غيضٌ من فيض….

 

كثيرون هم الذين حاولوا التقرّب منه، بالبحث عن الكلمة الضائعة كمفتاحٍ لقلبه، ولبّه، وعقله، وفكره، وروحه، و “مكتبه ” طبعاً كآخر المطافات شكلاً، وأوّلها مضموناً..

وهنا لا بدّ أن تحضر في البال صورة السيدة “سونيا ” بدبلوماسيتها وعفويتها وطيبتها والجميع سواسية أمامها توزّع وقتها للكلّ باقتدار ورصانة واتّزان ولباقة، رغم كثافةِ الوافدين، والمتّصلين، والمتواصلين معها على الدوام لحجز مقعدٍ لهم، على تخوم بساط الريح الشاسع الممتدّ عبر الجهات الأربع، الذي يتربّع فوقه “جان عبيد ” باسطاً أشرعةَ الروح للإرتقاء، والترفّع، والتحليق، باختيار شخصي حتّمي لا منازع له، ولا مزعزع لقناعاته، وهو المنتمي أصلاً وفصلاً، وحسباً ونسباً، وقدراً وشأناً، وعلماً وثقافة للأعالي دائما..

الوزير جان عبيد بعد نظر بعيداً عن التنظير

في الأعالي حيث يطيب له العزف المنفرد، بكبرياءٍ خالصٍ لا تشوبه شائبة، ولا يخلو من تشبّث، ولا يفتر من عنادٍ بحجم “الذات ” التي صمّم تضاريسها وفصّلها بجهدٍ، ومهارةٍ، وفطنةٍ، وخبرةٍ، وحكمةٍ، وتسامٍ، وصبرٍ، ورِفْعَةٍ، وهدوءٍ، وضبط أعصاب، ناهيك عن النَفَسِ الطويل، الطويل.. في محاكاة الأمور.

لطاما أحبَّ جان عبيد جلسائه فأحبّوه طوعاً أو كرْهاً لا أحد يجزم أو يعلم، لكنهم بخاطرهم أو برغمه أحبّوه قطعاً، وكثيرون ما إن انفضّوا من مجلسه حتى سارعوا إلى الأبجدية “للوشاية “عنه، بصيغ مختلفةٍ، وموثّقةٍ إعلاميّاً، عبر صفحات الجرائد والمجلّات، فمنهم من كتب المقالة على شرفه، ومنهم من كال المدائح وملأ الصفحات باسمه، ومنهم ممن أبدى وجهة النظر بتوجّهٍ عاطفيّ مبالغ فيه بعض الشيء، ومنهم من حملوا وجوهٍ نسيتْ أقنعتها في المصعد من حيث دلفت في المبنى القديم، إلى مكتبه المزدحم بالكتب والذي لا يفسح المجال لأيّ استعراض أو تكلّف أو صِنْعَة أو أقنعة أو مراوغات، إذ أنّك في مكتبه المكتظّ ما بين الكنبة والكنبة، ستجد متراساً شاهقاً من الكتب، تدركُ خلفه حجمك الصغير مهما كان وزنك من الزيادة أو النقصان ومهما حاولت أن تجمّل أناك بالتمدّد أو التطاول أو المراوحة.

