بروفسور جاسم عجاقة

تجتمع اليوم لجنة المال والموازنة بهدف مناقشة فذلكة مشروع موازنة العام 2019. وبحسب التوقعات، سيتمّ إقرار قانون الفذلكة في جلّسة اليوم بحكم أن كل القوى السياسية مُجمعة على ما تحويه، وأن رفض الفذلكة يعني نقض مشروع الموازنة بالكامل، وهو أمر مُستبعد نظرا للضغط العالمي والمحلّي. على هذا الصعيد، ازدادت الضغوطات العالمية التي برزت أولى معالمها من وكالتي التصنيف «ستاندرد أند بورز» و«فيتش» اللتين شككتا في قدرة الدوّلة اللبنانية على تحقيق العجز المُتوقّع. وإذا كانت مناقشة بنود الموازنة ستبدأ بعد عطلة عيد الفطر حيث من المُتوقّع أن يكون هناك تحصين للإيرادات بدون صعوبات كبيرة، يبرز إلى العلن ملامح اتفاق سياسي على تخطي مُشكلة قطع الحساب.

فذلكة الموازنة والخلافات السياسية حول استخدام مُصطلح «فذلكة الموازنة» وإذا ما كان يُمكن اعتبارها «أسبابًا موجبة» وبالتالي تستوجب موافقة مجلس الوزراء أو «تقرير» لا يستوجب الموافقة عليه من قبل مجلس الوزراء. وقدّ نصّت المادّة 18 من قانون المحاسبة العمومية على أن يُقدّم وزير المال إلى السلطة التشريعية تقريرًا مفصّلا عن الحالة الاقتصادية والمالية في البلاد وعن المبادئ التي اعتمدتها الحكومة في مشروع الموازنة.

وبالتالي يُمكن القول إن فذلكة الموازنة هي عبارة عن تقرير يُقدّمه وزير المال (من صلب صلاحياته) يحوي واقع الأوضاع الاقتصادية من مؤشرات اقتصادية ومالية كما ومبادئ اعتمدتها الحكومة في تحضير مشروع الموازنة. وبما أن المادّة لا تُحدّد المُحتوى بدقة، يُمكن للوزير أن يطرح فيه عددًا من المقاربات والتوقعات المُستقبلية التي تصبّ في اتجاه دعم الخيارات المأخوذة في مشروع الموازنة.

محتوى فذلكة مشروع موازنة العام 2019 ما زال طيّ الكتمان (حتى تاريخ كتابة هذا النص)، إلا أن الخطوط العريضة له أصبحت معروفة ومنها مؤشرات اقتصادية ومالية (نسبة العجز إلى إجمالي النفقات، نسبة الواردات إلى الناتج المحلي، نسبة النفقات الإجمالية إلى الناتج المحلي، الناتج المحلي، نسبة العجز إلى الناتج المحلي...)، لائحة بالإعتبارات التي استندت عليها الحكومة في تحضير مشروع موازنة العام 2019، إضافة إلى وصف للتحوّلات الاقتصادية والمالية التي تنوي الحكومة القيام بها لخفض عجز الموازنة، لجم الدين العام، خفض حجم القطاع العام، تحفيز النمو الاقتصادي وبعض الإجراءات التي سيتمّ أخذها في المستقبل (موازنة العام 2020).

مشروع الموازنة والإطار القانوني

تبدأ لجنة المال والموازنة دراسة بنود مشروع موازنة العام 2019 بعد عطلة عيد الفطر حيث من المُتوقّع أن تكون اجتماعاتها مُكثّفة لدراسة كل بند من بنود الموازنة على حدى.

الواقع الحالي يُشير إلى وجود ثلاثة اصطفافات في المجلس النيابي حيال موضوع الموازنة:

الاصطفاف الأول يميل إلى القبول بمشروع الموازنة كما هو، الثاني يميل إلى تعديل بعض المواد بحسب مصالحها السياسية، والثالث يرفض كليًا مشروع الموازنة.

المادّة 20 من قانون المحاسبة العمومية نصّت على تقسيم نفقات الموازنة إلى جزءين: الأول ويحتوي على النفقات العادية، والثاني ويحتوي على نفقات التجهيز والإنشاء ومساهمات الدولة الإنمائية. وتنصّ المادّة 19 على أنه «لا يجوز إدخال أي زيادة على مشروع الموازنة، أو مشاريع الاعتمادات الإضافية، خلال مناقشتها في اللجنة النيابية المختصة وفي مجلس النواب، إلا بعد أخذ رأي وزارة المالية الخطي وموافقة مجلس الوزراء».

