كتب ابراهيم ناصرالدين

اذا ما «ضرب» رئيس الحكومة سعد الحريري «يده» على «الطاولة» اليوم منهيا «جدلا بيزنطيا» في مجلس الوزراء، يفترض ان يخرج «دخان» الموازنة «الابيض» من السراي الحكومي اليوم قبل انتقالها في جلسة أخيرة الى بعبدا لاقرارها وارسالها الى مجلس النواب على وقع خلاف واضح داخل الحكومة واضراب عام شل المرافق الحيوية كاد يتسبب بأزمة محروقات جرى تلافيها مساء، وتخلل هذا النهار الطويل تظاهرات واعتصامات نقابية و«عسكرية» ومواجهات في ساحة رياض الصلح بعد محاولة المتقاعدين اقتحام السراي الحكومي، وانتهت الامور بجلسة لم تقارب الرواتب، ولم تقارب حقوق العسكريين، ومن المنتظر ان تبت اليوم بمسألة تخفيض رواتب النواب والوزراء من عدمه، علما ان ارقام خفض العجز وصلت الى 7، 6بالمئة..

في هذا الوقت، وفي ظل استمرار «رسائل» التحدي الايرانية، وتسابق التصريحات الاميركية «التهويلية» مع بدء مساع دبلوماسية لتخفيف حدة التصعيد بمساع عمانية، تخضع سياسة «النأي بالنفس» اللبنانية لاختبار جديد مع قبول لبنان دعوة السعودية للمشاركة في القمة الاسلامية نهاية الجاري بوفد يترأسه رئيس الحكومة سعد الحريري الذي سمع في بيروت كلاما اميركيا نقله مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الادنى دايفيد ساترفيلد، حول ضرورة وقوف لبنان مع دول الخليج في مواجهة «الاعتداءات» الايرانية.. فيما حذرت أوساط وزارية من مغبة مقاربة الايجابية الاميركية حول ترسيم الحدود الجنوبية «ببراءة» لان واشنطن التي تعمل على ترتيب شؤون المنطقة قبل تسويق «صفقة القرن» تحاول الالتفاف على سلاح المقاومة ومحاولة تحييده اولا للانتقال الى مرحلة تجريد حزب الله من سلاحه..

 «التهويل» الاميركي 

فعلى وقع «تهويل» اميركي حمله ساترفيلد الى لبنان من خلال تحذيره الإيرانيين بألا يختبروا تصميم واشنطن في الرد على أي استهداف للمصالح الاميركية في المنطقة، وعشية مشاركة رئيس الحكومة سعد الحريري في قمة مكة، طالب الموفد الاميركي الحكومة اللبنانية بموقف داعم لدول الخليج في مواجهة «الاعتداءات» الايرانية ومحاولة زعزعة استقرار المنطقة، لكنه في الوقت نفسه جدد تحذير السلطات اللبنانية من استخدام الاراضي اللبنانية للدفاع عن «المصالح» الايرانية مشددا على ضرورة ما اعتبره البقاء «بمنأى» عن التصعيد الإقليمي لما قد تكون له من تداعيات خطيرة على استقرار الساحة الداخلية...!

وكان رئيس الجمهورية ميشال عون تلقى دعوة من الملك سلمان بن عبد العزيز لحضور الدورة الرابعة عشرة لمؤتمر القمة الاسلامية التي ستعقد في مكة المكرمة في 31 ايار الجاري والاول من حزيران المقبل، وبعد تشاور بين عون والحريري تقرر ان يترأس رئيس مجلس الوزراء الوفد اللبناني الى القمة، وذلك لسببين رئيسيين الاول عدم احراج المملكة التي اختارت مكة لعقد القمة، اما السبب الثاني فيرتبط «بسقف» الموقف اللبناني من القضايا المطروحة حيث لا يرغب الرئيس عون في «تغطية» شخصية للمواقف العالية السقف ضد ايران.

