نبيه البرجي

كل شيء مبرمج على الساعة الأميركية. اذ يسدل الستار على مسرح اللامعقول في الخليج، يرفع الستار على مسرح اللامعقول في سوريا...

ادارة دونالد ترامب التي بلغت أقصى حدود الدونكيشوتية في تأجيج المشهد الخليجي، لم تر، لتغطية تراجعها على ذلك النحو الدراماتيكي (والكاريكاتوري)، سوى العودة الى ابتداع قصة الكلور التي لامبرر لها، ولا أساس لها، على الاطلاق.

هكذا تنظر الولايات المتحدة الى الشرق الأوسط. خشبة للرسوم المتحركة. لسنا وحدنا من يقول بالتماهي بين سيناريوات دونالد ترامب وسيناريوات والت ديزني. الأنكليزي ديفيد هيرست قال ذلك.

عرب مبعثرون في كل الاتجاهات. حتى الآن لم نلاحظ أن الأميركيين يتعاملون معنا كدمى يفترض أن تبقى تتراقص على تخوم القرون الوسطى.

قال لنا مايك بومبيو أن الأرمادا البحرية، والجوية، حالت دون ايران وتنفيذ عمليات عدائية ضد أهداف أميركية أو حليفة. هو من أعرب عن اعتقاده أن الايرانيين وراء تفجيرات الفجيرة، وفي حضرة حاملة الطائرات «يو. اس. اس ـ ابراهام لنكولن»، وتحت أنظار القاذفات العملاقة «بي ـ 52 ». ماذا فعل؟

لا يخجل العرب، ذلك الطراز من العرب، حين يعلنون أن ايران موجودة في لبنان، وفي سوريا، وفي العراق، وفي اليمن. أين أنتم، واين كنتم، بترساناتكم الهائلة، وبأموالكم التي تشتري دولاً بأكملها، حين كانت ايران تتمدد جيوسياسياً وجيوستراتيجياً، في الدول الأربع؟ لبنانياً، أين كنتم حين فتح ياسر عرفات ابواب الجنوب أمام آرييل شارون؟

لا رصاصة واحدة، لا بندقية واحدة. لا خيار أمام تلك الدول الزجاجية سوى أن تسند ظهرها الى المبنى الزجاجي في نيويورك.

دول ان هبت الرياح، ذهبت أدراج الرياح. أليس هذا ما ينطق به دونالد ترامب علناً، وأمام جمهور مصاب بهيستيريا الكراهية لكل ما يمت بصلة الى العرب؟

ما فعله الرئيس الأميركي، في الآونة الأخيرة، ينطوي على كل عناصر الكوميديا الساذجة. كثيرون من بني قومنا توقعوا ازالة نظام آيات الله قبل العيد. لن نكتفي بماريا كاري تغني على أرصفة المدن. لسوف نستلجب كل نجوم البيفرلي هيلز احتفاء بالنيو ـ قادسية. ألا نقاتل بعضنا البعض، نقتل بعضنا البعض، بحجة الاسلام، ونصرة الاسلام؟

حدقوا، بانورامياً، في المشهد. اطلقوا العنان لآرائكم. كم نبدو كائنات بائسة، كائنات بلهاء، حين صدقنا أن دونالد

ترامب يخوض حرباً من أجلنا، نحن الأحصنة الهرمة. لا نتصور أنه يسعى لتقويض النظام في ايران. اذا فعل ذلك كيف له أن يستنزف حتى حجارة منازلنا؟ كيف لروبرت كاغان أن يقول ساخراً «قد يضطرون لبيع ناطحة سحاب بـ... عنزة»؟

متى نستفيق من تلك الغيبوبة القاتلة. لا نقول بالقتال ضد أميركا، ولا حتى بالانفكاك عنها. هي الأمبراطورية التي لا أمبراطورية غيرها تمتعت بكل تلك الصلاحيات الالهية. حتى التنين يرتعد بعدما هددت الولايات المتحدة بتحطيم «امبراطورية هاواوي».

أدنى بكثير من أن نبتعد عن أميركا لأنها تزيح العروش بحركة من أصابع جون بولتون، أو بحركة من أظافر ايفانكا التي، بالكعب العالي، تهز الكثير من الرؤوس في الشرق الأوسط. على الأقل نعيد لملمة أشلائنا...

محمد جواد ظريف الذي لم يثق يوماً بالجار التركي، وقد أعلن التوقف عن استيراد النفط الايراني (وهي الضربة الهائلة)، لجأ، كما يلجأ العرب وكما يلجأ الأتراك، الى التاريخ. ذكّرنا بما فعله الفرس بالاسكندر ذي القرنين. ما نعلمه أن القائد اليوناني هزم داريوس الثالث على ضفاف نهر الغرانيكوس وأطاح عرشه. ما فعله الفرس انهم قتلوا حصان الاسكندر. ليس الحصان المفضل بيوكفيلوس الذي كان يعشقه، ويعتبر أنه يستمد طاقته الأسطورية من الآلهة.

أيضاً، ذكّرنا بما فعلته بلاده بجنكيز خان، وقد أقام أمبراطورية هي الثانية بعد الأمبراطورية البريطانية التي لم تكن تغيب عنها الشمس.

لندع التاريخ جانباً هنا أمبراطورية لم تترك التاريخ وراءها فحسب. تركت الزمن وراءها. ماذا اذا حذا العرب حذو الايرانيين في مواجهة الولايات المتحدة. لن نقول ان الرمال تأكلنا لأننا لم نبن دولاً، ولم نبن مجتمعات، قابلة للتفاعل مع ديناميات القرن. قد نتسول الطحين على ابواب الهواء.

كل ما يظهر أمامنا يشير الى أيام سوداء تنتظرنا. حروب وصراعات عبثية. محاولات للدخول من ثقب الباب الى لعبة الأمم. المفكر الرائع سمير أمين تحدث، مراراً، عن... أمبراطورية الأزمنة الفارغة.

مبادرة عادل عبد الهادي ايفاد مبعوثين الى كل من طهران وواشنطن تثير لدينا التساؤل. هل يفعل ذلك بايعاز من واشنطن أم بايعاز من طهران، هو الذي في منتصف الطريق بين المدينتين؟ لا يمكن أن نتصور أنه يضطلع بهذه المهمة المعقدة دون ضؤ أخضر من مكان ما.

الرجل واقعي. لم يقل بالتوسط بل بتبريد الأجواء. الايرانيون ينتظرون على صفيح ساخن انتهاء عهد دونالد ترامب. ما المانع في اقامة قناة اتصال، على الأقل تحد من جنون الرجل؟

في كل الأحوال شيء من الامتنان للنوايا الطيبة التي أبداها عبد المهدي، بالعراق الذي يستلقي فوق حقل من الخناجر. الانكليز يقولون «الطريق الى جهنم مفروشة بالنوايا الطيبة». ماذا حين نكون في الطبقة الدنيا من... جهنم؟