حسن سلامه

لم تفض الـ 17 جلسة لمجلس الوزراء لاقرار مشروع الموازنة والاجراءات الموازية لتخفض العجز الى التوافق على «رزمة» من الخطوات ترضي جميع القوى السياسية المشاركة في الحكومة، بل ما اتفق عليه من بعض الاجراءات وافق وزراء بعض القوى السياسية على «مضض» حتى لا تؤدي الخلافات على انفجار الحكومة من الداخل، او على الاقل المزيد من التأخير في بت الموازنة، فيما الواقع المتأزم للبلاد يتطلب جملة خطوات سريعة تتناسب مع شروط مؤتمر «سيدر».

وتشير مصادر مطلعة على ما حصل في جلسات مجلس الوزراء ان معظم الجلسات شهدت نقاشات حادة بن وزراء ينتمون لمعظم القوى السياسية جراء النظرة المتناقضة للاجراءات المفترض اتخاذها، ان ما يتعلق بتخفيض الانفاق في الموازنة، وان حول الاجراءات والخطوات التي طالب بها وزراء عدد من الكتل، من حيث وضع آليات في الموازنة تفضي الى مواجهة التهرب الضريبي الجمركي ومسائل مماثلة على مستوى عدد من المرافق، بينما اصرّ وزراء ينتمون لعدد من الكتل النيابية بحصر الاجراءات ببعض التخفيضات في الموازنة، الى جانب بعض الضرائب غير المباشرة لتحسين واردات الخزينة، بينما الاقتراحات لتخفيض رواتب العاملين في الدولة بما في ذلك الاجهزة تلاقي حولها وزراء من الاتجاهين، الا ان اعتراض كتل اساسية على هذا الطرح - بينهم وزراء حزب الله وآخرون - حال دون تمرير تخفيض الرواتب بما في ذلك للمتقاعدين في الاجهزة الامنية وباقي اسلاك الدولة.

ورغم التكتم الذي حصل ما بعد الجلسات الاولى لمجلس الوزراء على عدم تسريب ما يحصل من نقاشات حادة بين الفريقين حول جملة واسعة من الافكار والطروحات التي تقدم بها وزراء من الطرفين، من موضوع الانفاق في المال العام، الى ما يتعلق بوضع آليات تمكن من مواجهة التهرب الضريبي والجمركي ومعهما الكثير من مكامن الهدر التي تقدّر بمبالغ ضخمة، وعلى خلفية طلب كتل اساسية تأجيل البحث في هذه الملفات الى مرحلة ما بعد اقرار الموازنة، ينقل مصدر سياسي قريب من مرجع كبير انزعاج الاخير ازاء تمسك بعض الاطراف السياسية المشاركة في الحكومة باقتصار الاجراءات على بعض المسائل التي لها علاقة بالانفاق في بعض مؤسسات الدولة، للتمكن من تخفيض العجز بحدود النقطتين، دون اتخاذ الاجراءات الجدية التي تتيح لاحقاً معالجة مكامن الهدر بمئات مليارات الدولارات في كثير من مرافق الدولة، فهذه الاطراف لا ترى موجباً لموازنة استثنائية تفتح الطريق امام مواجهة مكامن الفساد والهدر الكبرى في الدولة، ويعطي المصدر السياسي القريب من المرجع الكبير مثالين على ذلك:

- الاول: ان قيمة ما يتم استيراده سنوياً من الصين يبلغ اربعة مليارات دولار، بينما ما يتم استيفائه من رسوم جمركية ينحصر ببضائع مستوردة تبلغ قيمتها حوالى 800 دولار، ما يعني ضياع الرسوم والضرائب على الخزينة عن ثلاثة مليارات و200 مليون دولار مما يتم استيراده من الصين وحدها، وبالتالي يستشهد المصدر بما قاله النائب شامل روكز في مؤتمره الصحافي قبل ساعات في مجلس النواب عن تغاضي البعض عن مكامن الهدر الخيالية في الدولة.

