المقدمة:أسباب تفوق الملوك والرؤساء والسلاطين والأمراء على غيرهم، من وجهة نظر فارسية

بمناسبة مرور 226 سنة، على محاكمة الملك الفرنسي لويس السادس عشر، قررت أن أكتب مقالاً عن هذه المحاكمة، فقرأت كثيراً من المراجع، حتى اختمرت الفكرة في رأسي، ورحت أبحث عن مقدمة للمقال، تليق بهيبة الحدث، فتذكرت تلك المحاورة، التي جرت بين الملك الفارسي سابور الأول، وقيصر الروم «Valérianos»، بعد حرب إنطاكيا التي وقعت بينهما في العام 250م، فقررت أن تكون المقدمة حيث نقرأ:

في العام 241م، إستلم الملك الفارسي سابور الأول، الملقب «ذو الأكتاف»، مقاليد الحكم، محل والده الملك أردشير، واستمر في حكم بلاده، إحدى وثلاثين سنة، فحقق إنتصارات كثيرة، وقام بإصلاحات مميزة، إستحوذت على رضى الشعب الفارسي.

وبعد إنتصاره، على قيصر الروم «Valérianos» وتمكنه من أسره، سأله القيصر الأسير:

كيف تفوقت على غيرك من الملوك، حتى وصلت إلى هذه المنزلة العظيمة، التي أنت فيها؟ فقال:

«لقد بلغت، في السياسة، ما لم يبلغه ملك قبلي بثماني خصال هي:

1- لم أهزل في أمر ولا نهي.

2- ولم أخلف في وعدٍ أو وعيد.

3- ولم أُوَلِّ إلاّ أهل الكفاية.

4- ولم أَثب إلاّ أهل النهى.

5- ولم أزرع إلاّ المحبة في قلوب الرعية.

6- ولم أترك أيّ أثر للضغينة والإنتقام في نفسي.

7- ولم أتدخل في شؤون العدالة قط.

8- وأبقيت مكاناً للشك في أقرب الناس إليّ».

الملك الفارسي سابور الأول

الفقرة الأولى: إلقاء نظرة على شخصية الملك لويس السادس عشر قبل توليه الحكم

ورأي جده لويس الخامس عشر فيه

ولد «Louis Auguste de France, duc de Berry»، وملك المستقبل لويس السادس عشر، في قصر فرساي بتاريخ 22/8/1754، وتم إعدامه بالمقصلة في باريس، بتاريخ 21 كانون الثاني عام 1793، وبذلك يكون آخر ملوك فرنسا، في فترة النظام القديم.

تولّى حكم فرنسا و«Navarre»، من العام 1774 حتى العام 1789، ومن ثم أصبح ملك الفرنسيين من العام 1789، وحتى العام 1792. ومن مميزاته أنه كان آخر ملك يسكن قصر «Versailles».

وهذا الملك هو ابن ولي العهد «Louis de France»، والأميرة «Marie-Joseph de Saxe» وأصبح بعد وفاة والده، ولياً لعهد فرنسا.

ولد هذا الملك عليلاً... وظهرت عليه، في طفولته وشبابه، علامات الجبن والخجل والخوف الزائد... وكان نهماً إلى الأكل، فازداد وزنه كثيراً.

وعندما علم أن إخوته يتفوقون عليه بذكائهم، إنصرف عن معاشرتهم، إلى معاشرة الشبان الخدم في القصر، وراح يبدي حماسة زائدة، في الرياضة البدنية، وفي الرماية، وإتقان الحرف اليدوية، وأعجب بمهارات الصنّاع بين الخدم، وتخلّق بأخلاقهم، وحفظ كثيراً من قصصهم والروايات، التي كانوا يرددونها أمامه. وهذا ما حمل جده لويس الخامس عشر على القول، في ما يشبه النبوءة:

«كلّما نظرتُ إلى هذا الولد الكبير، أسأل نفسي، كيف يستطيع أن يتصرّف كملك؟ وأخشى إذا تربع على عرش فرنسا، أن يقضي على فرنسا، وعلى السلالة الملكية البوربونية، وعلى نفسه. ولا يعزيني إلاّ أمر واحد. وهذا الأمر هو: أني لن أعيش حتى أرى تلك الكارثة».

الفقرة الثانية: تزويج الملك لويس السادس عشر من الأرشيدوقة ماريا أنطونيا النمساوية

في العام 1770 عندما بلغ الملك الشاب سن السادسة عشرة من عمره، قرر جده تزويجه، وراح يتحدث مع المقربين منه، عن وجوب إيجاد عروس، لولي العهد ، تتمتع بالذكاء والفطنة والثقافة والشجاعة، حتى تزرع بذور كل ذلك، في نفس زوجها المستقبلي، على أمل بأن يثمر الزواج بناتٍ وشباناً، لإستمرار مجد فرنسا، بحكم الأسرة الملكية البوربونية.

ولمّا كان وزير الخارجية «de Choiseul Etienne-François» ، من المقربين جداً، إلى الملك لويس الخامس عشر، أسرّ في أذنه، أنه عندما كان سفيراً لفرنسا في بلاط فينّا، ولدت «L'archiduchesse Marie-Antoinette»، في العام 1755، وتكون اليوم في العام 1769، قد أصبحت في الرابعة عشرة من عمرها... وقد تكون ملائمة جداً لمثل هذا الـــــــــــــــــزواج. وبـــــــــــــــــذات المعنـــــــــــــــى تكلّم سفيـــــــــــــر فينّا فـــــــــي «Versailles» الكونـــــــــــت: «Florimond de Mercy-Argenteau».

