ناجي س. البستاني

في الوقت الذي كان فيه «تيّار المستقبل» غارقًا بمُشاكله المُستجدّة مع «التيّار الوطني الحُرّ»، مع ما أثاره هذا الأمر من مُزايدات ومن مُماحكات داخل «التيّار الأزرق» نفسه ومع «الجالسين على رصيف بيت الوسط» بحسب ما جاء في إعلام «المُستقبل»، تفجّر خلاف جديد بين «المُستقبل» و«الحزب التقدمي الإشتراكي» هذه المرّة، وتظهّر إلى الإعلام بشكل واسع مع كتابة رئيس «الحزب التقدمي الإشتراكي» وليد جنبلاط على «تويتر»: «كم هزيلة تلك الايام التي وصلنا اليها حيث يصبح محافظ جبل لبنان موظف صغير عند تيار سياسي تائه ومتخبط في خياراته العامة، لكن مصرّ في محاربة الحزب الاشتراكي في اقليم الخروب بأي ثمن متجاهلا التاريخ النضالي للجبل والاقليم .رحم الله رجالات الامس امثال غالب الترك وسميح الصلح»، قبل أن يأتي الردّ على لسان أمين عام «تيّار المُستقبل» أحمد الحريري الذي قال: «هيدا الحكي مش إلك يا بيك، يلّي بيناتنا أكبر بكتير من مجلس بلدي، إذا شايف غير شي خبّرنا».

وما لبث ان رد امين السر العام في الحزب «التقدمي» ظافر ناصر على تغريدة الحريري بالقول: «لانو اللي بيناتنا اكبر بكتير مشا لابن رفيق الحريري تهديد الناس بارزاقن كرمال بلدية. صوّب المسار كرمال إللي بيناتنا».

وعاد احمد الحريري ورد على ناصر بالقول: «كلامك او كلام معلمك يا «رفيق» ظافر مش مقبول... سعد الحريري ما بيقطع ارزاق... ابن رفيق الحريري بنى ارزاقا ودفع من لحمو الحي وانتو اول العارفين... يا عيب الشوم».

وتوسع السجال ليشمل النائب بلال عبد الله عبر حسابه على «تويتر» أيضًا (قبل أن يعود ويسحبها): غير مَشكور وغير محمود تدخّلك دولة الرئيس سعد الحريري في شحيم، مُعطلاً لاتفاق التناوب في بلدتها، مُستخدمًا أسلوب الضغط على أرزاق الأعضاء في لقمة عيشهم، من أجل إلحاقهم بمئات ضحايا سعودي - أوجيه. أخلاقنا وقيمنا وعاداتنا تستهجن إنجرارك لهذا الموقع. مش محرزة دولتك. عندك أمور أهم بعتقد». وقد جاءه الردّ على لسان النائب محمد الحجّار الذي قال: لا أنت ولا غيرك «مهما علا شأنه، يحقّ له التطاول على رئيس حُكومة لبنان» ودعاه إلى إزالة تعليقه «كي لا تضطرّنا إلى أن نفتح الأوراق التي يعرفها الجميع». فما الذي يحصل؟

بحسب أوساط سياسيّة من «الجبل» إنّ جُذور الخلاف الحالي في شحيم تعود إلى مرحلة الإنتخابات النيابيّة، حيث كان «تيّار المُستقبل» يرغب في الحُصول على النائبين السنيّين في دائرة جبل لبنان الرابعة (عاليه - الشوف) التي تضمّ 13 مقعدًا (5 موارنة، 4 دروز، 2 سنة، 1 روم أرثوذكس و1 روم كاثوليك)، علمًا أنّ عدد الناخبين السنة بلغ 62154 ناخبًا بحسب إحصاءات العام 2018، أي 18,8 % من إجمالي عدد الناخبين في هذه الدائرة، لكنّ «الحزب التقدمي الإشتراكي» قطع عليه الطريق. وأوضحت الأوساط أنّ «الإشتراكي» أصرّ على الإحتفاظ بواحد من المقعدين السنيّين من حصّته، وذهب بعيدًا في ترشيحه النائب الحالي بلال عبد الله من بلدة شحيم، مسقط رأس النائب الحالي محمد الحجّار المحسوب على «المُستقبل»، مُتخليًا عن النائب السابق علاء الدين ترّو من بلدة برجا، الأمر الذي أغضب أهالي هذه البلدة السنيّة الرئيسة في إقليم الخروب، ومنح بلدة شحيم السنيّة الرئيسة أيضًا في الإقليم نائبين إثنين، وجعل المُنافسة فيها حامية بين «المُستقبل» و»الإشتراكي» على «الصوت التفضيلي».

