على لبنان تشكيل فريق عمل جدّي كبير من الوزارات المعنية للقيام بمفاوضات تثبيت الترسيم

دوللي بشعلاني

تتحضّر الإدارة الأميركية لإعلان «صفقة القرن» بهدف توسيع «دولة إسرائيل» على حساب دول المنطقة، فيما تسعى مع المسؤولين اللبنانيين لتثبيت ترسيم الحدود البريّة مع لبنان (المرسّمة أساساً)، وتحديداً البحرية منها لتُعطي الطمأنينة أولاً للعدو الإسرائيلي لكي يُتابع أعماله في التنقيب عن النفط والغاز واستخراجهما من المنطقة الإقتصادية الخالصة بكلّ هدوء. فهل سيكون لبنان رابحاً في مفاوضات تثبيت حدوده مع العدو الإسرائيلي، وماذا عليه أن يفعل لاستعادة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقسم الشمالي من بلدة الغجر التي لا تزال محتلّة من قبل القوّات الإسرائيلية؟!

السفير بسّام نعماني المتابع لملف الحدود بين لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلّة وسوريا، أشار الى أنّه بعد أن أنهى مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد المحادثات السياسية مع المسؤولين اللبنانيين و«الإسرائيليين» بهدف الإتفاق على استئناف مفاوضات تثبيت الترسيم «غير المباشرة»، فإنّ التفاوض يجب أن يتمّ من الآن وصاعداً، مع فريق عمل متخصّص بالترسيم سيما وأنّ لبنان يقوم بالمفاوضة على حقّه نتيجة خطأ حصل منذ 11 عاماً، عندما قدّمت وزارة النقل آنذاك خريطة خاطئة. وأوضح أنّ الخطأ الذي ارتكبه لبنان جعل «إسرائيل» تستولي على المنطقة البحرية من دون وجه حقّ، وهي مسؤولية مشتركة من أطراف متعدّدة، وأنّ مشكلتنا في لبنان هي في أنّ كلّ طرف يُريد أن يُفاوض بمفرده مع الأميركيين من دون حصول التعاون بين وزارات النقل والخارجية والدفاع والعدل. فهذه الأخيرة يجب أن تجتمع وتُنسّق فيما بينها قبل إرسال الخرائط الى الأمم المتحدة، ومن المؤكّد أنّ هذا التنسيق لم يحصل في العام 2008، ولهذا حصل الخطأ المعروف في الخرائط.

وعن اللغط الحاصل حول مزارع شبعا، أكانت لبنانية أم غير لبنانية، وأين هي الوثائق التي تُثبت لبنانيتها ولماذا لا يتمّ تقديمها الى الأمم المتحدة لحسم الجدل بشأنها، يؤكّد أنّ المزارع لبنانية سيما وأنّها امتداد جغرافي طبيعي لأراضي الجمهورية اللبنانية، وهذا الأمر واضح جدّاً على الخريطة. هناك شبعا وخط الحدود القديم وفي الوسط وادي العسل، والمرور من شبعا الى المزارع يمتد نحو 2 الى 3 كيلومتر في الوادي ومن ثمّ ننحدر نحو المزارع. وبناء عليه، فإنّ السوريين في مجدل شمس ومسعدة لكي يصلوا الى مزارع شبعا عليهم النزول من هضبة الجولان ثمّ الى بانياس ويقطعوا من 2 الى 3 كيلومتراً، من ثمّ يصعدوا الى مزارع شبعا، موضحاً بأنّه في الأساس لم يكن السوريون موجودين في المزارع وسهل حاصبيا الذي هو امتداد طبيعي لوادي العسل الذي هو مزارع شبعا.

ويكشف السفير النعماني بأنّ الفرنسيين عندما رسموا الحدود كانوا ينوون في الخرائط القديمة أن تمتد الحدود اللبنانية من جيل الشيخ الى بانياس، ما يعني أن تكون المنطقة بكاملها للبنان، لكّنهم بدّلوا رأيهم في الثلاثينات، فخسّروا لبنان نحو 30 كيلومتراً مربعاً. وهذا سؤال مهم لا نجد جواباً عليه حتى اليوم، لماذا غيّروا الحدود، هل لأسباب استراتيجية أم لأنّهم أرادوا وضع بلدة الغجر مع سوريا وترك ممر صغير للوصول الى هذه البلدة؟ ولكن المهم أنّ أهالي شبعا اعترضوا منذ البدء على أن يكون ترسيم الحدود بهذه الطريقة، أي منذ العام 1936 وحتى يومنا هذا وهم يطلبون تصحيح وتعديل الحدود لضمّ مزارع شبعا ضمن الأراضي اللبنانية، ما يعني أنّهم لم يتلكأوا. وكذلك الأمر، فالحكومة اللبنانية طلبت في فترات عدّة من الحكومة السورية تعديل الحدود، وفعلاً وضعت إتفاقية فيما بينهما في العام 1946 تتضمّن خريطة ضمّت مزارع شبعا للحدود اللبنانية (خريطة مرفقة رقم 1).