قبل الملك لويس الخامس عشر النصيحة، وأرسل إلى أمبراطورة النمسا ماريا تيريزا، وفـــــــــداً رسميــــــــــــاً ليطلب يد ابنتها ماريـــــــــــا أنطونيــــــــــا، لحفيــــــــــده، ولــــــــيّ العهـــــــــد، «Louis Auguste de France»، فردّت على ذلك بالقبول والسرور، وزينت كلامها بعبارة: كنت أنا في ذات التوجه.

أمّا العريس، الذي لم يؤخذ رأيه، وأُعلم أن عروسه فائقة الجمال، دون أية إشارة إلى أخلاقها، فقال: أتمنى أن تكون أقل جمالاً وأكثر أخلاقاً... فتوقف محدثوه عند هذه العبارة لحل ألغازها.

وبعد الموافقة المزدوجة، بين الملك لويس الخامس عشر، وأمبراطورة النمسا، على هذا المشروع، تم الزواج بالوكالة، في 19 نيسان 1770، في إحدى كنائس فيينّا.

وبعد يومين، على عقد القران بالوكالة، توجهت قافلة مؤلفة من 57 عربة، و 366 جواداً، إلى القصر الأمبراطوري، حيث قامت الأمبراطورة بوداع العروس، وأوصتها بأن تكون كريمة جداً مع الفرنسيين. وبهذا الكرم يدركون، أني أرسلت إليهم ملاكاً، وليس عروساً فائقة الجمال فقط.... فيسعدون بهذا الزواج، ويكون لك اليد الطولى، مستقبلاً، في سياسة فرنسا.

وضم الموكب الأمبراطوري هذا 135 شخصاً، من الخياطات والوصيفات، ومصففات الشعر، وكهنة القصر والجراحين والصيادلة والطباخين والخدم، ورجالاً ليعتنوا بالخيول، التي كانت تتبدل أربع مرات في اليوم.

ولمّا أشرف الموكب، بعد 16 يوماً، على مدينة ستراسبورغ، قامت العروس، بإبدال ثيابها النمساوية، بثياب فرنسية، وعاد مرافقوها النمساويون إلى النمسا، وحلت محلهم حاشية فرنسية مشابهة، من الرجال والنساء، وأصبح إسم العروس ماري أنطوانيت، بدل ماريا أنطونيا، لتدخل ستراسبورغ، على وقع قصف المدافع، وقرع أجراس الكنائس، وهتاف الشعب بالترحاب.

ولمّا بدا حاكم المدينة الترحيب بها، باللغة الألمانية، قاطعته وقالت بالفرنسية عبارتها المشهورة: «أرجو ألاّ تتكلموا الألمانية أمامي، لأني منذ هذه اللحظة، لم أعد أفهم إلاّ اللغة الفرنسية».

فألهبت هذه العبارة حماسة الفرنسيين الحاضرين، وراحوا يصفقون لها بحماسة غير مسبوقة.

ومن جهته، أمر الملك لويس الخامس عشر، أن يتوجه هو والعريس وليّ العهد، في موكب ملكي حاشد، لاستقبال موكب العروس، القادم من جهة الشرق، على بعد 75 كلم من باريس.

ولمّا وصل موكب العروس، في 14/5/1770، إلى المكان، الذي كان الوفد الفرنسي الملكي، منتظراً فيه، قفزت العروس من مركبتها، وأسرعت نحو الملك لويس الخامس عشر، وانحنت أمامه إلى الأرض، فأسرع بدوره، ومسك بيدها، حتى وقفت، وراح يهدئ من روعها، وقال لها: «يُشرفنا أن تكوني قد أصبحت يا أميرتنا المعظمة في بلادك، أميرة معظمة في أسرتنا البوربونية...»

وبعد أن قبّلها كابنته، على وجنتيها، توجه إلى وليّ العهد عريسها، وقال له:

«هذه هي زوجتك، وعليك أن تسكنها قلبك وعقلك ومقلتيك، وأن تحترمها كما تحترم نفسك وعائلتك ومسؤولياتك».

فقبلها العريس بدوره، واعتراه الهم من كثرة جمالها، وقوة شخصيتها، والسحر في هالتها، وعذوبة حديثها.

الفقرة الثالثة: وليّ العهد يفشل في ليلة الدخلى

وبعد يومين، وصل الموكبان، في 16 أيار 1770، إلى القصر الملكي في «Versailles»، وتم الزفاف الرسمي، تأكيداً على الزواج بالوكالة، الذي تم في فينّا، قبل شهر... وأقيمت مأدبة غير مسبوقة، في دار الأوبرا، ونبّه جلالة الملك لويس الخامس عشر حفيده، إلى عدم الإفراط في الأكل، لأنه مُجلب للنعاس، ومحبط للرجولة، ليلة الدخلى، وإن تم ذلك، لاسمح الله، يلحق به وبسلالته وبفرنسا عار أقسى، من عار الهزيمة في معركة حاسمة.

لم يقبل العريس النصيحة، لأنه لم يفهم مراميها، فأفرط بالأكل، وعند الإمتحان غطّ في نوم عميق... وتكرر الأمر أياماً وشهوراً وسنينا، وهذا ما حمله، على الهروب من واقعه المرّ والمحرج، بالذهاب إلى الصيد، كل يوم.

