ناجي سمير البستاني

لم تكن التدخّلات السياسيّة غائبة يومًا عن الإتحاد العُمّالي العام في لبنان، لكنّ هذا الإتحاد كان يتمتّع في السابق بإستقلاليّة أوسع، وبقُدرة أكبر على التحرّك إلى جانب العمّال وحُقوقهم ومصالحهم، وعلى الإعتراض بفعاليّة أوضح ضُد قرارات السُلطة السياسيّة. واليوم، وبعد «السَقطة» التي تسبّبت بإستقالة رئيس «الإتحاد» بشارة الأسمر، توجّهت الأنظار إلى ما يُمكن أن يحصل في الإنتخابات المُقبلة للإتحاد، في ظلّ دعوة رئيس «التيّار الوطني الحرّ» جبران باسيل إلى مُقاطعة رئاسة الإتحاد، حتى تحصل المُراجعة اللازمة، وإتهامه «الإتحاد» بتطبيق أجندة سياسيّة بدلاً من الدفاع عن قضايا العمّال وحُقوقهم. فهل بإمكان «التيّار الوطني الحُرّ» الوُصول إلى منصب رئاسة «الإتحاد»، أم أنّه يهدف إلى تعديل توازنات «الإتحاد»، وبالتالي إلى الحُصول على حصّة وازنة في قيادة «الإتحاد» فقط لا غير؟

بحسب مصادر نقابيّة مُطّلعة إنّ مرحلة التنافس الحاد على رئاسة الإتحاد العمالي العام، وعلى مكتب المجلس، كانت تبخّرت منذ عُقود، نتيجة تنامي التدخّلات الحزبيّة والسياسيّة فيه، بمُوازاة الضُغوط والحسابات الطائفيّة والمذهبيّة. وأوضحت أنّ آخر معركة فعليّة تداخلت فيها الضُغوط السياسيّة بالتحرّكات النقابيّة، تمّت في العام 1993، يوم فاز إلياس أبو رزق برئاسة «الإتحاد» بفارق صوت واحد على أنطوان بشارة الذي كان ترأس بدوره «الإتحاد» طوال مرحلة الثمانينات وحتى ما بعد إنتهاء الحرب. وأضافت أنّ مرحلة العمل النقابي الصرف إنتهت مع رئيس الإتحاد السابق غنيم الزغبي الذي إستقال بعد سنة واحدة من رئاسته، بسبب فشله في توحيد الإتحاد وعجزه عن رفع سُلطة الأحزاب عنه. وتابعت المصادر النقابيّة نفسها أنّه بعد 16 عامًا على تولّي غسان غصن رئاسة الإتحاد العمالي العام منذ العام 2000، حالت إعتبارات قانونيّة دون ترشّحه مُجدّدًا، حيث لوّحت أطراف عدّة بعدم قانونيّة الجمع بين منصبي رئاسة الإتحاد العمالي في لبنان والأمانة العامة للإتحاد الدَولي لنقابات العمّال العرب، بحيث جرى عندها إستبداله تجنّبًا للدُخول في مواجهة غير ضرورية. وأشارت المصادر إلى أنّه في 15 آذار من العام 2017، إنتخب رئيس إتحاد نقابات المصالح المُستقلّة للمؤسّسات العامة والخاصة، رئيس نقابة عمّال المرفأ، بشارة الأسمر، رئيسًا للإتحاد العمالي العام، بالتزكيّة، وبدعم كامل من «حركة أمل» التي يتّهمها خُصومها بأنّها تُسيطر على مُعظم أصوات المُنتسبين إلى المجلس التنفيذي للإتحاد، ولها بالتالي الكلمة الفصل في إنتخاباته. وقد ترافق إنتخابه مع التوافق مع مجموعة من القوى السياسيّة المختلفة، على لائحة توافقيّة توزّعت مُناصفة بين المُسلمين والمسيحيّين، مع تمثيل واسع لأغلبيّة الأحزاب السياسيّة الأساسيّة التي صار لها حُضور في عُضوية المجلس التنفيذي للإتحاد العُمالي.