 ما هو «سقف» لبنان..؟ 

ووفقا لاوساط وزارية لم يتم حتى الان التفاهم على «سقف» الموقف الذي يفترض بالرئيس الحريري ان يتبناه في القمة في ظل «السقوف المرتفعة» التي يسوق لها السعوديون، لكن تصريحات الرئيس الحريري في الافطارات الرمضانية الاخيرة، وانتقاداته غير المباشرة للامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله على خلفية مواقفه من المملكة، يشير الى بوادر «أزمة» سياسية مفتوحة، اذا ما خرج رئيس الحكومة عن التمسك بموقف لبنان بسياسة «النأي» بالنفس عن أزمات المنطقة، وقد حذرت أوساط وزارية بارزة من الانجرار وراء المواقف الخليجية لان البلاد لا تتحمل اي انقسامات عملية في الموقف، وستكون المهلة الفاصلة عن القمة مناسبة لتفعيل التواصل بين الافرقاء للخروج من هذه الازمة بأقل الاضرار الممكنة، والاتفاق على خيارات لبنان في هذه القمة، وعدم حصول اي انعكاسات على الواقع اللبناني، خصوصا ان القمة تتزامن مع كلمة للامين العام لحزب الله بمناسبة يوم القدس العالمي حيث سيكون لبنان حتما مع موقفين متناقضين من التطورات الاقليمية..

 «فخ» ترسيم الحدود..؟ 

على صعيد آخر حمل ساترفيلد الى بيروت اجوبة اسرائيلية على المقترحات اللبنانية، وقد التقى رئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الخارجية جبران باسيل، ووفقا لاوساط مطلعة على المحادثات فقد جرى استكمال البحث في موضوع ترسيم الحدود البحرية والبرية، مع الاشارة الى حصول تقدم في المساعي التي يقوم بها الموفد الاميركي، ولكن الامور لم تنته بعد بانتظار تبلور بعض الامور اللوجستية التي تعتبر اكثر المراحل دقة.. ولفتت تلك الاوساط الى ان الاجواء ايجابية حتى الان ومن المفترض ان يعود ساترفيلد إلى لبنان خلال أيام لإستكمال البحث بعد انتهاء المحادثات الحالية. ووفقا للمعلومات فإن واشنطن حصلت على موافقة اسرائيلية على حصول تفاوض غير مباشر بمشاركة الامم المتحدة كراع للمفاوضات، بينما ستبقى الولايات المتحدة تلعب دور الوسيط. ولم يجر حتى الان تحديد مستوى المفاوضين، حيث بات مفتوحا على انضمام خبراء وتقنيين في مسائل الحدود والقانون الدولي، وقد طالب الجانب اللبناني بضمانات جدية قبل البدء بمسار التفاوض حول التزام اسرائيل بما سيتم التفاهم عليه وعدم الاعتداء على الحقوق اللبنانية في البحر والبر. ولفتت تلك الاوساط الى ان خلفيات واشنطن ليست بريئة فهي تسعى الى ايجاد تسوية لملف الحدود الجنوبية، تحضر الاجواء لاعادة فتح النقاش حول سلاح حزب الله وهي ستضغط باتجاه ترسيم مشابه للحدود الشرقية، وذلك من خلال استعجال الاستراتيجية الدفاعية وتطبيق القرارين 1559 و1701. ولذلك فالمطلوب من لبنان عدم اعطاء اي ضمانات في هذا الشأن..