- الثاني: تجاهل بعض الاطراف في الحكومة للانفاق غير المجدي الذي بمعظمه انفاق لمحسوبيات سياسية على غرار ما يقدم من مساعدات لعدد كبير من الجمعيات، بعضها وهمي او محسوب على جهات فاعلة، وبعضها الآخر يحصل على مساعدات بالتوازي مع ارباح ضخمة تحققها هذه الجمعيات او اللجان مما تقوم به من نشاطات، مثل جمعيات «الماراتون» او تلك التي تنظم المهرجانات.

ويشير المصدر السياسي الى ان مسألة مكافحة التهرب الضريبي والجمركي ان كانت تحتاج لبعض الوقت، نظراً لعدم وجود مقاربات واضحة لدى اجهزة الدولة المعنية، حول دقة الارقام التي تخسرها الخزينة جراء عمليات التهرب الضريبي والجمركي، الا انه كان من المهم بأن تضع الحكومة رؤية واضحة والآليات المفترضة، لاطلاق الاجراءات الجدية لوقف مكامن الهدر والتهرب الضريبي والجمركي.

ويشير الى ان النقطة الخلافية المباشرة التي لم يتم الوصول الى توافق حول تفاصيل مقاربتها تتعلق بالانفاق في الاجهزة الامنية، وبالاخص ما له علاقة بالتدبير «رقم 3»، واخرى تتعلق بالمتقاعدين العسكريين، بينما تخفيض رواتب العاملين في القطاع العام جرى تجاوزه، رغم ان بعض الاطراف تعتقد انه كان هناك حاجة لاحداث تخفيض في الرواتب، وبالتالي فالتخفيضات التي طالت العاملين في القطاع العام اقتصرت - بحسب المصدر - على تخفيض بدل النقل والساعات الاضافية وبعض التفاصيل المماثلة.

واذ، يشير المصدر السياسي القريب من المرجع الكبير ان مداولات مجلس الوزراء في الايام الماضية افضت الى الابقاء على التدبير «رقم 3» على ان يتم دراسة آليات تخفيض الانفاق الذي يتأتى عن التدبير المذكور، لاحقاً، ومن ثم يتم البت بها لاحقاً على الرغم من حصول تباينات كبيرة خلال بحث هذا الموضوع في الجلسات الاخيرة، حيث طالب بعض الوزراء بأن يصار الى الغاء التدبير «رقم 3» لما يرتبه من مبالغ كبيرة على الخزينة واحداث تخفيضات اخرى في انفاق الاجهزة في وقت رفض وزير الدفاع مثل هذا التوجه، حتى انه ابلغ مجلس الوزراء ان قيادة الجيش تعترض بالكامل على فكرة الالغاء، واما يعاد النظر بالمهام الاستثنائية التي تطلب من الجيش.

كما ان النقطة الاخرى التي لم تحسم نهائياً بما خص التدابير «رقم 3» وفق تأكيد المصدر المذكور تتعلق بتطبيق التدبير على باقي الاجهزة الامنية، على اعتبار ان مهام ودور الجيش اللبناني اوسع واشمل مما تقوم به الاجهزة الاخرى، فالجيش مكلف بحفظ الامن والاستقرار في كل بقعة من لبنان ومكلف بالدفاع عن البلاد في مواجهة اي عدوان خارجي او محاولات المس بالاستقرار على غرار ما حصل من دور مركزي للجيش في مواجهة التنظيمات الارهابية.

لذلك يوضح المصدر ان هاتين النقطتين لم يتم حسمهما بالكامل، رغم حصول اتفاق اولي على عدم الغاء التدبير «رقم 3» بما خص كثير من المهام التي يتولاها الجيش في مناطق مختلفة، ولذلك فحسم التفاصيل وآليات تنفيذ التدبير المذكور تنتظر الاجتماع المرتقب لمجلس الدفاع الاعلى في الايام المقبلة، حيث سيصار الى الاستماع لوجهة نظر قادة الاجهزة الامنية بما يمكن اقراره من اجراءات تخفف من تبعات تنفيذ التدبير «رقم 3» دون ان يؤثر ذلك على عمل ودور الاجهزة الامنية خاصة ما يقوم به الجيش اللبناني.