وبالتالي، وبفرضية فصل السياسة عن موضوع الموازنة، يحقّ للجنة المال والموازنة والهيئة العامة خفض النفقات ورفع الإيرادات فقط، إلا إذا كان هناك اتفاق بين المجلس النيابي والحكومة على استيعاب بعض البنود التي تُبرز معارضة شديدة في الشارع. وفي هذه الحالة قد تتمّ الاستعاضة عن هذه البنود ببنود أخرى تقترحها اللجنة وتفرض موافقة خطّية من قبل الحكومة عملا بالمادّة 19 من قانون المحاسبة العمومية.

ومن الأمور التي ستنكّب على دراستها لجنة المال والموازنة احترام المبادئ المنصوص عليها في القوانين وهي: مبدأ سنوية الموازنة، مبدأ وحدة الموازنة، مبدأ شمول الموازنة، ومبدأ الشيوع في الموازنة. الجدير ذكره أن الطعن في قانون الموازنة للعام 2018 والذي أدّى إلى إبطال 7 مواد من هذا القانون، شمل مخالفة مبدأ سنوية الموازنة.

 فرسان الموازنة والضغط الدولي

يُقسّم مشروع الموازنة إلى عدّة فصول على النحو الآتي : مواد الموازنة (الفصل الأول)، قوانين البرامج وتعديلاتها (الفصل الثاني)، التعديلات الضريبية (الفصل الثالث)، ومواد متفرقة (الفصل الرابع). وقدّ عرّفت المادّة الثالثة في قانون المحاسبة العمومية الموازنة على أنها « صك تشريعي تقدر فيه نفقات الدولة ووارداتها عن سنة مقبلة، وتجاز بموجبه الجباية والإنفاق». وعلى هذا الأساس اعتبرت لجنة المال والموازنة في تقريرها النهائي عن مشروع قانون موازنة العام 2017 أن الفصل الأول من المشروع هو الوحيد المُتعلّق بالموازنة، أما الفصول الثلاثة الأخرى فهي تدخل في خانة فرسان الموازنة (Cavaliers Budgétaires) أو مواد قانونية ليس لها مكانها في قانون الموازنة. وفي القانون الفرنسي (المُستوحى منه القانون اللبناني)، يتمّ استبعاد هذه المواد بهدف تفادي تضخيم الموازنة وإطالة المناقشة في المجلس النيابي.

وقد صنفت المفكرة القانونية فرسان الموازنة ضمن ثلاث فئات: الأولى وتتعلّق بالإعفاء من الغرامات أو إلغاء الضرائب، والثانية تتعلّق برسوم البلديات والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وأشخاص آخرين من القانون العام من غير الدولة، والثالثة تتعلّق بمسائل تنظيمية وإجرائية لا صلة مباشرة لها بالموازنة العامة.

وكانت لجنة المال والموازنة قد اعتبرت في العام 2010 أن قانون الموازنة يجب أن يقتصر على «النصوص التي تحدد النفقات والواردات»، «إجازة الجباية»، «فتح الاعتمادات اللازمة للإنفاق»، «جداول توزيع الواردات على مختلف أنواع الإيرادات»، «جداول توزيع النفقات على مختلف تناسيب النفقات»، «النصوص المتعلقة حصراً بتنفيذ الموازنة»، و«إجازة نقل الاعتمادات المشتركة بين عدة وزارات».

وهنا يُطرح السؤال: هل ستعمد لجنة المال والموازنة إلى فصل هذه الفصول عن مشروع الموازنة أم ستكتفي بتكرار الملاحظة نفسها في تقريرها عن مشروع قانون الموازنة للعام 2019؟ في أغلب الاحتمالات سيتمّ لحظ هذا الأمر من دون أخذ أي إجراءات فعلية نظرًا إلى أن العجز المُتوقّع في مشروع قانون موازنة العام 2019 يستند بشقّ كبير الى هذه الفصول وبالتالي فإن الإطاحة بهذه البنود سيكون له مفعول سلبي على العجز حتى ولو تمّ إقرار فرسان الموازنة في مشاريع قوانين منفصلة.

في الواقع تُستخدم هذه الفرسان كهامش أمام الحكومات بهدف تفادي القيام بإصلاحات جدّية في الموازنة وفي بعض الأحيان هناك استخدام سياسي بحت لها حتى ولو كانت لها تداعيات مالية. وتتسلّح الحكومة الحالية في دفاعها عن هذه الفرسان بضغط المجتمع الدوّلي وتخطّي المُهل الدستورية والتأثير السلبي لعامل الوقت وكلها عوامل ستدفع (مع احتمال مرتفع) إلى إقرار الموازنة بصورتها الحالية مع بعض التعديلات الطفيفة، إلا إذا قرّرت لجنة المال والموازنة إضافة بعض الواردات (انظر إلى فقرة التعديلات أدناه).

