نهاية «احزان» الموازنة غير مضمونة اليوم... واقرارها «لزوم ما لا يلزم»

كتب ـ ابراهيم ناصرالدين

في ظل شكوك «متعاظمة» حيال قدرة الحكومة على تسييل ارقام تراجع نسبة العجز على ارض الواقع، وعدم بقائها حبرا على ورق كما حصل عام 2018، لا ضمانات سياسية بان تنتهي مناقشة موازنة2019 في جلسة اليوم، فالاتصالات البعيدة عن الاضواء لم تصل الى نتائج حاسمة في ظل تمسك كل طرف بوجهة نظره حيال كيفية مقاربة المهل والمقترحات الجديدة التي لا يزال يرى فيها وزير الخارجية جبران باسيل بانها بنيوية وقادرة على تخفيض المزيد من العجز فيما لا يزال وزير المال علي حسن خليل عند رايه بان الموازنة انتهت في الجلسة 13والرسوم الجديدة على النرجيلة، والزجاج الداكن، والسلاح، كانت مرتجلة وهو غير موافق عليها، اما طرح المزيد من الاصلاحات فامر ممكن، ولكن خارج الموازنة الحالية، ولانها «انتهت» فهو اعطى اشارة الانطلاق للبدء بالاعداد لموازنة العام المقبل... وهكذا اذا استمر رئيس الحكومة سعد الحريري عند «استيائه» من المماطلة دون الاتجاه الى حسم الامور حتى لو كلف ذلك عرض الموازنة على التصويت، فان حرب المزايدات السياسية ستستمر، وتبقى النتائج مرهونة ليس بمسار النقاشات داخل جلسة اليوم، وانما باقتناع البعض بان «رسالة» «الامر لي» قد وصلت، وعندها «ستولد» الموازنة...

في غضون ذلك، ثمة ترقب داخلي وخارجي لكلمة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله يوم غد في عيد المقاومة والتحرير، في ظل ارتفاع منسوب التوتر في المنطقة على خلفية التهديدات الاميركية لايران، وثمة انتظار «لسقف» الخطاب السياسي الذي سيعتمده السيد في مقاربته للتطورات وخصوصا موقفه من دول الخليج التي تشجع واشنطن بالضغط على إيران اقتصادياً وعسكرياً والتي تهدد «بحريق» كبير يصعب احتواءه... ووفقا لاوساط سياسية مطلعة تكمن اهمية توقيت الخطاب بكونه على مسافة اسبوع واحد من قمتي مكة التي يشارك فيها لبنان ممثلا برئيس الحكومة سعد الحريري الذي لم يناقش حتى الان مع القوى السياسية الوازنة في الحكومة «السقف» اللبناني المفترض تبنيه في القمة..ووفقا للمعلومات تم ارجاء الاتصالات في هذا الملف الى مطلع الاسبوع المقبل ريثما تنتهي الحكومة «افتراضيا» من مناقشة الموازنة...

} «فصل الخطابين»...}

وبحسب تلك الاوساط، لم تكن كلمة السيد نصرالله هذا السبت محسومة، وكان الموقف متأرجح حيالها، وكان مقررا ان يلقي خطابا يجمع في مناسبتي التحرير ويوم القدس العالمي في 31 الجاري، لكن تزاحم الملفات وتشعبها صعب مهمة اعطاء كافة الملفات حقها، واتخذ القرار بالامس بفصل الخطابين، لكن الترقب يبقى سيد الموقف حيال تقسيم الملفات، واذا كانت فلسطين «وصفقة القرن» ستكون حاضرة حتما في خطاب يوم القدس، والاعلان عن موقف داعم للاجماع اللبناني التفاوضي في مسالة ترسيم الحدود البحرية والبرية مع كيان العدو دون التنازل عن اي حق من حقوق لبنان، سيحضر غدا في خطاب التحرير، فان الموقف حيال «نذر الحرب» في المنطقة والموقف من التصعيد الاميركي الخليجي يبقى متأرجحا ويصلح في الخطابين...

} محاولات «للتفاهم»...؟ }

ووفقا لتلك المصادر، تكمن اهمية «سقف» السيد نصرالله في هذا الملف وتوقيت طرحه بالغ الاهمية، لجهة سعي الرئاسة الاولى لبلورة موقف لبناني موحد من التطورات، يبقي لبنان بعيدا عن «الازمة» الراهنة، فيما تتحدث اوساط «بيت الوسط» عن ضرورة حصول تفاهم يعزز مفهوم «النأي بالنفس» الذي اقر في الحكومة اللبنانية، وفي هذا السياق يسعى رئيس الحكومة سعد الحريري الى محاولة الحصول على «تفاهمات» تبقي سقف المواقف اللبنانية الداخلية في حدودها الدنيا، مقابل تكرار تبنيه سياسة «النأي بالنفس»، مع التأكيد على وقوف لبنان مع امن واستقرار الدول العربية، وهو تحدث امام زواره عن عدم قدرته على تحمل خطاب عالي النبرة في بيروت بينما يشارك هو في القمة العربية في اليوم نفسه، وكان يراهن على الوقت لحصول تفاهمات الحد الادنى خلال الاسبوع المقبل... ولذلك ثمة رهان على تاجيل السيد لمقاربة هذا الملف في كلمته يوم غد، افساحا في المجال لمزيد من المشاورات، او تبني خطاب هادئ في الشكل والمضمون، لعدم اثارت «التشنجات»، «وحشر» الرئيس الحريري في «الزاوية» خصوصا ان توقيت المواقف ونوعيتها الان على درجة كبيرة من الاهمية «والخطورة» في ظل متابعة دولية واقليمية حثيثة للتطورات حيث يشكل لبنان واحدة من الجبهات المرشحة للسخونة في حال حصول تطورات «دراماتيكية» في المنطقة، خصوصا ان كل الاطراف تنتظر معرفة كيفية تعامل حزب الله مع نشوب اي حرب محتملة...