المحسوم في هذا كلّه، أنّه ثمّة قاسم مشترك بين كل ما قيل عن جان عبيد وبين كل ما سيقال قادماً عبر الصحافة، إذ مهما حملت ملامح الكتابة عن جان عبيد فلن يختلف رأي محايد مع أيّ رأي آخر منحاز، بل تكاد تجزم أنه ثمّة تطابق في الإنطباع عن جان عبيد وهو يتمحور في أذهان وفي أحاديث الكثير من المتابعين لسيرته وسيرورته، فهو المثقف ثم المثقّف ثمّ المثقّف، الذي يُلِمُّ بكلِّ شيءٍ، معرفيٍّ، دينيٍّ، تاريخيٍّ، سياسيٍّ، اقتصاديٍّ، إبداعيٍّ، قانونيٍّ، اجتماعيٍّ، إنسانيٍّ، دستوريٍّ، وطنيٍّ، قوميٍّ، عروبيٍّ، وحتى اللغويَّ كذلك، ومع جان عبيد تجزم أنك قلّما أن تجدَ نظيرٌ له من نظرائه، بل ستدرك تماماً كم أنت تفتقر إلى الثقافة بكل ما ذُكِرَ أعلاه، لهذا كل الذين كتبوا وأنا منهم وكم يعزّ عليّ التصنيف، كانوا قد كتبوا بإيجابيّة “قسريّة ” لأنهم ببساطة بالغة لن يجدوا فيه ما يعيبه، ويحضرني المثل القائل “لم يجدوا عيباً في الورد فعيّروه بأحمر الخدين”، وجان عبيد كذلك لا يعيبه سوى أنه الصديق، والأخ، والأبّ، والحليف، والكريم، والوفي، والصدوق، واللمّاح، والإنسان، والمحاور، والدمث، والمتحدّث، والمفوّه، واللبق، واللطيف، والخبير، ناهيك عن سمعته الطيّبة التي فاحت في الأوساط المجتمعية عامّة كفواحِ “دهن ” العود “القرشيّ ” الأصيل، الذي لا تغيّره مناخات ولا تبدّله أعوام ولو استمرّت لألف عام.

علامة فارقة….

العلامة الفارقة التي يسعني أن أحتفظ بخصوصيّتها، وأن أفاخر، وأباهي، وأزهو، هي أن الكلمة “المفتاح ” الذي ذكرتها أعلاه، كانت متموّضِعةً بعنايةٍ فائقةٍ في إحدى مقالاتي المنشورة في صحيفة الديار، والتي كتبْتُها عن الصحافي المعروف “شارل أيوب ” ونشرَتْ عبر صحيفة الديار..

رئيس تحرير جريدة الديار الأستاذ شارل أيوب

وكون جان عبيد لا تفلت من دائرة اهتمامة أيّة صحيفة لبنانية يومية، كان لي شرف متابعته لمقالتي التي احتّلتْ نصف الصفحة الأولى من صحيفة الديار والنصف من الصفحة الأخيرة يومها، وكانت لي جرأة كبيرة في الطرح لا أعتبرها استثنائية لأنني لن أتردّد في تكرارها طالما أن ضِعَاف النفوس لم ينقرضوا بعد في زمننا الراهن، وأجزم أن محارباً قديماً كشارل أيوب سيجد قلمي في أيّ وقت كان ، فأصحاب النخوة وأنا منهم وما أقلّهم لا يحتاجون من يستدعيهم للاستنفار وحدهم يدركون جيّداً متى ينبغي أن يتدخلوا فيتدخلوا،.. ولا أخفي أنني أدين لذاك المقال بحسنِ الطالع حين وَجَدَ جان عبيد الكلمة الضائعة داخل سطوري قبل أن يجدني شخصياًّ، وقبل أن يعرفني حصرياً ك”مالكة ” قلم، ومستعمِرة مواقف.. وكم أدهشني يومها “اتصاله ” النبيل والمفاجىء ليفنّد مقالي الذي يزيد عن 2300 كلمة سطراً سطراً..

ومنذ ذلك المقال أصبح قارئي الأمثل جان عبيد يتابع ما تيسّر ويتواصل معي بكامل فصاحته وبلاغته الشيّقة عندما يلفته مقال دون آخر في صحيفة الديار حيث كنت من كتابها سابقاً ولاحقاً قبل بضعة أشهر.. وظننت وقتها أن اتّصاله الكريم للتعليق على مقالي هو أفضل طموحاتي، إلا أنّ السيدة سونيا، بنبرتها الحاسمة كانت تحدّد لي موعدا للقائه كلّما تيسر بمقال لافت حيث يحلو النقاش وتداعياته، وأجمل إطراء كنت أفوز به من معالي الإنسان جان عبيد هو ذاك “العتب ” الكبير الجميل على تقصيري بالتواصل والإتصال، وكم كان يطريني أيضاً وأيضاً “دحضه ” لجميع مبرّراتي ومزاعمي في “التقصير ” دائماً..

محاولة صحفية لم تفشل تماماً..

