بولا مراد

ما إن كتب رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر استقالته التي لا تتعدّى السطر الواحد، وسارع الاتحاد الى قبولها، حتى فتحت معركة سياسية لاختيار الخلف، بين رئيس مجلس النواب نبيه بري من جهة، ورئيس التيار الوطني الحرّ وزير الخارجية جبران باسيل من جهة أخرى، وهي معركة تنذر بفراغ طويل الأمد في رئاسة الاتحاد العمالي وتفريغ هذه المؤسسة من فاعليتها أقلّه لأشهر طويلة، وتراجع دورها القيادي في حماية حقوق العمّال والفقراء، وهي تنذر أيضاً بصراع قد ينشأ بين النقابات المنضوية تحت عباءة الاتحاد.

مؤشرات هذا الصراع بدأت مع تصريح الوزير باسيل من بكركي، الذي لوّح فيه بـ «مقاطعة الاتحاد العمالي حتى يضمن المعنيون حسن التمثيل». وأشار باسيل الى أن «ما حصل يجب أن يؤدي الى تصحيح الشراكة والتمثيل في البلد، ومن الطبيعي أن لا نعترف بالموقع حتى يتم تصحيح الوضع». وتأتي استقالة الأسمر من رئاسة الاتحاد غداة توقيفه والضغوط السياسية التي مورست عليه ودعوته للرحيل، وجاء أكثرها قساوة على لسان بري الذي دعا للمسارعة الى استقالة الأسمر أو إقالته من منصبه، بعد العبارات النابية التي صدرت عنه بحق البطريرك الراحل الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير.

كلام باسيل الذي أطلقه من على منبر الصرح البطريركي، قرأت فيه عين التينة رسالة سلبية، ومحاولة للإمساك بالاتحاد العمالي وإخضاعه لإملاءات فريق معيّن، وقراراً من باسيل بوضع اليد على الاتحاد ومن خلفه النقابات، واستكمالاً لخطة الاستئثار بكل المواقع المسيحية في الوزارات والإدارات والمؤسسات الأمنية والعسكرية، لكنّ مصادر مطلعة على أجواء عين التينة، رأت أن بري «غير مضطر لفتح معركة الاتحاد العمالي مع أحد، وهو لا يجد سبباً لذلك طالما أن رئاسة الاتحاد انتقلت بحكم القانون الى نائب الرئيس حسن فقيه، المحسوب على رئيس المجلس، وبالتالي هو غير مستعجل على انتخاب رئيس جديد، بل يرى انه يجب ترك هذا الخيار للنقابات المنتمية الى الاتحاد العمالي وتحرير هذه المؤسسة من الهيمنة السياسية، كي لا يكون رهينة مشيئتها». وأشارت المصادر الى أن برّي «يأمل بتحرير الاتحاد العمالي من الارتهان للقوى السياسية، ويكفيه ما تحمّله هذا الاتحاد من اتهامات سابقة للتبعية لما أسموها «الوصاية السورية» وحلفائها، ويتمنّى أن يترك للهيئات المكونة للاتحاد العمالي حرية انتخاب قيادتها التي تعبّر عن رأيها وتسعى لتحقيق مطالبها». واعتبرت المصادر نفسها، أن «سياسة وضع اليد مجدداً على الحركة النقابية، يشكل مقتلاً لها».

لكنّ هذه المواقف لم تقنع التيار الوطني الحرّ الذي اعتبرت مصادره أن «لا داعي للتذكير بمن ضرب الحركة النقابية تاريخياً، وحوّلها أداة طيعة لسياسته، وجعل منها كياناً بلا جدوى ولسنوات طويلة». وأوضحت المصادر أن «دعوة البعض الى ترك النقابات تختار قيادتها بالانتخاب، كلام حقّ يراد به باطلاً». ولفتت الى أن «الفريق الذي يطالب بتحرير النقابات من القيود السياسية، هو نفسه الذي اختلق عشرات النقابات وجعلها تفرّخ يمنياً ويساراً، لتكون له الكلمة العليا والغلبة في انتخابات الاتحاد العمالي، وتسبب لفترة طويلة في شقّ وحدة الاتحاد، وابقاه من دون فاعلية»، مستغربة كيف أن مطالبة باسيل بتصحيح التمثيل والشراكة «تشكل استفزازاً للبعض واستئثاراً بالمواقع المسيحية، الا إذا كان يطبق مقولة «ما لنا لنا، وما لكم أيضاً لنا».

وتخشى مصادر محايدة ومتابعة لتطورات ملف الاتحاد العمالي، أن يؤدي هذا المنحى، الى «ضرب استقلالية الاتحاد العمالي ووضع اليد عليه مجدداً، خصوصاً وأن الاتحاد العمالي يفترض أن يكون صمّام أمان العمّال وضابط الإيقاع بينهم وبين أرباب العمل، وأن يكون ضامناً لحقوق موظفي القطاع العام من جور السلطة، ومنعها من الاستفراد بالموظفين وهضم حقوقهم».

وينصّ النظام الداخلي للاتحاد العمالي، على إجراء انتخابات في حال شغور منصب الرئيس بالاستقالة أو الوفاة خلال مهلة ثلاثة أشهر، لكنّ ثمة خشية أن تطيح الخلافات السياسية بهذا الاستحقاق، ويتم اجتياز هذه المهلة من دون انتخاب الشخص الذي سيخلف بشارة الأسمر، ولاستدراك هذا الخطر، قررت قيادة الاتحاد العمالي إبقاء اجتماعاتها مفتوحة، ودعت كافة الأعضاء والنقابات الى «الالتفاف حول قيادتهم في هذا الظرف العصيب، كي لا يستغل الفراغ في رئاسة الاتحاد لتمرير سياسات اقتصادية مجحفة». وشددت على «المضي بالدفاع عن حقوق العمال والموظفين والمتعاقدين والمتقاعدين». وأسفت «للخلط الحاصل بين سلوك فردي مرفوض ومدان (ارتكبه الرئيس المستقيل) وبين مؤسسة وطنية ذات صفة تمثيلية لعبت دورا أساسيا بالحفاظ على وحدتها أثناء الحرب الأهلية اللبنانية والحفاظ على وحدة الوطن والمؤسسات وشكلت ضمانة للدفاع عن مصالح جميع العمال والموظفين والأجراء».