ولأن الأسرار لا تبقى مخبأة، إلى وقت طويل، إنتشرت الأخبار في القصر الملكي الفرنسي أولاً، وفي مكاتب السفارات الأجنبية ثانياً، حتى وصلت إلى القصر الأمبراطوري، في فينّا أخيراً، فجثم الهم على أكتاف والدة العروس، لكنها تمالكت أعصابها، وأرسلت إلى ابنتها رسالة سرّية مفادهما:

«إن الأمر عارض... وهذا كثيراً ما يحصل لدى العرسان الشباب، لقلة خبرتهم... وعدم تجربتهم لهذا الفعل من قبل. وهذا يعني أن زوجك سيكون لكِ وفياً جداً... وعندما تصبحين في الثامنة عشرة، بعد أربع سنوات، تدركين معنى كلامي».

الفقرة الرابعة: كشف سرّ الإحباط لدى العريس الملكي الشاب «Louis Auguste de France»

بعد تكراره محاولات إثبات الرجولة، تدخل طبيب العائلة، بناءً على طلب من الملك لويس الخامس عشر، وكشف على العريس المحبط، في السنة الثانية على الزواج، فاكتشف أن العريس كامل الرجولة، لكنه مصاب بعيب خَلْقي، في مكان حسّاس من جسمه، حيث كانت القلفة غير مرنة، فلا ترجع إلى الوراء، وتسبب له ألماً لا يحتمل عند كل محاولة... فيصرف النظر، ويقع في الإحباط.

واقترح عليه إجراء عملية جراحية له، حتى يزيل سبب الإحباط، فلم يستجب، لأنه كان يخاف ويهرب من العملية، فتمادى عجزه، وتمادى إطلاق الشائعات، ضد الزوجة النمساوية، فنسبوا إليها العقم أولاً، ورموها بتهمة الزنا ثانياً، وبتهمة السحاق ثالثاً.

الفقرة الخامسة: إعتلاء العرش

بتاريخ العاشر من شهر نوار، عام 1774، لفظ الملك الفذّ لويس الخامس عشر أنفاسه، وذهب إلى ما خلق إليه، فقرعت أجراس الكنائس، في كل فرنسا، إعلاناً للفاجعة، فاندفعت الحاشية الملكية، إلى مقرّ وليّ العهد في «Palais Des Tuileries» لتبايعه، وتقول: «مات الملك... عاش الملك»، فوجدوه مع زوجته يصليان، ويبكيان... ولمّا توجه إليه أحد أصدقائه المقربين جداً، ناداه بكل حزم، وقال:

يا صديقي!

لقد أصبحت اليوم ملكاً، على الأمة الفرنسية العظيمة، وعلى شعبها الطيب العملاق... فلم يعد يليق بك أن تبكي كما تبكي النساء، وأن تكشف ما يجول في خاطرك، أمام الملأ...أو أمامي أنا، فتقول: أنا في التاسعة عشرة من عمري... لم أتعلم شيئاً من فنون الحكم... وأشعر كأن الكون بجباله وسهوله وبحاره، سيسقط فوق راسي، فتتحقق نبوءة جدّي، بأن الملكية ستزول من فرنسا، في عهدي.

إنهض من مكانك...، أضاف الصديق، وخاطب أمتك وشعبك، بالفاجعة التي حلّت بوفاة جدّك، وبأحكام النظام الملكي، التي تفرض، في مثل هذه الحال، أن يعتلي ولي العهد عرش المملكة، ويقول بكل ثقة وحزم: الأمر لي».

الفقرة السادسة: زوال السبب، الذي أحبط العريس الشاب، وزوجته النمساوية الحسناء، فتمت الدخلى وأنجب أربعة أولاد.

بعد مرور ثلاث سنوات، على إعتلائه عرش فرنسا، إلتقى جلالة الملك الجديد، بشقيق زوجته الملكة، الأمير جوزيف النمساوي، الذي انفرد به، وأقنعه بإجراء العملية، لأنها بسيطة جداً، والألم فيها يكاد أن يكون معدوماً، فاقتنع، وأجريت العملية، وتكللت بالنجاح التام... فتمت الدخلى... ووقع الحَبَل، وأنجب من زوجته ماري أنطوانيت النمساوية، أربعة أولاد هم على التوالي من اليسار إلى اليمين:

«Marie-Thérèse de France, Louis -Joseph de France, Louis Charles de France, et Sophie de France».

وبذلك تكون زوجته ماري أنطوانيت، قد أصابت عندما قالت، قبل العملية بكثير:

«الملك ليس جباناً، إنه يتحلّى بقدر كبير من الشجاعة الكامنة في ذاته، لكن الخجل يربكه، وتعوزه الثقة بالنفس. وممّا زاد في الأمر بلّة، قوة شخصية جده».

الفقرة السابعة: محاولات الإصلاح المالي

لم تحقق غاياتها، فتفاقم

العجز

ورث الملك الشاب، لويس السادس عشر، مملكة من أهم الممالك، في القارة الأوروبية، لكنها كانت على حافة الإفلاس... فاستعان بثلاثة وزراء من أهم الوزراء في هذا المجال هم: «R. Turgot. Ch. Calonne et J. Necker»

ومن المقترحات، التي أبصرت النور، إقتراح فرض ضريبة مباشرة، على جميع الفرنسيين، دون أي تمييز طبقي أو ديني... لكن هذا المقترح، لقي حتفه في مهده، بفعل المعارضة الصاخبة، التي واجهته، من قبل الجمعيات العمومية، ورجال الدين، والأشراف، على حدٍ سواء.

وبعد هذا الإخفاق، ركّز جلالته على تطوير حقوق المواطن، فأصدر أوامره الملكية، بإزالة التعذيب، في كل المرافق الفرنسية، وحرّم إستعباد الناس، فلقيت هذه الإصلاحيات قبولاً عظيماً لدى الفرنسيين.