في لقائي الأخير أردته أن يكون حواراً حيادياًّ لكن غَلَبَ عليه الفضول الودّي، وفي باطنه كنتُ أبيّت نيّة الحوار الصحافي، إذ استجمعت قواي قاطبة لأباغته بالسؤال، فليس من السهل أن “تُلحن ” أمامه بحرف أو بتشكيل أو بصياغة، أو أن تنزلق بمفردةٍ لا تعرف منشأها، ومنبتها، واشتقاقاتها، ومتفرعاتها، وسألته متّكلة على الذي خلقني دون تردّد: أين هو جان عبيد من الخلطة الحكوميّة الحاليّة، الجميع زاحم وما زال يزاحم ليحتل مكانة تصبو إليها نفسه ومكانته وحنكته السياسية، وإذا به وبكل اعتداد ممكن يردّ.. أنا لا أزاحم على منصبٍ، ولن أساوم على منزلةٍ اخترتها لنفسي بصون كرامتي وكبريائي بعدم الطلب من أيّ يكن، إلا منه “هو ” رافعاً رأسه وسبابته بلهجة حادةٍ حاسمة إلى الأعلى وكأنه يتجاوز السقف، ويتجاوز المكتب، ويتجاوز السؤال، ويحلّق حيث يليق التحليق.. في سياق الحديث تطرقنا إلى منعطفات كثيرة، من ضمنها تداعيات الأزمة السورية على لبنان، والحديث عن سوريا، لم يكن مجرّد ذاكرة عابرة بل وجدان حيّ متكامل ينبضُ ببرق المواقف ورعد الأصداء، وغيث المراحل، وغلال المواسم، ورغم أنه كان يعلم تماماً كم أنا بعيدة عن دمشق منذ أكثر من عقدين ونصف من الزمن، وأنني لا أملك امتيازاً واحداً من أصحاب القرار هناك، ومع ذلك لم يتوانَ عن ذكر مناقبيّة الرئيس الراحل “حافظ الأسد ” ولم يتردّد في الإشادة بمواقفه السياسيّة بإعجابٍ بالغ، وتقدير كبير، لم يخفِ تحفّظه من بعضِ ظلمٍ لحق به من دمشق لكنّ الغصّة لم تجبّ ما حولها على الإطلاق من مزايا الراحل حافظ الأسد، كرجل دولة، ورجل سيادة، ورجل مواقف، ورجل قيادة، ورجل حنكة، ورجل مناور، ورجل متمكّن، ورجل حكيم.

الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد

وهنا سألته في غيض ما أسمع، لماذا لم تتقرّبْ من الرئيس الحالي بشار الأسد، وهو الآن أحوج ما يمكن لمخضرم سياسي بوزنك؟.. على الفور استأنف وبذات الاعتزاز والإعتداد بالنفس، وبكل ما تتضمّنه نبرة الوفاء والودّ ليقول: أحبُّ بشار الأسد، وأدرك الصعوبات التي يمرّ بها، وأعرف تماماً حجم المؤامرة التي حيكت وأعلم أنه لم تنتهِ خيوطها بعد، ويحزنني كل الحزن ما آلت إليه الأوضاع في سوريا، ولكن يعلم الدكتور بشار من هم أصدقاء والده الخلّص، وتحديداً في لبنان، نعم من واجبي الإطمئنان عليه وعلى الأوضاع في سورية، ولكن من حقّي عليه أيضاً أن يبحث عن أصدقاء والده القدامى وهو يعلم تمام العلم ما يربطني بسورية وخاصّة قناعتي بأنها قلب العروبة النابض، وموقفها المصيري الذي دفعت ثمنه باهظاً على الدوام تجاه فلسطين والقضية الفلسطينية.

الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد

ثم أردفتُ قائلةً أو ربّما متسائلة.. لم نعد نسمع لك صوتاً في الإعلام، وفي الصحافة، وفي معظم المنابر؟ كأنك في غياب شبه تام، ترفضُ المقابلات وتنأى عن الحوارات هل تكفي كلمة لماذا..؟!!