وفي رأي السفير، إنّ المشكلة القائمة اليوم هي كيفية تحديد منطقة مزارع شبعا، وأين الحدّ الشرقي لها. ولهذا على الحكومة اللبنانية مطالبة «إسرائيل» الإنسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلّة، ولكن السؤال هنا: الى أي خطّ، الى وادي العسل أم الى القمم الموجودة الى الشرق من وادي العسل؟! لهذا علينا الإتفاق مع السوريين أولاً على خط الإنسحاب «الإسرائيلي» الذي هو خط الحدود، وهذا ما ينقصنا. علماً أنّ لبنان، على ما عقّب السفير، قد مارس سيادته على مزارع شبعا واقعياً، وحاولت الحكومات اللبنانية المتعاقبة «تشريع» هذه السيادة قانونياً عن طريق تعديل الحدود على الخرائط أي على الورق.

أمّا «إسرائيل» فلا يبدو أنّها جاهزة للإنسحاب حالياً حتى ولو تمّ الإتفاق مع سوريا على خطّ الإنسحاب، على ما أضاف، فهي لم تنسحب من طابا بسهولة ولا من المستعمرات «الإسرائيلية» في سيناء ولا من وادي عربة في الأردن بسهولة، ولا من لبنان بسهولة إلاّ عن طريق المقاومة المسلّحة، كما رفضت الإنسحاب من الجولان واليوم ضمّته لها. لهذا فلا ننتظر أن تنسحب «القوّات الإسرائيلية» بكل بساطة من مزارع شبعا، إلاّ من خلال المقاومة أو من خلال تبليغها من قبل الأمم المتحدة والأمين العام بأنّ مزارع شبعا هي أراضٍ لبنانية محدّدة بهذه المنطقة، ومن هذا الكيلومتر الى ذاك وتطبيقاً للقرار 425 الذي يقضي بانسحاب إسرائيل بدون قيد أو شرط من الأراضي اللبنانية المحتلّة، عليها الانسحاب منها من دون مفاوضات.

وعن تلازم مساري الحدود البحرية والبريّة أو عدمه، لفت السفير النعماني الى أنّه من الأفضل، بحسب رأيه، السير في المفاوضات بكلّ مسار بمفرده، وعدم الخلط فيما بينها، خصوصاً وأنّ الحدود البريّة لوحدها منقسمة الى ثلاثة مسارات هي:

1- الخط الأزرق: فمنذ العام 2000 وحتى الآن ونحن نتفاوض في اللجنة العسكرية المشتركة على تحفّظات لبنان على هذا الخط، وتحديداً على نحو 20 كيلومتراً مربعاً فقط. فالحدود الدولية رسمتها إتفاقية «نيو كومبوليه» في العام 1923، ومنذ ذلك الوقت حتى اليوم حصلت تغييرات طوبوغرافية على الأرض، فثمّة معالم جغرافية تغيّرت وطرق شُقّت، لهذا لم يعد بالمستطاع ترسيم الحدود تماماً، مئة في المئة على ما نصّت عليه الإتفاقية المذكورة. وهذا هو سبب التحفّظات اللبنانية والتشدّد في ترسيم الحدود بموجب الخريطة التي رسمتها الإتفاقية، فيما يُحاول الإسرائيليون قضم وأخذ مواقع استراتيجية وتلال مهمّة ولا يريدون الإنسحاب منها.

2- مزارع شبعا. في العام 2000 قدّم لبنان ملفّاً جيّداً للأمين العام للأمم المتحدة يحوي مستندات ووثائق تُثبت لبنانية مزارع شبعا. لكنّنا قدّمنا خريطتين (خريطة مرجعيون - واحد على مئة ألف)، وخريطة العام 1946 بالأبيض والأسود غير الواضحة تماماً والتي رُسمت بخطّ اليد وهي طريقة غير مشروعة، وهذا هو الخطأ الذي وقعنا فيه وتمّ إمساك هذا الخطأ على لبنان، وجعل الأمين العام يُرسل رسالة الى الحكومة اللبنانية يقول فيها إنّ لديه خريطة معاكسة للتي جرى إرفاقها بالملف والتي ضمّت مزارع شبعا الى الحدود اللبنانية. الأمر الذي أضعف موقف لبنان، ولهذا أعادت مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني رسمها على خرائط حديثة، والتي تُظهر خط الحدود المعدّل المقترح من قبل القاضيين الخطيب (عن سوريا) والغزّاوي (عن لبنان) وتمّ رفعها الى الحكومتين اللبنانية والسورية، وتلحظ مزارع شبعا داخل الأراضي اللبنانية. أمّا لماذا لم يُنفّذ هذا القرار، فقد يكون لأنّ المنطقة بأكملها أصبحت منطقة عمليات حربية لا سيما مع «إسرائيل» حيث دارت فيها المعارك في حرب العام 1948. ولهذا تمّ تأجيل هذا الموضوع، ولم يحصل عليه أي تعديل. فيما كان مطلوب من الحكومة اللبنانية آنذاك إبراز الخريطة الفرنسية التي تستند اليها الخرائط اللبنانية مع تعديل الحدود بموجب الإتفاق اللبناني- السوري، كما حصل على الخريطة المعدّلة بينهما.