وفي المقابل ترفض اوساط معنية بالملف تحميل خطابات السيد نصرالله ومواقفه مسؤولية عما سيؤول اليه موقف لبنان في قمة مكة، فثمة تفاهم واضح في الحكومة على كيفية مقاربة هذه الملفات، ورئيس الحكومة كرئيس للسلطة التنفيذية عليه الالتزام بسياسة حكومته التي يرأسها بالتفاهم مع مكوناتها ورئيس الجمهورية، ولا مجال في هذا السياق لاي مقايضة مع مواقف حزب الله الثابتة من ملفات المنطقة والتي يحرص السيد نصرالله على عرضها بشفافية، اما كيفية مقاربتها فتبقى مرهونة بتقديره لحجم المخاطر ودقة المرحلة وما تتطلبه من حدود «للتصعيد» من عدمه... لكنه معني دوما بتوجيه «الرسائل» الى من يعنيهم الامر وهي تصل سواء كانت اللهجة هادئة او «غاضبة»...

} جلسة «غير حاسمة» اليوم...؟ }

في غضون ذلك لا يبدو الموعد الجديد الذي ضرب لاستكمال درس مشروع الموازنة، عند الاولى من بعد ظهر اليوم مضموناً ان يكون الاخير، فأكثر من عامل لا يشجع على ذلك، فاصرار التيار الوطني الحر على مناقشة الورقة التي تقدم بها الوزير جبران باسيل، لخفض العجز ورفع الايرادات، ورفض اقرار الموازنة قبل البت بها، قد يحصل اذا حصلت «معجزة» وانتهت النقاشات اليوم، او اتخذ الرئيس الحريري قرارا بحسم الامور حتى لو اقتضى ذلك التصويت. واوحى وزير الخارجية في مؤتمره الصحافي امس انه لا يمانع في استمرار المداولات جلسات اضافية اذا اقتضى الامر، للخروج بأفضل وأرشق موازنة، بينما رئيس الحكومة سعد الحريري، اجرى اتصالات مكوكية امس لحسم الجدال الدائر بين فريقي باسيل من جهة ومعارضيه من جهة ثانية لكي لا يتم تمديد إقامة المشروع على طاولة الحكومة، اكثر من يوم الاثنين.

} «تسجيل نقاط»... }

وفيما اكدت اوساط «لبنان القوي» ان لا خلفيات سياسية وراء الاصرار على تخفيض العجز، لفتت اوساط معارضة لباسيل في الحكومة انه يريد ان يثبت فقط انه يتحكم بالحكومة، وهو يحاول الاستفادة من المداولات حول الموازنة لتحقيق مكاسب شعبية وسياسية، عبر اظهار نفسه منقذا للوضع الاقتصادي أكثر من الافرقاء الاخرين، وهو اكتفى في هذه المرحلة في تسجيل النقاط على وزير المال ورئيس الحكومة..

} موازنة «لزوم» ما «لايلزم»...؟ }

ولفتت تلك الاوساط الى ان الجميع يدركون بأن «الموازنة» باتت لزوم ما لا يلزم وفقدت قيمتها العملية، ولذلك لم يعد الوقت يسمح بتسجيل انتصارات وهمية واعلامية، فالموازنة لن تدخل حيز التنفيذ قبل تموز المقبل، فما الجدوى من المزايدات؟ وبرأي اوساط وزارية مطلعة المهم الان هو الحصول على رضى الدول الداعمة لمؤتمر» سيدر» لكن يبقى السؤال الاهم هو كيفية تسييل تراجع العجز المقدر للعام 2019 بنسبة 3,8% اي تراجعه نحو ملياري دولار، ويبقى السؤال ما هي الضمانات ان لا يتكرر ماحصل عام 2018 فالعجز المقدر كان حوالى 8,5% لكنه وصل الى 11,3% في نهاية العام... وتجدر الاشارة الى ان التأخير في اقرار الموازنة في مجلس الوزراء سيؤدي الى تأخير اقرارها في المجلس النيابي الى النصف الثاني من تموز، ولن يبقى من العام 2019 سوى 5 أشهر. فكيف يمكن الوصول الى تحقيق الخفض في العجز في هذه الفترة القصيرة! وهذا يدلل على ان الارقام في الموازنة ستبقى للاستهلاك الداخلي والخارجي هي فقط رسالة ايجابية الى المجتمع الدولي، والاسواق المالية الدولية... اما الاصلاح الحقيقي فسيكون في موازنة العام 2020 التي يجب ان تتضمن رؤية اقتصادية اجتماعية، وإجراءات حقيقية لتعزيز النمو.