 التعديلات المُحتملة

التعديلات التي قد تعمد لجنة المال والموازنة إلى القيام بها ستكون شبيهة بما سبق وقامت به في مشاريع الموازنات السابقة. ومن هذه التعديلات يُمكن ذكر:

أولا - التعديلات على مشروع قانون الموازنة والتي قد تتناول التعديلات على البرامج، الإجازة بالاقتراض (وضع سقف)، نقل الاعتمادات، تخصيص اعتمادات الفوائد، والإعفاءات الضريبية.

ثانيًا - التعديلات على اعتمادات مشروع الموازنة والتي قد تتناول تخفيض الاعتمادات الملحوظة لبعض النفقات، نقل اعتمادات من جزء إلى جزء آخر ضمن الإدارة الواحدة، نقل اعتمادات من إدارة إلى إدارة أخرى ضمن الوزارة الواحدة، نقل الاعتمادات من إدارة إلى إدارة أخرى في وزارتين مختلفتين، وتعديل قيمة الاعتمادات المخصصة.

ثالثًا - التعديلات على ورادات مشروع الموازنة. وهنا قد تعمد لجنة المال والموازنة إلى خطو خطوة لم تُقدم عليها الحكومة وهي الأملاك البحرية والنهرية وسكك الحديد. فالمعروف أن مُعظم إيرادات الموازنة هي إيرادات تقديرية باستثناء الضريبة على الفوائد على الحسابات المصرفية والتي تبقى الأدق على هذا الصعيد. ويأتي فرض بدل إشغال على هذه الأملاك (من دون تشريعها) ليُعطي دفعًا كبيرًا للموازنة خصوصًا أن نسبة عجز 7.59% هي نسبة شكّكت فيها وكالات التصنيف الإئتماني. وبالتالي، فإن إيرادات بدل إشغال الأملاك البحرية والنهرية وسكك الحديد قد تُشكّل فارقًا كبيرًا على هذا الصعيد، ألهمّ إلا إذا كان نفوذ أصحاب النفوذ أقوى من رغبة ممثلي الشعب.

 قطع الحساب والـ 16 مليار د. أ.

كنا قدّ أشرنا في مقال سابق نُشر في جريدة الديار (العدد 10804 تاريخ 30/5/2019) إلى أن الفارق التراكمي في عجز الموازنات منذ العام 1997 حتى العام 2017 بين ما هو وراد في حسابات وزارة المال وما قامت بإدخاله كعمليات تصحيحية هو 16.3 مليار دولار أميركي. هذا العجز الإضافي على حسابات الدوّلة تمّ استنتاجه من قطوعات الحساب التي قامت بها وزارة المال وأرسلتها إلى ديوان المحاسبة.

وفي بلد طبيعي، كان هذا الأمر ليُشكّل فضيحة من العيار الثقيل أدّت بدون أدنى شك إلى تحولات كبيرة على المشهد السياسي، لكن في بلد التسويات كلّ شيء مُمكن. والظاهر من التصريحات والتسريبات الإعلامية أن مُشكلة قطع الحساب قد تمّ حسمها من خلال تسوية (ولو آنية).

فبحسب المادة 118 من النظام الداخلي لمجلس النواب «يصدق المجلس اولا على قانون قطع الحساب، ثم على موازنة النفقات ثم قانون الموازنة». وقد تمّ تعطيل هذه المادّة في موازنتي العامين 2017 و2018 بحجّة عدم جهوزية قطوعات الحساب، إلا أنه وبما أن قطوعات الحساب أصبحت جاهزة الأن، كيف يُمكن تبرير إقرار الموازنة من دون إقرار قطع الحساب؟

الحجّة الرسمية الأن هي أن ديوان المحاسبة ليس بمقدوره اقرار كل قطوعات الحساب في فترة شهر، لذا سيتمّ اقرار قطع حساب العام 2017 بهدف إقراره مع الموازنة. وهنا يُطرح السؤال: كيف يُمكن إقرار قطع حساب لسنة 2017 دون قطوعات الحساب للسنين السابقة خصوصًا أن قطع الحساب هو تراكمي؟

هذا الأمر يُظهر أن عملية إقرار قطع الحساب ستكون عملية شكلية على مثال إقرار قطع حساب العام 2003 والذي شكّك وزير المال علي حسن خليل في مصداقيته ودقة المعلومات الواردة فيه.