بلهجةٍ وقورة حاسمة، وجملة مقتضبة أجاب: أنا لا أتكلّم حيثُ يكثرُ الكلام، وحيث يتداخل الغثّ بالثمين، وحيثُ يتمادى الإلتباس، ويتواطأ المراوغون، أنا أفضّل الصمت على جعجعة الطحين، واليوم الكلّ يضع أصابعه في المعجن، وثمّة خميرة سياسيّة قديمة كشفتْ الحجم النهائي لعجين الحكومة القائمة  حيثُ أنّ كل واحد مشغول بتقريصِ رغيف الآخر ونهش حصّة إضافية مما تيسّر، لهذا أنا اخترتُ أن أكون خارج اللعبة، فالذين يثقون بي كُثُر والذين يقصدونني من كلّ حدب وصوب كثرٌ جدا، أنا من الناس وبين الناس مكاني ومكانتي، وثقي أنّه كلّما زاد الكلام نَقُصَ الفعل، وكلّما أوغلنا في الصمت عرفنا الجدوى من وجودنا وتمكنّا أكثر فأكثر من وضع النقاط على الحروف، في وقت أصبحت فيه اللغة كما السياسة وكما الدولة في فوضى عارمة ومؤسفة حقّاً.

آلمني كم يحمل هذا الرجل من أهوالِ وهمومِ السياسة الملغومة في بلدٍ يغالب أمراضه الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والتربوية وغيرها من العلل المزمنة، ويواصل إنعاشهُ بقروضٍ ميسّرة ومعسّرة قاربت المليار دولار دون أيّة مصادر واضحة لتأمين السداد، ودون أيّة خطّة علمية ورؤية ممنهجة تدرء المزيد من الديون وتتلافى العجز القائم في جميع مفاصل الدولة.. لهذا كنتُ حائرة بين متابعة تساؤلاتي أو الإنصراف لملاحقة أفكاري الشاردة في زوايا الحديث المقتضب، وإذا بي أضيف وكل ما سلف جاء بدون أي تحضير وعفو الخاطر تماما كهذا السؤال الإضافي.. ما رأيك بالهمروجة “الطرابلسية ” وأنت المعني بطرابلس وشؤونها، وذاك الدعم الإستثنائي الذي حظيَتْ به النائب “ديما جمالي “؟..

رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري

بدون مقدمات أجاب: لقد *أودعتُ * دولة رئيس الحكومة “سعد الحريري ” رأيّ بخصوص ديما وأفضّل أن يظلّ رأي حيث أودعته، ويسعني فقط أن أعلن هامش قناعتي التي أخبرت بها صديقي العزيز الوزير السابق سمير الجسر عضو كتلة المستقبل بأنّه على ديما أن تبتسم فقط فابتسامتها كافية ووافية، وعليها أن تترك التصاريح العصماء تحت سقف بيتها ولا تدعها تتسلّل خارجاً..

لم أكن أعلم كيف أحرّك الساكن الذي في أعماق جان عبيد، كيف أخرج الثائر من حناياه كيف أحرّر الراكد خلف هدوئه كيف أشعل المتشائم بوهج المتفائل، كيف وكيف وكيف، فقط أوعزتُ برجاءٍ أخير، قائلة.. أنت تدرك تماماً أن الحلبة السياسية على اكتظاظها وازدحامها هي خاوية اليوم، والشارع يغلي، والناس فاض صبرها، والإحتقان الإجتماعي على أشدّه، والضائقة الإقتصادية تتربّص بالجميع، لماذا لا تدلي بدَلْوِكَ علّه يجود بحلٍّ ينقذ الجميع..؟

تنهّدَ تنهيدة عميقة جداً، ثم قال.. لن أرمي بدلوي في بئر جاف، ولن أقف في الطابور لأزايد بما لديّ أمام من لديه  وليس لديه، عندما يسود الصمت أمام تلك الإجتماعات الخلّبيّة الفضفاضة، وعندما تستعيد الكلمة الحاسمة دورها وصداها ووقعها وقيمتها وتقديرها بكامل حوافزها ومحفّزاتها سأقولها، الآن أفضّل الصمت أمامهم وأمامك، وشعرت كم أرهقتُه بلقائي وكثافة فضولي، ودّعته على أمل أن أستكمل معه ذاك السطر الطويل الممتد بين الأزرقين قبالة البرلمان اللبناني، الذي تكوّنت فوق مقاعده سنوات خبرة جان عبيد السياسيّة والحياتيّة بشكل عام، وبشكلٍ يخصّه ويخصّ وطن مهيض يحتاجه حقّاً.