كتب ابراهيم ناصرالدين

لم يسعف بيان كتلة تيار المستقبل رئيس الحكومة سعد الحريري لـ «تلميع» «صورته» بعدما اظهر مرة جديدة ضعفا بنيويا «خطيرا» في ادارته لجلسات اقرار الموازنة الامر الذي انعكس ضعفا اكثر خطورة على موقع رئاسة الحكومة، وحتى الدائرة الاستشارية المحيطة به لم تستطع ايجاد تفسيرات مقنعة حيال حالة الاستسلام التي يدير من خلالها الجلسات، ووصل الانزعاج لدى احد المستشارين المقربين الى حد مصارحته «بانفعال» بانه لا يمكن القبول بما يحصل، ولا يمكن الاستمرار على هذا «المنوال» في تكريس «اعراف» جديدة تطيح بكل المكتسبات التي تحققت بعد «الطائف»،خصوصا ان رئيس الحكومة تجاوز خلال الايام القليلة الماضية كل النصائح التي اجمع عليها مستشاروه حيال عدم التهاون مع «الانزال» الذي نفذه وزير الخارجية جبران باسيل في «الامتار الاخيرة» من «ماراتون» مناقشة الموازنة وسمح له بتكريس معادلة «الامر لي»..ولذلك مهما انتهت اليه ارقام الموازنة وجلساتها فان الخلاصة واضحة لجهة «الندوب» التي اصابت مجددا موقع الرئاسة الثالثة في ظل حالة «انكار» مخيفة يعيشها الحريري تركت جلسات الحكومة مفتوحة الى ماشاء الله بفعل اصرار باسيل على وضع معادلته «بتخلص لم بتخلص» الموازنة في وجه معادلة وزير المال علي حسن خليل «خلصت» وما في شي زيادة كي يضاف!

ووفقا لاوساط نيابية محسوبة على تيار المستقبل، يبرر الحريري اسلوبه في ادارة جلسات «الموازنة» بانه «ام الصبي» ولديه مسؤولية كرئيس حكومة في ايصال النقاشات الى «بر الامان» وعدم «تفجير» الحكومة في ظل اوضاع اقتصادية صعبة، ورقابة دولية «لصيقة» تتابع «دقائق» الامور وتنتظر خطوات اصلاحية من الدولة اللبنانية،وهذا يتطلب «حكمة» «وتبصر» «وهدوء» في معالجة «شطحات» البعض «وبهوراتهم» بعدما تعودوا على اثارة «بروباغندا» اعلامية «لسرقة» الانجازات،ولذلك لا يبدو ان الحريري في وارد الانجرار الى اي معارك جانبية غير مفيدة، ولن يجاري الاخرين في «لعبة» مملة باتت مكشوفة امام الراي العام.. وما يهم في نهاية الامر، النتائج، اما من يعمد الى محاولة تبني «ابوة» الانجازات، فهو سيستمر بذلك لانه لا يعرف ان «يشتغل» بالسياسة الا وفق هذه الرؤية، وليس مطلوبا من الرئيس الحريري ان «يعطي» هؤلاء دروسا في السياسة او في المسؤولية الوطنية..!

  تبرير العجز.. 

في المقابل ترى اوساط سياسية مطلعة، ان هذه الرؤية «المبسطة» لتبرير «عجز» رئيس الحكومة يتبناها قلة قليلة من المحيطين به، بينما تتعاظم «النقمة» حتى داخل «التيار الازرق» على الادارة غير الموفقة من قبله لمجمل المرحلة الماضية التي بدأت مع مساعي تشكيل الحكومة وصولا الى جلسات مناقشة الموازنة، واذا كان هؤلاء لا يفهمون حتى الان لماذا لم يكن الحريري «رأس حربة» في مواجهة طموح باسيل في الحصول على «الثلث المعطل» في الحكومة، ولا يملكون اجابات عن اسباب خوضه «معركة» خاسرة مع حزب الله على تمثيل «اللقاء التشاوري» ورضوخه لاحقا لتوزير حسن مراد بعدما رفض توزير والده، فانهم الان لا «يهضمون» كيفية تخليه عن التحكم في ادارة جلسات الموازنة وتركها ساحة للتجاذب بين وزيري المال والخارجية، بعدما وجهت له «رسالة» شديدة اللهجة من رئيس الجمهورية ميشال عون من على «درج» بكركي، واختار ايضا تجاهلها... وبرأي هؤلاء سمح الحريري بحصول «مماطلة» غير مبررة ولم يستخدم صلاحياته لوقف هدر الوقت الذي «تفنن» باسيل في ادارتها، وبدا مجلس الوزراء مشتتا، وكان لكل فريق سياسي موازنته الخاصة مع العلم انه في الظروف الطبيعية، يضع وزير المال تصورا للموازنة ويوزعه على المجلس للنقاش بعد تضمينه الطروحات التي قدمها الوزراء نيابة عن القوى السياسية الممثلة في الحكومة.