وأراد في بداية ولايته، أن يحقق نصراً على بريطانيا العظمى، في حرب الإستقلال الأميركية، فانحاز إلى جانب الثوار الأميركيين، في حربهم ضد بريطانيا، التي تستعمر بلادهم، فأرهق خزينة الدولة الفرنسية، بفعل النفقات الباهظة، التي تسببت بها تلك المساعدة.

وأمام هذا الواقع الإقتصادي المؤلم، أصغى الملك إلى وزير ماليته الفذّ «Turgot»، الذي قال فور تعيينه: «إني مستعد لأبذل حياتي في سبيل ملكنا العظيم الأمين».

فأجابه الملك: «لن يخيب ظنك أيها الوزير الوفي».

وفي ذات الليلة، أرسل الوزير إلى الملك، رسالة بيّن فيها النقاط الأساسية في برنامجه الإصلاحي فقال: لا إفلاساً معلناً أو مقنعاً. لا زيادة في الضرائب... لا قروضاً، لأن القروض تؤدّي، في نهاية الأمر، إمّا إلى الإفلاس وإمّا إلى زيادة الضرائب.

ولتلبية هذه النقاط، لا يوجد غير سبيل واحد، هو خفض الإنفاق عن الإيرادات، بقدر يكفي لضمان وفر سنوي، مقداره عشرون مليوناً تخصص، لاستهلاك الديون القديمة. وبغير هذا الحل، ستؤدي أول طلقة نار بدولتنا، إلى هاوية الإفلاس.

ومن أجل ذلك، إستصدر مرسوماً، من المجلس الملكي، في العام 1774، فأطلق تجارة الغلال، من أجل تنشيط زراعة الأرض، التي تعد محاصيلها، أعظم ضمانة لإغناء الدولة، وتعزيز ثروتها، فلقي هذا الأمر إستحساناً لدى فولتير، فاعتبر في رسالة إلى «Turgot»، أن مرسومه يشكل فاتحة، لعصر إقتصادي جديد، وقدم إحترامه لواضعه، وتمنى له التوفيق.

وبتاريخ لاحق، لجأ مدير المالية نيكر «Necker»، إلى القروض... فأفضت حرب 1778 بفرنسا إلى الإفلاس، إذ عندما ارتفع سعر الخبز، في العام 1775، إندلعت حوادث الشغب، في عدة مدن... وبدأ بعض أصحاب الرأي يتنقلون بين المناطق، ويحرضون الناس على التمرّد... وأَحرقت بعض الفئات المسلحة مزارع المزارعين، ومحلاّت التجار، ورمت مخزون الغلال في نهر السين.

وفي 2 أيار 1775، وصلت المظاهرات الصاخبة، إلى أبواب القصر الملكي في «Versailles»، فتحققت رؤيا الوزير الفذّ «Turgot».

الفقرة الثامنة: إنقلاب الأسرة المالكة على إصلاحات وزير المالية «Turgot » يحمله على التفكير بالإستقالة

عندما أصدر وزير المالية «Turgot»، مراسميه الستة باسم الملك، في العام 1776، فأباح في أحدها أن تشمل حرية المتاجرة بالغلال، العاصمة باريس، وألغى العدد الأكبر من المناصب المتصلة بتلك التجارة... إنضم المواطنون المطرودون إلى صفوف الثوار.

وألغى «Turgot» بمرسومين، مرسومين سابقين، كانا يفرضان ضرائب على إقتناء الماشية وبيع اللحوم... فاغتبط الفلاحون .

وألغى بالمرسوم الرابع السخرة، التي كانت تتمثل بإجبار الفلاحين، على العمل مجاناً مدة خمسة عشر يوماً، في السنة، لصيانة الجسور، ومجاري المياه، والطرق... وفرض الوزير الإصلاحي، في هذا المرسوم ذاته، أن يتقاضى الفلاحون بدلاً عن هذا العمل، أجوراً من ضريبة فرضها، على جميع الأملاك غير الكنسية...

فاغتبط الفلاحون بهذا العمل الجبار، واغتاظ النبلاء غيظاً شديداً.

وانضم إلى الغاضبين جميع الطبقات ذات النفوذ، باستثناء الكثرة الساحقة من الفلاحين، والصناعيين، ورجال الأعمال، ولم يعارضه إلاّ المحتكرون للسلع الغذائية، والتجارية، وطبقة النبلاء، تحت ستار إنه يعمل جاهداً لتأليب الفقراء ضد الأغنياء.

ووقف رجال البرلمان في وجهه، لأنهم عرفوا أنه هو الذي أقنع الملك، بإبطال قرارات النقض التي تصدر عن هذا البرلمان... وكرهته حاشية الملك لأنه كان يندد بكثرة إسرافها في المأكل والملبس.

وبدورها، ثارت الملكة ماري أنطوانيت ضده، بعد التأييد الظاهر لخطواته، وعادت إلى سابق عهدها، في الإسراف بشراء الثياب، وتقديم العطايا... فأرهقت خزينة الدولة بأعباء ثقيلة.

وبدوره، فقد الملك ثقته بوزيره، لأن إصلاحاته الثورية أقلقت الكنيسة والنبلاء والبرلمانات... التي رسختها التقاليد... فاعتقد الملك أن إقلاق هذه الفئة، يهدد ركائز الحكم الملكي بالإنهيار....

وكانت النتيجة أن تأثر الوزير الثوري، بتكاتف المصالح ضده، فعاد بتاريخ 30 نيسان 1776، إلى بيته ، وأرسل إلى الملك رسالة - إستقالة جاء فيها:

«مولاي!