وهنا علينا ألاّ ننسى أنّ مزارع شبعا وبلدة شبعا والمنطقة الجنوبية بكاملها كانت محتلّة من قبل العدو الإسرائيلي، ولم ينسحب منها سوى في العام 2000، فيما بدأت بالدخول الى الجنوب اللبناني عام 1972، ما يعني أنّنا نتكلّم عن 40 سنة تقريباً كان خلالها «الإسرائيليون» موجودون على الأرض، وهذا ما سمح لأهالي شبعا بالذهاب الى المزارع والإستثمار فيها وزرعها الخ.. والمشكلة ظهرت الى العلن عندما نفّذت «إسرائيل» الإنسحاب في العام المذكور. وفي العام 2008 أثير موضوع مزارع شبعا مرّة ثانية مع الأمين العام للأمم المتحدة، ورفعت الحكومة اللبنانية عندها تقريراً جديداً متكاملاً له مرفقاً بالخرائط. غير أنّ الأمم المتحدة تسلّمت التقرير فيما بقيت الخرائط التي تُظهر لبنانية مزارع شبعا في بيروت، وهنا وقع لبنان في خطأ ثانٍ، بدلاً من تقديمها واسترجاع لبنان لحقّه. ولعلّ السبب هو عدم وجود موقف لبناني موحّد، وهذا ما هو مطلوب اليوم من الحكومة الحالية خلال مفاوضاتها مع ساترفيلد، أي اتخاذ الموقف السياسي الموحّد، وترك الأمور الفنية والتقنية للخبراء، وإلاّ فإنّ احتمال الخطأ وارد مجدّداً.

3- الحدود الشرقية والشمالية مع سوريا، والتي من الصعب البحث فيها في الوقت الحالي، سيما وأنّ الوضع في سوريا معروف ولا يسمح بالتفاوض حولها.

هذا فضلاً عن مسار الحدود البحرية. ولهذا فمن الأفضل أن يكون هناك فريق عمل جدّي كبير مكوّن من الوزارات والإدارات المعنية يتناول المسارات المتعلّقة بالخط الأزرق ومزارع شبعا، والحدود البحرية. على أن يضمّ هذا الفريق خبراء من وزارة النقل لتحديد الحدود البحرية، ومن وزارات الداخلية والبلديات (حدود البلديات) والدفاع (الجيش اللبناني)، والخارجية المولجة بالإتفاقات الدولية، والعدل كونها معنية بالقانون الدولي للبحار الذي يحكم ترسيم الخط البحري. فضلاً عن إشراك لجنة الشؤون الخارجية كونها معنية بإحالة القانون اليها. وعلى هذا الفريق متابعة المفاوضات الطويلة والمعقّدة التي ستستمرّ لسنوات وتتناول المواضيع الثلاثة الأساسية المذكورة والتي بالإمكان إيجاد الحلول لها في المرحلة الحالية.

وعن سبب مطالبته بفصل المسارات أوضح النعماني أنّ الربط فيما بينها يجعل أي تأخّر أو تخلّف أو فشل في أحدها يوقف المسارين الآخرين. لهذا فإنّ أسهل مسار ممكن حالياً هو الإتفاق على الحدود البحرية، خصوصاً وأنّه ليس من أرض ولا من أناس يعيشون عليها، إنّما خريطة سوف تُرسم في البحر. علماً أنّ العدو الإسرائيلي لن يتخلّى بسهولة عن الخطأ الذي ارتكبه لبنان في المنطقة البحرية.

كلام الخرائط الخاصّة:

1- خريطة (الغزّاوي والخطيب) للإتفاقية بين لبنان وسوريا في العام 1946 تُظهر مزارع شبعا ضمن الحدود اللبنانية.

2- خريطة تُظهر الحدود الجديدة (بالخط الأحمر) من عين التنهور حتى مغر شبعا القريبة جدّاً من بانياس. كما مزارع شبعا (فشكول وخلّة الغزالة).