 الخضوع للابتزاز..؟ 

ولفتت تلك الاوساط الى ان الحريري خضع بشكل واضح «لابتزاز»رئيس التيار الوطني الحر منذ ان سمح له بالتحكم بمواعيد عقد الجلسات من عدمها، بعدما اصبحت رهنا بانشغالاته ومواعيده.. وبعد تلويحه بالاستقالة من الحكومة، اذا لم يتم الاخذ برؤيته الاقتصادية، اختار الحريري «الصمت» حينا «والتواطؤ» احيانا لتمرير «العاصفة البرتقالية»، بدل ان «يضرب يده على الطاولة» لوضعه امام مسؤوليته السياسية والوطنية، مما وضع وزير المال وجها لوجه مع نظيره في الخارجية بعدما تجاوز الامر حدود تقديم اقتراحات الى تجاوز صلاحيات خليل الذي وقف «مذهولا» في مرات عديدة امام عدم تدخل رئيس الحكومة لحسم الكثير من النقاشات غير المجدية والخطرة في آن واحد، خصوصا ان خليل تحدث اكثر من مرة خلال الجلسات عن تسريبات مفتعلة وشائعات مقصودة تحاول تحريض الرأي العام، واثارة الشارع الذي انفجر امام السراي الحكومي بعد محاولة العسكريين المتقاعدين اقتحامه «دون اسباب موجبة» او مبررة، ورغم ذلك لم يتغير اسلوب الحريري في ادارة الامور، واوعز الى كتلة المستقبل الى اصدار بيان دفاعا عن موقع رئاسة الحكومة ومقرها، لكنه بيان «لا يثمن ولا يغني عن جوع» طالما ان اداء الحريري لم يتطور باتجاه استعادة صلاحياته.

لا خروج من الحكومة

في المقابل، تؤكد اوساط التيار الوطني الحر أن مسالة الخروج من الحكومة، امر غير مطروح، وكلام باسيل مجرد «حث» لمزيد من الانتاجية، لكن الاكثر اهمية يكمن في توضيح مسألة اساسية ترتبط بضرورة اعتراف الاخرين بحجم التمثيل الوزان لتكتل لبنان القوي في الحكومة ومجلس النواب، فالامر ليس تنازعا على الصلاحيات وانما سعي جدي من قوة اساسية لتصحيح مفهوم الموازنة ونقلها من مجرد ارقام الى موازنة صحيحة قادرة على خفض العجز وتصحيح الوضع المالي على مدى السنوات المقبلة.. وليست المسألة محاولة للعرقلة او التسويف، واما سبب تأخير طرح اصلاحات باسيل في الحكومة، فترى تلك الاوساط ان لكل وزير اسلوبه وهو اختار التوقيت الذي يراه مناسبا بعدما شعر بعدم وجود جدية في معالجة الازمة من جذورها..!

 اين تكمن المشكلة..؟ 

وامام هذه التناقضات «الهائلة» في توصيف الوقائع، ترى اوساط وزارية بارزة ان عمق الازمة يتصل بضعف اداء الرئيس الحريري الذي لم يخرج بعد من «عقدة» حجزه في المملكة العربية السعودية والتي تركت اثرا بنيويا كبيرا عليه على الصعيد السياسي وايضا الشخصي، وهو يحاول جاهدا الحفاظ على التسوية الرئاسية مع رئيس الجمهورية دون الالتفات الى محاولات وزير الخارجية الالتفاف على هذه التسوية من خلال استغلاله لحالة عدم التوازن المستمرة في اداء الرئاسة الثالثة التي يستنزفها الحريري على نحو غير مسبوق، ما استدعى ايضا استغرابا سعوديا ترجم بعلامات «تعجب» طرحها السفير السعودي في بيروت الوليد البخاري على عدد من زوار السفارة في الايام القليلة الماضية، بعدما ذهب هؤلاء مجددا «للتحريض» على اداء رئيس الحكومة غير المبرر..