«لن أخفي عن جلالتكم أن قلبي مجروح، جرحاً بليغاً، بسبب صمت جلالتكم على ما أتعرض له من حملة منظمة. وقبل هذا الصمت كنت أستسهل كل الأمور مهما بدت لي صعبة، لأني كنت أعتبر أن تأييد جلالتكم للإصلاحات، التي أقوم بها، هي القوّة الدافعة لتحقيق الإنتصار، من أجل راحة الشعب.

«أمّا اليوم، فإني أشعر، بأن ثقة جلالتكم بي، قد تغيرت... وأصبح يستحيل عليّ أن أمضي قدماً في طريقي التي سلكتها، من أجل عزة جلالتكم وعزة فرنسا، والشعب الفرنسي.

بكل احترام «Turgot»

لم يرد الملك على رسالة وزير ماليته، فور استلامها، وشعر أن «Turgot» يرغب من خلال رسالته، أن يخيره بين الإستقالة، وبين إخضاع الحكومة إلى إرادته... فأصدر أمراً ملكياً بتاريخ 12 نوار 1778، وأرسله إلى وزير المالية مع عبارة: «عليك أن تستقيل فوراً»، فاستقال.

ولمّا قدّم إستقالته، إلى الملك لويس السادس عشر، قال له صاحب الجلالة: يا «Turgot» أنت رجل محظوظ... ليتني أنا أيضاً أستطيع ترك منصبي.

وبتاريخ لاحق، طرد الملك جميع الذين عينهم «Turgot»، للنهوض بمالية الدولة واقتصادها، ولمّا طردوا من وظائفهم، صُعقت أمبراطورة النمسا بهذه التطورات، ووافقت على قول فولتير:

«إن سقوط وزير المالية الثوري والإصلاحي العظيم Turgot، هو نذير شؤم بإشعال الثورة ضد الأسرة الحاكمة، وانهيار الدولة إنهياراً تاماً، وأحزنها الدور الذي لعبته ابنتها الملكة ماري أنطوانيت، في هذا السقوط».

وبعد فترة من الزمن، قال فولتير، في رسالة إلى أحد أصدقائه:

«لم يبقَ لي إلاّ أن أموت، بعد أن قدّم الوزير العملاق Turgot إستقالته، وذهب إلى بيته».

الفقرة التاسعة: الملك لويس السادس عشر

يعيّن العالم الإقتصادي البروتستانتي «Necker» مديراً للخزانة الملكية

بتاريخ 22 تشرين الأول 1776، أصدر الملك لويس السادس عشر أمراً ملكياً، بتعيين العالم الإقتصادي «Necker» مديراً للخزانة الملكية، فأثار هذا التعيين موجة عارمة من الإحتجاجات، التي قامت بها مجموعات من رجال الدين الكاثوليك، ضد هذا التعيين، لأن المدير الجديد، سويسري الجنسية، ويتبع الديانة البروتستانتية ، فرد بعض رجال الحاشية، على هذه الإحتجاجات بالقول:

«في وسع رجال الدين أن يشاركوا في اختيار الوزراء، إذا قاموا بدفع ديون الدولة».

فخفت الإحتجاجات بفعل هذا الإقتراح، وبسبب إطلاق لقب مدير على «Necker»، وليس لقب وزير، لكنها لم تخمد نهائياً.

فعادت إلى الإشتعال من جديد، بفعل رفض وزراء الملك الكاثوليك، لأفكار «Necker» الإصلاحية، الرامية إلى إصلاح النظام الضريبي، فأدى ذلك إلى إعفائه من مهماته، وعين وزير كاثوليكي مكانه.

الفقرة العاشرة: الحكم الملكي الدستوري الثوري

إن من يقرأ تاريخ الملك لويس السادس عشر، يدرك دون كثير عناء، أنه كان ملكاً متواضعاً... ولن يتردد في التضحية بحقه الملكي، في سبيل عظمة شعبه، وكان يميل برضاه نحو الإصلاح، وإنقاذ فرنسا، ممّا كانت تتخبط فيه، لكن خوفه من مطالب الأشخاص الأقوياء، وأصحاب الإمتيازات الملحة، جعلته يتراجع عن كل فكرة إصلاحية، ويتخلّى عن كل الخطط التي وعد الشعب بها.

وكان يرتعد، من الأفكار التحررية، التي كان ينادي بها فولتير وروسو، وجمهور الفلاسفة بشكل عام، ضد المفاسد، والتمييز بين أفراد الشعب، والعمل الدؤوب لاستبدالها بغيرها، وتأمين الحياة اللائقة بالشعب الفرنسي العظيم.

فولّد كل ذلك نقمة عارمة، في صفوف الطبقات الفقيرة والمسحوقة، ودفعها دفعاً إلى التفكير بكل السبل المتاحة، للتخلّص من الطبقة الحاكمة، وأصحاب الإمتيازات، الذين مصّوا دماء الشعب، كما تمصّ الدبابير العنب... فكثرت الإحتجاجات، وكثرت الإجتماعات، وتشكلت الجمعية الوطنية، وراحت تنادي بالإصلاح، فناصبها الملك العداء.