وفيما ذكرت مصادر وزير المال علي حسن خليل ان العجز الحقيقي البالغ 35 بالمئة سببه الكهرباء وليس اي شيء آخر... بدا الوزير مصمما على اعتبار موازنة 2019 بحكم المنجزة حيث بدأ يعد العدة لموازنة 2020. ووجه تعميما إلى الوزارات والإدارات حول البدء بإعداد مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2020 والذي من المرتقب أن يبدأ نقاشه الأسبوع المقبل. ويتضمن التعميم، الأطر الواجب تطبيقها من قبل الجهات المعنية في إعداد مشاريع موازناتها لتسهيل عملية المناقشة اللاحقة في وزارة المالية وطلب أن تتماشى مع توجهات الحكومة وأولوياتها وكذلك طلب من الوزارات والإدارات عدم رفع الاعتمادات التي قامت بها الحكومة بتخفيضها في مشروع موازنة العام 2019 كما وإيداع مشاريع موازناتهم وزارة المالية في مواعيدها.

} هل يجري «التصويت»...؟ }

وفيما أوحت مصادر رئيس الحكومة بأن الامور يمكن تصل الى التصويت، في ما لو استمرت المناقشات تدور في دوامة المراوحة، اشارت اوساط وزارية الى ان «المماطلة» تعيد فتح النقاشات حول مواضيع سبق وتم اقفالها وعلى سبيل المثال اعاد الرئيس الحريري في الجلسة الاخيرة طرح مسألة الاقتطاع من رواتب الموظفين فكان رفض حاسم من وزراء حزب الله الذين اكدوا ان النقاش في هذا الامر غير وارد على الاطلاق، واي بحث في هذا الاطار لن يطال الا الرواتب التي تتجاوز الاربعة ملايين ليرة والتي لا توفر الا نحو 25 مليار ليرة، فتم مجددا طي ملف النقاش في هذا الموضوع... ووفقا لتلك الاوساط، فان الفشل الكبير كان في عدم القدرة على احداث خرق في «حزب المصارف» داخل الحكومة حيث نجح هؤلاء في ابعاد القطاع المصرفي عن تقديم مساهمة حقيقية في تخفيض العجز المالي..

} باسيل والارقام غير الكافية... }

وكان وزير الخارجية جبران باسيل قد عاد واكد في مؤتمر صحفي عقب اجتماع تكتل «لبنان القوي» أن البعض يعتبر ما تحقق في الموازنة كافياً اما نحن فلا نعتبر ذلك «ونريد ان نكون مطمئنين بأننا أصبحنا في بر الامان». وتابع: «منذ عشر سنوات وأنا اسمع في الحكومة دعوات الى تأجيل الامور فمتى يؤخذ القرار لانقاذ البلد؟»، مشيرا إلى «أننا وصلنا الى اصلاحات عديدة في الموازنة وهذا امر جيد لكنها ليست كافية، ومن حقنا ان نقول نريد اكثر، وصلنا الى تخفيض العجز ولكن هذا ليس كافياً ويمكننا تخفيضه اكثر»، مؤكدا أن «الحل موجود ومتوفر وما نقوم به في الايام المقبلة سنكمل بعملنا الايجابي ولسنا مصرين على اي شيء وهناك اقتراحات عديدة ومردوها ايجابي وبحاجة الى الجرأة للقيام بها». وقال: «اننا نريد حل أكبر عدد من المشاكل والبعض يكتفي بحجم اصلاح محدد، الخلاف ليس مع شخص محدد بل هو خلاف مع اكثر من فريق حول مواضيع محددة».

} «قنبلة» التوظيفات... }

في غضون ذلك، كشف رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان، في مؤتمر صحافي عقده في مجلس النواب، التقرير النهائي للجنة حول التوظيف العشوائي.

واشار الى ان الحكومات المتعاقبة ارتكبت مخالفات قانونية في ملف التوظيف»، مشيرا الى «ان لجنة المال والموازنة وضعت يدها على ملف التوظيف بعد المخالفات الكبيرة خصوصا قبل الإنتخابات النيابية في هذا الشأن». وأعلن «ان ما توفر من معلومات كان صادما»، فلقد تم توظيف واستخدام 5473 شخصا بعد 21 آب 2017 من غير الأجهزة العسكرية والأمنية، منهم فقط 460 وفقا للأصول و5013 خلافا للأصول».

وأضاف: «32009 أشخاص وظفوا واستخدموا قبل آب 2017 بجريمة موصوفة من الحكومات بتجاوز ملاكات الادارات والمؤسسات وتجاوز قوانين وانظمة التوظيف».