ووفقا لتلك الاوساط، لم تخف القوات اللبنانية ايضا «استياءها» من اداء الرئيس الحريري الذي يسمح للوزير باسيل «بتجاوز حدوده»، بينما يعتقد رئيس الحكومة انه بغياب احتمالات تطور علاقته بحزب الله اكثر من «ربط النزاع» القائم حاليا، ليس امامه الا استمرار «الشراكة» مع رئيس الجمهورية وفريقه السياسي، ولا يملك اي خيارات بديلة، لا يريد ان يخوض مواجهة مع العهد، ويراهن على غيره «لتقليم اظافر» باسيل، ولا يرى ان هذا الدور منوط به لانه باعتقاده لا «يأكل من صحنه»، ولذلك فهو راض بمساحة «اللعب» الخاصة به، ويعيش حالة «انكار» حيال الاعتداء على صلاحياته، ولا يرى ان الامر يسير على هذا النحو، وطالما انه لم يتلق بعد «احتجاجا» وازنا من السعودية حيال تفريطه باتفاق الطائف لن يجد نفسه معنيا بخوض غمار «انتفاضة» غير مجدية الان خصوصا ان الانتخابات ليست على «الابواب»، والمصلحة تقتضي استمرار الشراكة مع رئيس الجمهورية.. فهل تتحرك الرياض لحثه على «الثورة»!

 باسيل «يصعد»..؟

في هذا الوقت يعقد مجلس الوزراء غدا الجمعة جلسة جديدة لاستكمال مناقشة مشروع الموازنة، وليس مضمونا ان تكون الاخيرة بعد موقف عال «السقف» لوزير الخارجية جبران باسيل الذي نقلت اوساطه تاكيدها ان النقاشات ستأخذ مداهاوما «بتخلص الموازنة الا لما بتخلص»، وذلك ردا على مقولة وزير المال علي حسن خليل بان الامور «خلصت» وما «حصل قد حصل» في الموزانة، وسيعقد باسيل مؤتمرا صحافيا عصر اليوم بعد اجتماع استثنائي لتكتل «لبنان القوي»..

 الحريري «مستاء» ولكن... 

ووفقا لاوساط وزارية يفترض ان يعقد رئيس الحكومة سعد الحريري مشاورات قبل جلسة الغد بعد ان وجد صعوبة في التوصل إلى اتفاق يتعلق بالموازنة، بعد ان تمسك وزير الخارجية جبران باسيل بموقفه من مشروع الموازنة ولم تؤد المداخلات معه لتليين موقفه في مقابل موقف وزير المال، ما أثار استياء الحريري الذي لم يتخذ موقفا لحسم الجدل لكنه اشار الى ما تم التوصل اليه نتائج ممتازة لكن في ناس «ما بدا تمشي» لذلك ناقشوا الامور خارج الحكومة وبعد 48ساعة نعود الى الاجتماع من جديد لقد «صبرت» كثيراً بعد 18 جلسة من النقاشات..

 «جمر تحت الرماد».. 

وقبيل جلسة الحكومة ،عقد الحريري اجتماعا مع لجنة وزارية مصغّرة في لقاء تمهيدي هدفه إعداد المناخات المؤاتية لاقرار الموازنة، الا ان الاجتماع لم يقدم أي جديد بالنسبة للموازنة، وقالت مصادر وزارية ان كل الطروحات مكررة وبعضها لا يصلح ليكون في الموازنة، واشارت الى ان الوزير باسيل حمل معه 12 اقتراحا للنقاش لم تستطع اللجنة دراسة الا اربعة لضيق الوقت، قبل انعقاد الحكومة وظهر جليا ان «الجمر تحت الرماد» لعدم وجود توافق بينه وبين وزير المال علي حسن خليل الذي ظل يردد ان ما يحصل هو مضيعة للوقت..

 اقتراحات «باسيلية»؟؟ 

ومن بين اقتراحات باسيل اقتراحات جرى نقاشها سابقا تتعلق بالمصرف المركزي، واقترح ايضا تخفيض وزارات الشؤون الاجتماعية والشباب والرياضة والغاء وزارة المهجرين، وهذا الامر تكرر عرضه في مجلس الوزراء ما اثار جوا من التوتر لدى الوزراء المعنيين بالتخفيضات بعدما اصروا على انهم قدموا التخفيضات اللازمة.. كما اقترح باسيل فرض رسوم ضريبية على اليخوت، وتخفيض المنح المدرسية مجددا، وغيرها من المقترحات، كما اعاد طرح التدبير رقم 3 المتعلق بالمؤسسات الامنية واعتبر ان الجيش قادر على تخفيض اكثر من 40مليار ليرة، ولم يصل النقاش الى اي نتائج وتم الاتفاق على عقد اجتماع جديد بين وزير الدفاع ووزيرة الداخلية وقيادتي الجيش وقوى الامن الداخلي للبت بهذه المسألة..