الفقرة الحادية عشرة: محاكمة الملك لويس السادس عشر

النبذة الأولى: فرار الملك لويس السادس عشر وإلقاء القبض عليه

إن أسباب النقمة الشعبية، التي تكلمنا عنها سابقاً، وتعلق الجمهور الفرنسي، بالأفكار الثورية التنويرية، التي كان يقوم بها الأدباء والمفكرون، ساهمت مساهمة حاسمة، في إنعقاد الجمعية العامة في 21 أيار 1789، واتخاذها القرار، باقتحام سجن الباستيل في تموز من ذلك العام، ونشر إعلان حقوق الإنسان والمواطن، بعد حوالي الشهر، وَحَمَلَ النساء على التوجه إلى قصر فرساي، في مسيرة إحتجاجية حاشدة، فأدى كل ذلك بأركان الحكم الملكي إلى الرجوع إلى باريس.

لم تكتفِ الجمعية الوطنية، بالأحداث الثلاثة المذكورة أعلاه، إنما عمدت في العاشر من شهر آب اللهاب ذاته، إلى إلغاء نظام الإقطاع، وكل الإمتيازات، التي كانت مفروضة على الشعب الفرنسي، إرضاءً لطبقة النبلاء ورجال الدين، وصولاً إلى إلغاء النظام الملكي في 21 أيلول 1792.

وفي 21/6/1791، حاول الملك لويس السادس عشر الفرار من فرنسا إلى النمسا، برفقة زوجته الملكة ماري أنطوانيت، فألقي القبض عليهما، وأعيدا إلى باريس، فأخضع الملك للمحاكمة أولاً، أمام المؤتمر الوطني بتاريخ 11 كانون الأول 1792.

وشكل المؤتمر الوطني محكمة من أعضائه، مؤلفة من 24 عضواً لمحاكمة الملك، الذي جرّد من كل صلاحياته، وأصبح أمامها شخصاً عادياً، بإسم لويس «Capet».

وفي الجلسة الأولى، تم إطلاع الملك، على الوثائق الـ 625 السرّية، التي عثر عليها داخل صندوق حديدي مخبأ، في جدار إحدى الغرف الملكية، في قصر «Tuileries»، والتي تثبت أن الملك كان يتواصل مع «Lafayette» و«Mirabeau» و«Talleyrand»، وعدد من المهاجرين، والصحافيين المحافظين، للقضاءِ على الثورة... فارتفعت المطالبات بإجراء محاكمة سريعة «للملك الخائن».

وحمل أحد صقور الثورة «Marat» لواء المطالبة، بأن يكون التصويت على المحاكمة علناً، حتى يضع الجيرونديين المترددين، تحت رحمة الثائرين المتشددين، الذين لا يرتدون إلاّ السراويل القصيرة، والمعروفين بإسم: «Les Sans- Culottes»، المنتشرين في الممرات والشوارع.

النبذة الثانية: الجلسة التمهيدية في 26 كانون الأول 1792

بعد إلقاء القبض على الملك، وإخضاعه للمحاكمة، في 26 كانون الأول 1792، طلب أن يعيّن محامين له، فتمت الإستجابة إلى طلبه... فاختار في بادئ الأمر: المحامي «Target» والمحامي «Tronchet»، لأنهما كانا الأشهر في باريس، فاعتذر الأول تحت ستار المرض، وقبل الثاني.

ولمّا انتشر الخبر، تبرع عدد كبير من المحامين الآخرين للدفاع عن جلالة الملك، وكان بينهم المحامية «Olympe de Gourges»، ووزير سابق يدعى «Malesherbes»، فاختار الملك هذا الأخير.

وبعد إجتماع عقد بين المحاميين «Malesherbes» و«Tronchet» تم التوافق بينهما على إختيار محام شاب وكفوء، ومفعم بالحيوية، وعشق المهنة، يدعى «Desèze»... فسلموه الملف، لدراسته دراسة معمقة إستعداداً للمحاكمة... فدرسه، ليجد فيه 57 تهمة.

النبذة الثالثة: جلسة المحاكمة

في 13 كانون الثاني 1793، بدأت المحاكمة التاريخية، فمثل الملك في قفص الإتهام، ووقف وكلاؤه، على مقربة منه، وبدأ الإستجواب على الوجه التالي:

الرئيس «Barère» يا لويس تلونا عليك لائحة الإتهام التي سبق لنا وسلمناها إليك... ولهذا أسألك: أنت متهم بالإعتداء على سيادة الشعب في 20 حزيران 1789. فماذا تقول؟

لويس أوغيست: لم يكن يوجد قانون يمنعني عمّا هو منسوب إليّ.

الرئيس «Barère»: عشية الإستيلاء على الباستيل حركت قطاعات من الجيش... وسفكت دماء المواطنين، فماذا تقول؟

لويس أوغيست: كنت أحرك الجيوش حيث أريد، ولم يكن في نيتي مطلقاً سفك الدماء.

الرئيس «Barère»: تجنبت تنفيذ مقررات 4 آب، وسمحت بدوس العلم الوطني بالأقدام أمامك، فماذا تقول؟

لويس أوغيست: أبديت ملاحظات على المقررات التي عرضت علي... فاعتقدت بصحتها... وفيما يتعلق بدوس العلم لم يجرِ مثل هذا العمل أمامي على الإطلاق.

الرئيس «Barère»: وزعت أموالاً من أموال الشعب على عمّال في ضاحية سان أنطوان لضمهم إليك، فماذا تقول؟

لويس أوغيست: ليس لديّ أية لذة تفوق لذة توزيع المال على المحتاجين.

الرئيس «Barère»: سفكت دماء الفرنسيين في 17 حزيران في منطقة «Champ de Mars»، فماذا تقول؟

لويس أوغيست: لست أنا المسؤول عن ذلك.

