نبيه البرجي

المستشار الضاحك (على وزن الفروج الضاحك) بدا مقطّباً، متجهماً، مكفهراً، وهو يطلق «موقف القرن» الذي يفترض أن يتقاطع مع «صفقة القرن»، والا الويل والثبور.

قال «لمن يسأل الرئيس الحريري بماذا يصنّف سوريا... الرئيس الحريري يرى سوريا دولة عربية شقيقة، أخرجها بشار الأسد عن عروبتها، وسلّم قرارها لمحاور اقليمية ودولية، بعدما أغرقها في الدمار والحروب».

لاحظوا عبارة «بماذا يصنّف». لكأننا أمام أريسطو ينطق، أمام صلاح الدين الأيوبي ينطق، أمام نابليون بونابرت ينطق، أمام يوليوس قيصر ينطق، أمام الاسكندر ذي القرنين ينطق...

نحن بارونات الفساد، ونهب المال العام. نحن مهراجات القمامة، وملوك الصفقات والفضائح، نملك صلاحية تصنيف الآخرين، كما لو أننا لا نتسول على الأبواب، حتى لا يسقط الهيكل. وقد تصدعت كل جدران الهيكل.

«معليش»، عمار حوري طبيب أسنان. لا علاقة لاختصاصه بسيبويه، في علم اللغة، ولا بهارولد لاسكي، في علم السياسة . غير أن حضرة المستشار شاعر، وله دواوينه، كما أنه كتب في الدستور...

لا ندري لماذا اختير بالذات للحديث عن سوريا. عقاب صقر ليس فقط ضليعاً، بل وضالعاً، في المسألة السورية. غطاس خوري، بالرغم من كونه المستشار الأميركي، يتقن اللغة المخملية في مقاربة الملفات الساخنة. يفترض أن نشكر السماء لأن الرئيس الحريري لم يعيّن أحمد فتفت مستشاراً له أيضاً.

الحقيقة، لم نعرف ما مناسبة التصنيف، ولا من أراد السؤال عن موقف رئيس الحكومة، الضنين بذلك الاعلان الكاريكاتوري . النأي بالنفس الذي هو النأي عن النفس.

السياسة، يا حضرة المستشار تقتضي اللباقة، واللياقة، أحياناً الخجل. كنا نتمنى لو أرجأ «تصنيف» سوريا لبضع ساعات فقط، أي حتى تتوقف الغارات الصاروخية الاسرائيلية عليها (وهي الدولة الشقيقة)، الا اذا كانت «صفقة القرن» تقتضي التذكير، وخلال الغارة الصاروخية، بالموقف الذي هو موقف أولياء الأمر.

للمرة الألف، ليس دفاعاً عن النظام. الدفاع عن سوريا التي مثلما كانت هدفاً لجون فوستر دالاس، كانت هدفاً لعدنان مندريس ونوري السعيد، وتبقى هدفاً لسائر... حاخامات القرن.

على من يضحك المستشار الضاحك حين يرى أن بشار الأسد سلّم بلده «لمحاور اقليمية ودولية»؟ هل الرئيس سعد الحريري بعيد عن المحاور الاقليمية والدولية ؟ لعل المستشار لا يرى، ويفترض الاّ يرى، أن الأساطيل تقف حتى داخل غرف نوم من يجروننا بخيوط العنكبوت...

هل يتصور حضرة المستشار أن تصبح سوريا ايرانية ولو زلزلت الدنيا؟ أين هي ايران من الأمبراطورية الأميركية، وبقايا الأمبراطوريات الأوروبية؟ روسيا بحاجة الى سوريا بقدر ما سوريا بحاجة الى روسيا، حتى لا يكون الشرق الأوسط حلبة للمهرج، حلبة لمصاص الدماء .

يا رجل، قليلاً، قليلاً، من المنطق. كان على بشار الأسد أن يسلّم السلطة الى «الاخوان المسلمين» . هذه هي خطة السلطان العثماني. دمشق بعد القاهرة...

لو سقطت سوريا في أيدي البرابرة، هل كانت الدولة بقيت في لبنان، وقد شهدنا كيف استشرت الخلايا، وبتواطؤ مع ساسة لبنانيين لو كشفت اسماؤهم لاقشعرت الأبدان؟

متى كان هناك موطئ قدم للآخر في شريعة «الاخوان المسلمين». مصر مثالاً...

أكثر من مائة ألف مقاتل تم استجلابهم الى سوريا (حتى من الشيشان، حتى من داغستان، حتى من تركستان)، حين كانت عشرات الدول العربية والأجنبية تمدهم بالمليارات، فضلاً عن أحدث أنواع السلاح.

ياحضرة المستشار الضاحك (المكفهر). نحن نخجل أن نصنّف حتى أنواع الذباب. العباقرة في نهب المال العام، في تراكم الدين العام. الذين لا نستطيع أن نحل مشكلة القمامة، ولا مشكلة الكهرباء. الدولة التي لم تعد طرقاتها تصلح حتى للبغال...

حقاً، لا ندري ما الداعي المفاجئ الى التصنيف (تصنيف سوريا) . البلد على حافة الهاوية. الناس على حافة الضياع، الا اذا كانت هذه أوامر عرابي «صفقة القرن»، وكان الآتي أعظم.

حتماً، الآتي أعظم. اسألوا زوج السيدة ايفانكا لتعرفوا ماذا ينتظرنا. لا فارق هنا بين المستشار الضاحك و... المستشار المضحك!