كما اقترح تطيير الموظفين الـ 5 آلاف الذين ادخلوا الى الدولة قبل الانتخابات.

 مداخلة.. ورد 

ووفقا لتلك الاوساط، قدم باسيل مداخلة اكد فيها ان هناك من يصور الامر بان ثمة خاسر ورابح اذا انتهت الجلسة اليوم او ارجأت الى جلسات اخرى، لكن اتمنى ان لا يأاخذ البعض الامور على هذا النحو لاننا نريد موازنة اصلاحية لا اكثر ولا اقل والامور ليست شخصية.. في المقابل رد وزير المال بالقول ان ما يحصل تجاوز للاصول المتبعة والنقاشات الدائرة الان لا علاقة لها بالموازنة، ولا يمكن حل مشاكل البلد بالموازنة، الطروحات لن تضيف شيئا، واذا ما كان هناك من افكار جديدة يمكن نقاشها في الحكومة بعد اقرار الموازنة.. لكن الرئيس الحريري اتخذ القرار بتأجيل النقاش الى يوم الجمعة ولفت الى ان ثمة فريق لم يرض بالنتائج المحققة ولذلك سنذهب الى جلسة جديدة... وكانت مداخلات «تبريدية» من قبل وزير الشباب والرياضة محمد فنيش الذي شدد على ان تبقى الاجواء هادئة ولا يكون هناك تظهير للخلافات، بينما طالب وزير الصناعة وائل ابو فاعور اشاعة اجواء ايجابية عن الجلسة، ودعا رئيس الحكومة الى ضرورة عقد جلسة باتت ضرورية مع رئيس الجمهورية لحسم الامور...

الجراح يخفض التوتر.. 

وبعد الجلسة اكد وزير الاعلام جمال الجراح ان بعض الوزراء قدموا اقتراحات لتحسين الوضع وتخفيض العجز، وتبين معنا اليوم (امس) أن العجز انخفض من 7.68% إلى 7.5%، وهذا أمر إيجابي جدا، أن نتمكن من تخفيض هذه النسبة بفضل بعض الإقتراحات. واضاف «كانت هناك اقتراحات من قبل عدد من الوزراء، وبعد النقاش، وحين وصلت الساعة إلى الخامسة والنصف، تبين أن هذه الإقتراحات بحاجة فعلاً إلى دراستها، ووزير المالية سينظر في انعكاسها المالي، لذلك أعطى الرئيس الحريري مهلة 48 ساعة لكي يناقش الوزراء المعنيون الذين تقدموا بأفكار وطروحات جديدة هذه الأفكار مع دولته، أو مع وزير المالية، بشكل أن تكون جلسة نهار الجمعة عند الأولى والنصف النهائية إن شاء الله..ونفى الجراح ما اوردته بعض وسائل الإعلام من وجود توتر داخل الجلسة وقال ان ما حصل نقاش هادئ وموضوعي وجريء في كل المواضيع، ولم يحصل طوال الجلسة أي توتر أو أي كلام عال أو أي اشتباك. بل على العكس، فمنذ أن بدأنا الجلسة وحتى الآن ونحن نتناقش ونتجادل ونقترح، لكن بكل هدوء ومحبة، وجميعنا بنفس الاتجاه. وبقدر ما نستطيع أن نخفض من العجز في الموازنة يكون الأمر جيدا جدا. لذلك أعطى الرئيس الحريري هذه الساعات الثمانية والأربعين... وقال ان المهلة ليست مهلة مفتوحة لكن إذا برز أمر جدي، فلماذا لا نعطي أنفسنا 48 ساعة؟ إذا كان يخفض العجز من 7.5% إلى 7.4 أو 7.3% فلم لا؟

 حركة الاضرابات

في هذا الوقت علقت رابطة موظفي الإدارة العامة الاضراب واعلنت «حق الرابطة ومن تمثل في ممارسة كل وسائل التعبير التي كفلها الدستور وصانتها الشرائع والمواثيق الدولية، وعلى رفضها وإدانتها لكل حملات الترهيب والتهويل التي مورست ضد الإدارة العامة وموظفيها أخيرا، واعلنت مواصلة تحركها بالوسائل القانونية المتاحة مع إبقاء كل الخيارات مفتوحة بما فيها العودة إلى الإضراب عند اللزوم.. في المقابل قرر المساعدون القضائيون في قصور عدل بيروت والمناطق، الاستمرار في اعتكافهم عن العمل اليوم وغدا، وذلك إثر الاجتماع الموسع الذي عقد ظهر امس، في قصر عدل بيروت..