الرئيس «Barère»: كنت على صلة وثيقة بالمعاهدة التي تعهد فيها ملوك أجانب بإعادة الملكية المطلقة إلى فرنسا، فماذا تقول؟

لويس أوغيست: أعلنت عن هذه المعاهدة فور علمي بها.

الرئيس «Barère »: أنت متهم بالخيانة العظمى لقيامك بدور مزدوج ضد الجمعيات التي أنشأتها الثورة، وحاولت الفرار إلى الخارج، وخبأت 625 وثيقة داخل صندوق حديدي في جدار إحدى الغرف في قصر «Tuileries» الملكي وكلها تثبت تواصلك مع «Tuileries» ومع عدد من المناهضين الفرنسيين وغير الفرنسيين للحكومة، فماذا تقول؟

هنا وقف روبيسبير أحد صقور الجبليين «Les Jacobins» ، واقترح إعدام الملك فوراً... ووقْف هذه المحاكمة... التي قد تطول وتطول... فلويس «Capet» لم يعد متهماً... إنه المجرم المتلبس بكل الجرائم المنسوبة إليه.

الفقرة الثانية عشرة: مرافعة وكلاء الدفاع التي قدّمها بإسمهم المحامي الشاب «Desèze»

وقف وكلاء الدفاع «Tronchet» و«Malesherbe» و«Desèze» إلى جانب المتهم، الملك لويس السادس عشر، ليترافع بإسمهم أصغرهم سناً، المحامي اللامع «Desèze» ، الذي وقف كالرمح الرديني ليقول:

«أيها المواطنون ممثلو الأمة... لقد جاءت اللحظة التي يقف فيها لويس متهماً بإسم الشعب الفرنسي. نعم جاءت اللحظة التي يحاط فيها بمدافعين عنه، وهذا حق منحته له الإنسانية، ومنحه له القانون... وبموجب هذا الحق يستطيع أن يقدم لأمته دفاعه، ويشرح لها أمامكم كل النوايا، التي كانت تحركه... فيقول لكم بلساننا:

«أيها المواطنونّ! أنا أتحدث إليكم، في هذه اللحظة الحرجة من حياتي، بصراحة رجل حرّ، فأقول:

«أبحث بينكم عن قضاة ... فلا أجد فيكم إلاّ هيئة إتهام... تريدون النظر في مصير لويس كمحكمة، وأنتم أنفسكم من يوجه إليه الإتهام... تريدون النظر في مصير لويس، وأراؤكم باتت معروفة تماماً، في فرنسا وفي كل البلدان الأوروبية.

«وفي هذه الحال، يكون موكلنا الملك لويس السادس عشر، الفرنسي الوحيد الذي لا يوجد من أجله أي قانون، ولا أية أصول. والأخطر في الأمر، هو أن موكلنا لا يتمتع بأية حقوق متصلة بوضعه السابق كملك... ولا يتمتع بأية حقوق متصلة، بوضعه الحالي، كمواطن فرنسي عادي، مدعى عليه، بجرائم تحمل في طياتها عقوبة الإعدام.

«إنه قدر غريب، هو قدر موكلنا هذا، وعصيّ على التصور، في واقعنا، وفي الخيال؟! فتناسينا وتناسيتم أن الثورة التي فجرتموها، نمت في أعماقكم، بفعل القيم النبيلة، التي تحكمت بكم... ولكن... ألا تعتقدون بأن السلوك الذي تعتمدون، في محاكمة الملك، أضعف في نفوسكم مشاعر الإنسانية، فصرنا عاجزين، عن رؤية أي وجه من وجوه العدالة، في هذه المحاكمة... وعلى العكس من ذلك صرنا نرى وجوهاً متعددة للظلم والزيف والإستبداد.

«أيها الفرنسيون! إستمعوا إلى التاريخ... إنه يروي... أن لويس نُصّب على العرش في العشرين من عمره ... وخلال عشرين عاماً هي فترة حكمه، كان مثالاً في الأخلاق، فلم يؤخذ عليه أية نزعة إجرامية... أو أي ميل للفساد... وعلى العكس من ذلك كان صديقاً للشعب... فألغى ضريبة كانت تقض مضاجعه... وأقرّ التشريع الجنائي... ومنح الطبقات المحرومة حقوق المواطنة، التي كانوا محرومين منها... ومنح الحرّية للجميع.

«ومع ذلك، وبإسم هذا الشعب، وجهتهم إليه الإتهام بإرتكاب كل الجرائم... ليتم الثأر منه، ليس عن جرائم ارتكبها فعلاً، إنّما عن الأعمال الطيبة التي قام بها... فصدمتمونا وصدمتموه... لأنه لم يسبق له أن أعطى أمراً دموياً واحداً...

«وعلى العكس من ذلك، فهو الذي منع حرسه الخاص من الدفاع عن النفس في 6 تشرين الأول 1791... وهو الذي رفض في 20/6/1992، كل العروض المقدمة له للبقاء على عرشه، مفضلاً البقاء وحيداً بين أفراد شعبه... وهو الذي فضل في «Varennes» الأسر على أن يعرّض إنساناً واحداً للموت.

