنية المختصة، اضافة لانضمام «التيار الوطني الحر» عبر حملة اتخذت أشكالا شتى لممارسة ضغوطات في هذا الاتجاه، او من خلال قرار هدم الخيام الاسمنتية في عرسال والكثير من المخيمات التي تفاقم تلوث نهر الليطاني ان هناك «استراتيجية غير مكتملة للضغط على النازحين لاتخاذهم طوعيا خيار المغادرة خلال فصل الصيف الحالي».

وتنبه المصادر السياسية الى أن الانتقال بسحر ساحر من التراخي المطلق بتطبيق القوانين الى السعي لفرضها بتشدد، سيؤدي لضغط كبير على النازحين الذين سيشعرون انهم مستهدفون ويعيشون في بيئة غير مرحب بهم فيها ما يجعل من الصعب تحديد ردود أفعالهم التي قد تتخذ أشكالاً شتى. وتضيف المصادر: «من هنا الواجب التعامل مع الملف بحذر، فاذا كان البعض يسعى لتجنيب لبنان مزيدا من الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية السلبية من خلال هذه الاجراءات، فقد تكون هناك ردة فعل عكسية تؤدي لانفجار اجتماعي ـ أمني لن يصب لمصلحة لا اللبنانيين ولا السوريين».

أما «التيار الوطني الحر» فيستغرب حديث البعض عن تسرع في معالجة الملف، وتذكّر مصادره بأن أزمة النزوح مستمرة منذ العام 2011 حين كانت أكثرية قوى السلطة ترفض الالتفات الى تحذيراتنا المستمرة من خطورة استمرار الوضع على ما هو عليه، وتتهمنا بالعنصرية، واذا بها تصل أخيرا الى ما كنا ننادي به، مع استمرارها بالدفع باتجاه مزيد من التروي». وتضيف المصادر: «لكننا على يقين ان الواقع الحالي لم يعد يحتمل المماطلة وبات يتطلب اجراءات سريعة وحاسمة، وهو ما عبّر عنه المجلس الاعلى للدفاع باتخاذه تدابير لمكافحة التهريب من خلال المعابر غير الشرعية ترافقت مع قرار الترحيل الفوري للداخلين خلسة الجيش اللبناني وامهال النازحين السوريين والجهات المعنية هدم البيوت الاسمنتية التي شيدت بشكل اساسي في بلدة عرسال».

ويؤكد العونيون مضيهم حتى النهاية بهذا الملف لاقتناعهم بأن ما يتهدد اللبنانيين اليوم خطر وجودي، وتشير المصادر الى انه «بعد التشديد بموضوع العمالة وضمان الاستمرار بذلك خاصة وأن هناك 348 ألف سوري يعملون في لبنان في قطاعات مختلفة، في وقت لا يزيد عدد الحائزين أعلى اجازات عمل على الـ1733 شخصاً، هناك قرار اساسي يتوجب ان تتخذه الحكومة يقضي بفرز السوريين الموجودين في لبنان بين نازح وعامل، فمن تسقط عنهم صفقة النزوح اما يرتبون وضعهم القانوني من خلال دفع مستحقاتهم دورياً أو يتم ترحيلهم الى بلادهم». وتؤكد المصادر أن «العدد الاكبر من النازحين الموجودين في لبنان هم نازحون اقتصاديون لا يتعرض اي منهم لتهديد امني في بلده بأي شكل من الاشكال خاصة وان قسما كبيرا يؤيد أصلا النظام في سوريا».

أما الأجهزة الأمنية التي تطبق القرارات الاخيرة المتخذة من قبل المجلس الاعلى للدفاع وعدد من الوزارات، فهي تعي تماما المخاطر المحدقة بهذا الملف، وهي بحسب المعلومات بدأت تتخذ اجراءات وتدابير استباقية لتفادي تكرار ما حصل في دير الأحمر كما لقطع الطريق على اي اشكالات او مواجهات مباشرة بين اللبنانيين والنازحين السوريين خوفا من تمددها بشكل يصبح من الصعب لجمها.