ولفتت الأوساط السياسيّة نفسها إلى أنّ الخلاف اليوم، والذي كان قد بدأ يتفاعل خلال الصيف الماضي، هو على منصب رئاسة بلدية شحيم والذي يشغله السفير السابق زيدان الصغير، وتحديدًا لجهة المُداورة في موقع الرئاسة، حيث يُصرّ «الحزب التقدمي الإشتراكي» ومعه «الجماعة الإسلاميّة» في إقليم الخرّوب، على أنّ الإتفاق الذي تمّ مع «تيّار المُستقبل» عشيّة الإنتخابات البلدية الأخيرة، قضى بأن تكون رئاسة بلديّة شحيم مُداورة، على أن يُمضي من يبدأ المرحلة الأولى من الرئاسة سنتين في سُدّة المسؤولية (إنتهت في الصيف الماضي)، ليليه رئيس لأربع سنوات، الأمر الذي ينفيه رئيس بلدية شحيم الحالي.

وكشفت الأوساط نفسها أنّه في الأيّام القليلة الماضية حاول أعضاء من بلديّة شحيم غير مُؤيّدين لرئيس البلدية الحالي المحسوب على «تيّار المُستقبل» على الرغم من إصراره بأنّه على مُسافة واحدة من كل القوى السياسيّة وحريص على منع إنقسام البلدية، طرح الثقة به، الأمر الذي إستنكره أعضاء البلديّة الآخرين المُويّدين للسفير السابق، زيدان الصغير، ووصفوه بالجريمة بحق شحيم وأهلها وكرامتها. وقد رفض المُدافعون عن رئيس البلدية الحالي سحب الثقة من الرئيس، خاصة بعد أن أثبتت تحقيقات «النيابة العامة المالية» عدم ضُلوعه في أي مخالفة من أي نوع، بعد البلبلة التي سادت أخيرًا في بعض بلديّات الإقليم، ومنها مثلاً سبلين والجيّة وكترمايا إضافة إلى شحيم، والتي أسفرت عن دُخول القضاء على الخطّ للتحقيق في إتهامات بهدر المال العام وبإستغلال السُلطة البلدية وكذلك بالقيام بصفقات في ملفّ مُعالجة النفايات وغيرها.

وتابعت الأوساط السياسيّة من «الجبل» أنّ تدخلات على أعلى المُستويات من جانب «تيّار المُستقبل» تمّت في الماضي القريب مع أعضاء من بلديّة شحيم، لحثّهم على عدم التوقيع على سحب الثقة من رئيس البلديّة، في ظلّ إتهامات للفريق الآخر بشلّ عمل البلديّة وبالسعي للسيطرة عليها، الأمر الذي أثار حفيظة «الإشتراكي» الذي رأى في هذه الإتصالات ضُغوطًا غير مقبولة على الإطلاق، ومُحاربة غير منطقيّة ولا مُبرّرة لنُفوذ «الحزب الإشتراكي» في الإقليم، إضافة إلى كونها تناقض إتفاقات سابقة بين الطرفين.

وختمت الأوساط نفسها أنّ بلديّة شحيم التي تُعاني من شلل في عملها منذ شهر حزيران من العام 2018 الماضي، والتي تعثّر إعداد مُوازنتها لعام 2019، هي الضحيّة الكُبرى للصراع القائم بين «المُستقبل» من جهة و«الإشتراكي» من جهة أخرى، والذي أخذ شكلاً بلديًا محدودًا في الظاهر، لكنّه يرتبط بصراع بخلفيّة مصالح إنتخابيّة في المضمون، وحتى بتباعد في الرؤى السياسيّة وفي التكتيكات السياسيّة. وسألت الأوساط: «هل ستنجح الإتصالات التي لا بُدّ من حُصولها بين المُستقبل والإشتراكي في لجم التدهور الحالي، أم أنّ بلدية شحيم ستكون بمثابة النقطة التي أفاضت كوب الخلافات المُتزايدة بين الطرفين في المرحلة الأخيرة؟».