«أيها الفرنسيون! أين أصبحت الميزة الوطنية، التي اشتهرت بها أخلاقكم قديماً؟

إنّ أخشى ما أخشاه، أن يحاكم التاريخ حكمكم، وحكمه سيكون حكم القرون... كل القرون وحتى ينتهي العالم. فيصرخ بوجهكم ووجه أولادكم وأحفادكم: كيف يجوز لكم أن تحاكموا ملكاً، على جرائم لم يمنعها الدستور؟ أو تلك التي شملها عفوه؟ أو تلك التي سعى إليها أخوته مع النمسا دون علمه؟

«وفي الختام سئل المتهم عن كلامه الأخير فقال: إن وكلائي أفاضوا بالدفاع عني، فلا أريد تكرارها... إنما أقول لكم: إن ضميري مرتاح... لكن قلبي يتمزق لأني وجدت في لائحة الإتهام بأني أمرت بسفك الدماء... ولا يصح أن تحمّلوني، كما سمعت، أخطاء أجدادي الملوك الثمانين الذين سبقوني، ومنهم سان لويس وهنري الرابع ولويس الرابع عشر... وعلى كل حال، فأنا أغفر لكل من أساء إليّ».

الفقرة الثالثة عشرة: إصدار الحكم

أثناء المداولات لإصدار الحكم، طرحت أربعة أسئلة ليجاب عليها، وهذه الأسئلة هي:

1- هل لويس «Capet» مجرم بارتكاب جريمة التآمر على الحرية العامة والأمن العام...؟ فكانت النتيجة أن 691 قالوا نعم من أصل 749؟

2- هل يجب إخضاع حكم الجمعية الوطنية للتصديق عليه من قبل الشعب؟ فكانت النتيجة (278) نعم و (424) صوتاً لا. وامتنع (47)؟

3- ما العقوبة التي يجب إنزالها بلويس؟ فكانت النتيجة (387) صوتاً لعقوبة الإعدام و (334) ضدها وامتنع (26).

4- هل ستقرن عقوبة الإعدام بوقف التنفيذ أم لا؟ فكانت النتيجة (387) صوتاً ضد وقف التنفيذ، ومع التنفيذ الفوري، من أصل (749) صوتاً.

ولمّا صدر الحكم بالإعدام، طلب الملك إليهم (3) أيام ليحضّر نفسه للموت، وطلب وعداً بإخراج الملكة وأولادها إلى خارج فرنسا، وطلب أن يرى عائلته قبل تنفيذ حكم الإعدام، وأن يحضر أحد رجال الدين يختاره هو، ليعترف أمامه، فرفُض الطلبان الأول والثاني، وتمت الإستجابة إلى الطلب الثالث والرابع.

وبعد إتمام الشرطين الثالث والرابع، تم تنفيذ حكم الإعدام، بالملك لويس السادس عشر بالمقصلة، عند الساعة 10 و 15 دقيقة، من صباح 16 كانون الثاني 1793، حيث أبدى شجاعة فائقة.

الفقرة الرابعة عشرة: شجاعة الملك لويس السادس عشر في مواجهة المقصلة يرويها شارل هنري سانسون كبير الجلاّدين في باريس

بتاريخ 9/4/2006، نشرت جريدة النهار الغرّاء، رواية لجلاّد الملك لويس السادس عشر، شارل هنري سانسون، تحت عنوان: «الملك مات مرفوع الرأس» حيث نقرأ:

«مات ملك فرنسا لويس السادس عشر، مرفوع الهامة، هكذا تقول رواية جلاده، التي كتبت لتصحيح ما روي عن إنهيار أعصاب الملك، عندما واجه الجماهير الثائرة، والمقصلة في كانون الثاني 1793.

«وسيطرح الخطاب الأصلي لشارل هنري سانسون، كبير جلادي باريس، في الحقبة المرعبة للثورة الفرنسية، للبيع في قاعة مزادات كريستي في لندن، في السابع من حزيران 2006، بسعر يصل إلى //120// ألف جنيه استرليني //210,000//دولار أميركي.

«ووصف سانسون تفصيلاً سلوك الملك الذي أُعدمت زوجته النمساوية ماري أنطوانيت، بعده بتسعة أشهر، والتي اشتهرت بقولها: إن على الفلاحين الجائعين، أن يأكلوا الكعك عندما ينفذ ما لديهم من خبز.

«ويروي سانسون، الذي أشرف على إعدام //2900//شخصاً بين العام 1778 والعام 1793، حيث تقاعد، كيف كان لويس السادس عشر عند إعدامه يرفض في البداية خلع معطفه، لأسباب تتعلّق باللياقة، لكنه عاد وخلعه بنفسه.

«كما إنه لم يرغب بوضع الوثاق في يديه... لكنه أُقنع بذلك فاستجاب.

«وكتب سانسون في صحيفة «Thermomètre du Jour»الثورية: إحقاقاً للحق، قاوم الملك كل ذلك بهدوء وثبات أذهلانا عميقاً.

«ما زلتُ مقتنعاً، بأنه جاء بكل هذا الثبات، من المبادئ الدينية، التي لم يظهر أن أي شخص آخر متأثر ومقتنع بها بعمق مثله.

«وتتناقض هذه الرواية، مع رواية أخرى شاعت وقت ذاك، مفادها أن الملك أجبر على إعتلاء المقصلة تحت تهديد السلاح وهو يصرخ: «لقد ضعت... لقد ضعت».

ويقول سانسون:

«إنه في اللحظات التي سبقت الإعدام، إلتفت لويس إلى الجماهير وقال: أيها الناس أنا بريء... ثم تحوّل إلى جلاديه قائلا: أيها السادة إني بريء من كل الإتهامات التي وجهت إليّ... أتمنى أن يرسّخ دمي سعادة الفرنسيين».

ووقع سانسون الخطاب المؤرّخ في باربس 20 شباط 1793، العام الأول من الجمهورية، بهذه الكلمات: «يمكنكم أن تتأكدوا أيها المواطنون، أن هذه هي الحقيقة في أعظم أيامها».

المحامي د. منيف حمدان