نبيه البرجي

اذ نستشعر كلنا أن الجمهورية تلفظ أنفاسها الأخيرة، وأن نجوم الطبقة السياسية اضطلعوا، على نحو فذ، بدور حفاري القبور. واذ نستشعر أننا في مهب الرياح، ولعلها الرياح الصفراء الآتية من نهايات العالم، نزداد يقيناً بأن مشكلة المنطقة ليست في كونها تقع (وهذا هو قدرها) على خط الزلازل، وانما في كونها، بقضها وقضيضها، تحت خط الزمن.

وديعة القرون الوسطى. هكذا وصفها برنارد لويس، وهكذا تتصرف الادارات المتعاقبة منذ أيام جون فوستر دالاس، لا من أيام هنري كيسنجر، ولا من أيام كوندوليزا رايس. حتى ولا من أيام جون بولتون.

الاسلام، بعبقرية العدالة وبعبقرية الأفق، يبدو وكأنه أفلت من يدي الله. طوابير الفقهاء، بالتأويل الميكانيكي أو بالتأويل الدموي للنص، حولوا الرعايا الى مواطني شرف داخل الحلقة المفقودة التي توقفت عندها نظرية تشارلز داروين حول النشوء والارتقاء.

كنا قد استعدنا قول دانتي في «الكوميديا الالهية» «في الجحيم، رايت أناساً لا يعيشون ولا يموتون». حدقوا في المشهد. القول ينطبق، كلياً، على العرب. أناس لا يعيشون ولا يموتون. متى كان ولاء العرب للعرب؟ متى كان ولاء العرب... للحياة؟

ظرفاء جداً مهراجات تلك الثلة من السياسيين الذي يلتقون عند كل طارئء، بالتكشيرة اياها، وبالريموت كونترول اياه، للدفاع عن الصلاحيات (في دولة اللاصلاحيات واللااصلاحات). ناهيك عن الدفاع عن عروبة لبنان، كما لو أن العروبة لم تعد القهرمانة على باب البيت الأبيض أو عند حائط المبكى.

الايرانيون، مهما علا صراخهم، يتأرجحون بين لوثة الايديولوجيا ولوثة التاريخ. الأتراك مهما حفروا في الجدران لا يمكن لهم أن يتعدوا دورهم. الحصان الخشبي في حضرة الكاوبوي.

متى لم يكن سلاطين جمهورية أتاتورك الدمى الأميركية، وتحاول أن تبدو وكأنها ترقص (على هواها) حيناً في الزاوية العثمانية وحيناً في الزاوية السلجوقية؟

لبنان يفترض أن يكون الأيقونة. الناس الذين اتقنوا التفاعل مع الحداثة. الناس الذين دحروا البربريات المصنعة في الأقبية. وحدهم اللبنانيون جعلوا الفولاذ يبكي في وادي الحجير. عاموس أوز كتب عن صرخة راحيل التي «عادت مطأطئة الرأس الى قبر راحيل».

لا ننفي ما قدمته سوريا، وما قدمته ايران، وهو ما يستحق الثناء الكبير، لكن الانسان يبقى، كما في الحالة الفيتنامية وفي الحالة الجزائرية، هو المعجزة. الذي يتوهج في التراب، ويتوهج فيه التراب.

الجمهورية تلفظ أنفاسها الأخيرة. ثم تجد من هو عاجز عن اعداد موازنة أقرب ما تكون الى الكوميديا السوداء. ثم تجد من استيقظ فجأة على لعبة الصلاحيات. كل حجارة الهيكل تتصدع. الى أين يأخذنا أساقفة اللامعنى، أساقفة الخراب؟

تعليقاً على كلام السيد حسن نصرالله حول انفجار المنطقة بأسرها اذا ما شن الأميركيون، وحلفاؤهم، الحرب ضد ايران. نعود الى التشديد بأن الذي يجمعنا مع ايران موقفها من اسرائيل، ومؤازرتها لنا في ألاّ نكون الحلقة الضعيفة، الحلقة الزجاجية، في أي صفقة أو في أي سيناريو يجري اعداده داخل اللوبي اليهودي بالتداعيات التي تضرب لبنان، وتضرب سوريا، وتضرب الأردن.

بالدرجة الأولى تضرب ذاكرة النار، وذاكرة التراب، لدى الفلسطينيين.

اذا سقط نظام آيات الله، وهو لا يمكن أن يسقط في أي حرب تقليدية، لا بد أن ترتد قبائل ياجوج وماجوج على «حزب الله». تفكيك القوة العسكرية التي لولاها لكانت رايات أبي بكر البغدادي ترفرف في الداون تاون. التي لولاها لما ارتحلت الأقدام الهمجية من الجنوب.

آرييل شارون لم يكن ليريد بناء الهيكل بخشب الأرز وانما بعظام اللبنانيين. كتب هذا بيني موريس قبل أن يدّعي أن الرؤيا انتقلت به من الضلال (في اطار المؤرخين الجدد) الى ملكوت يهوه.

لماذا الاختباء، دوماً، وراء ورقة التوت. اذ لا نزال على قناعتنا بأن لبنان لا يمكن أن يكون ايرانياً، بذلك النموذج التيوقراطي، وبذلك المسار الثقافي الآخر، ألا تظهر الوقائع أن «الغول الايراني» اختراع أميركي ليس فقط لاستنزاف ما تبقى من الثروات، ومن الأرصدة، العربية، وانما أيضاً من أجل تسليم مفاتيح الشرق الأوسط الى بنيامين نتنياهو، أو الى أي حاخام آخر لا يرى فينا أكثر من بقايا قبلية رثة.

ثمة مرجعيات عربية ماضية، بكل امكاناتها السياسية، والمالية، الاعلامية، نحو صفقة القرن التي انقلب عليها حتى الاسرائيليون. وثمة جهات لبنانية لا تستطيع الا أن ترتبط، لأسباب شتى، بتلك المرجعيات، وهي التي تعي ماهية النتائج الكارثية لصفقة لا بد أن تحدث تغييرات دراماتيكية في الصيغة اللبنانية. ربما أيضاً، في الخارطة اللبنانية.

على هذا الأساس، ينبغي للأزمة السورية أن تبقى عالقة أو معلقة في الهواء. ينبغي للحالة العراقية أن تزداد تصدعاً وقابلية للانفجار. لبنان أيضاً. الجمهورية في أزمة كبرى. لبنان لبنانان. شئنا أم أبينا نحن في مرحلة انتقالية. شئنا أم أبينا نحن في الثلاجة التي قد تكون، اذا ما بقي التدهور على حاله، الوجه الآخر للمقبرة.

في المطابخ الكبرى، لا حل للأزمة الا بجراحة سياسية، وبجراحة دستورية. ماذا عن الجراحة الديموغرافية التي باتت تفاصيلها لدى مرجعيات لبنانية تتحدث عن «أهوال تنتظرنا»؟

سواء شقت الصفقة طريقها أم تعثرت. لبنان في حضرة الحائط. لا تسوية داخلية في ظل طبقة سياسية لطالما افتقدت الرؤية (والرؤيا). ما الحل؟

ادارة الستاتيكو، وان بأصابع حفاري القبور...