وعمّا سيحصل اليوم، لفتت المصادر النقابيّة المُطلعة إلى أنّ إستقالة الأسمر - وبغضّ النظر عن خلفيّاتها، فتحت الباب واسعًا أمام معركة سابقة لأوانها على منصب رئاسة «الإتحاد» وعلى هيئة مكتبه، بدفع مُباشر من «التيّار الوطني الحُرّ» الذي يتطلّع إلى أن يكون مُمثّلاً في «الإتحاد» بحجم يُوازي تمثيله في مُختلف النقابات، ولأن تكون له كلمة وازنة في إنتخابات «الإتحاد»، بعكس ما كان الوضع عليه في السابق. وكشفت المصادر أنّ «التيّار» يتحضّر لخوض معركة إعلاميّة وسياسيّة لتصحيح واقع «الإتحاد العمالي العام»، بحيث أنّه لن يُوافق هذه المرّة على تسليم رئاسة الإتحاد إلى شخصيّة يُسمّيها المكتب العمّالي التابع لحركة «أمل». وأضافت المصادر نفسها أنّ «التيّار» الذي لا يملك فرصًا جدّية للفوز برئاسة الإتحاد، وفق التوازنات الحالية داخل الهيئة الناخبة، سيعمد إلى إطلاق معركة لتصحيح التمثيل، مُستندًا إلى النظام الداخلي للإتحاد، وتحديدًا إلى المادة الرابعة فيه، والتي جاء فيها ما حرفيّته: «الإتحاد العمالي العام في لبنان مُستقلّ عن كل حزب سياسي أو فئة سياسيّة، ولا يستلهم في مجال نشاطه سوى المصلحة العامة للعمّال في لبنان»، وسيُطالب بضرورة تعميم مبدأ المُناصفة بين المُسلمين والمسيحيّين في النقابات المهنيّة الحرّة والنقابات العمالية.

ولفتت المصادر النقابيّة المُطلعة إلى أنّ حركة «أمل» التي تتمتّع بثقل كبير داخل «الإتحاد» الذي يضمّ 50 إتحادًا ونحو 600 نقابة، تنبّهت لما يحصل، وبدأت العمل على خطّة مُضادة، بدأت بإستيعاب إرتدادات إزاحة الأسمر تحت الضغط، عبر تكليف نائب رئيس الإتحاد حسن فقيه القيام بمهمّات الرئيس، ولوّ من باب تصريف الأعمال، علمًا أنّ فقيه المحسوب على «الحركة»، سيدير الإتحاد ظرفيًا ولمدّة زمنيّة قصيرة، حيث يُفترض أن يتمّ إنتخاب ستة أعضاء جُدد بالقرعة بعد شهرين، على أن تلي ذلك دعوة المجلس التنفيذي للإتحاد لإنتخاب خلف للرئيس المُستقيل، وذلك بإشراف من قبل وزارة العمل.

وختمت المصادر نفسها أنّ حركة «أمل» كانت وقفت في السابق أمام مُحاولات لتغيير التوازنات السياسيّة داخل الإتحاد لمصلحة قوى «14 آذار» السابقة، يوم كان النائب السابق بطرس حرب وزيرًا للعمل، وهي تتحضّر للوقوف مُجدّدًا بوجه أي مُحاولات لتغيير هذه التوازنات المُستمرّة منذ عُقود، علمًا أنّ هذه المرّة، المُواجهة ستأخذ طابعًا طائفيًا وليس سياسيًا كما في السابق، في ظلّ إصرار «التيّار الوطني الحُرّ» على تغيير الواقع القائم داخل «الإتحاد». وأضافت: «فلمن ستكون الكلمة النهائية بهذا الصراع النقابي السياسي - الطائفي المُرتقب، أم أنّ الخلافات ستُسفر عن تأجيل إنتخابات الإتحاد حتى إشعار آخر؟».