 تفاصيل الجلسة 

في غضون ذلك، اكد وزير الاعلام جمال الجراح ان جلسة اليوم الثلثاء ستكون الاخيرة، وتم البحث برواتب الوزراء والنواب بالامس، وسيتخذ القرار بهذا الشان اليوم في جلسة جديدة تعقد عند 12 ظهرا في السراا الحكومي.. واشار الى ان الارقام باتت واضحة، وبعض التفاصيل صغيرة ستتم صياغتها في جلسة اليوم، بعد ان بلغ العجز 7،6 % بفعل ضغط الانفاق في كافة الوزارات. ووفقا لمصادر وزارية فقد جرى اقرار فرض رسم مقطوع قيمته الف ليرة على كل «نفس» نرجلية في الفنادق والمطاعم، وزيادة رسم الطوابع في الخارجية من الف الى 5 الاف ليرة. وكذلك ضريبة على الزجاج الداكن 500الف ليرة اذا كان كليا و200 الف اذا كان جزئيا.... وضريبة على رخصة السلاح قدرها 200 الف ليرة، وقد اعترض كل من وزراء الحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية على هذا الرسم خوفا من انفلاش التسلح دون ضوابط، كما طالب بعض الوزراء برفعها الى 500الف. ولم يجر اي نقاش لا من قريب او بعيد برواتب العسكريين ولا التدبير رقم 3 ولم تكن تلك البنود على جدول الاعمال اصلا،وسيتم اليوم البت بمسألة رواتب النواب والوزراء.... وووفقا لتلك الاوساط، بلغت النفقات في الموازنة نحو 23 الف مليار ليرة، اما الايرادات فبلغت 20 الف مليار، كما جرى تأجيل مناقشة التدبير رقم 3 الى حين عودة قائد الجيش العماد جوزيف عون الى بيروت، وهو عاد ليل امس الاول من واشنطن في زيارة تمحورت حول المساعدات الاميركية للجيش اللبناني. ومع عودته يجري التحضير لاجتماع مرتقب للمجلس الاعلى للدفاع سيخصص لدرس موازنات الاجهزة الامنية والعسكرية والتدابير رقم 1 و 2 و3.

 وزير المال «مستاء» من باسيل..؟ 

ووفقا لتلك الاوساط، كانت الاجواء «مضبوطة» في الجلسة، ولكن على ايقاع من التوترالواضح بين وزيري المال والخارجية، وظهرت معالم الخلاف في تصريحات الوزراء بعد الجلسة، ففيما اكد الوزير جبران باسيل ان الحكومة تحتاج للمزيد من الوقت لإنجاز الموازنة، مشيرا الى ان الأجواء إيجابية بعد الوصول للمادة 90 كما ومناقشة امور مرتبطة بالاقتصاد ومنها 20 مشروعا لوزارة الاقتصاد والعمالة الأجنبية. سخر وزير المال علي حسن خليل من الحديث عن «انجازات» في ما تقدمت به وزارة الاقتصاد بالامس واشار الى ان حجم الايرادات غير مؤثر، وقد عبرخليل عن انزعاجه من تضييع الوقت، واشار الى انه لا مبرر للتأخير وكان يجب ان ننتهي اليوم (امس) من مناقشة مشروع الموازنة... لكن حصل تأجيل لا وجوب له والكلام عن جلسات عدة نحتاجها يتجاوز المنطق ويتجاوز ايضا حقيقة النقاشات في الداخل. واضاف خليل بان الحريري يعتبر ان لا مبرر للتأخير والتمييع الذي يحصل يخلق فرصة للشارع كي يبقى متوترا. وكذلك عبر وزير الصناعة وائل ابو فاعور عن موقف مشابه، وقال «كنا لننتهي اليوم من الموازنة لو لم تكن للبعض ارتباطات وقد غادرنا الجلسة على اساس ان تكون جلسة الغد (اليوم) هي الاخيرة».

 التظاهرات... والاضرابات

وكان العسكريون المتقاعدون قد صعدوا تحركهم خلال الاعتصام الذي ينفذونه في ساحة رياض الصلح، فاشتبكوا مع القوى الامنية وقطعوا الشريط الشائك ووصلوا الى أبواب السراي الحكومي مصرين على عدم ترك الساحة الى حين انتهاء جلسة مجلس الوزراء، فما كان من عناصر قوى الأمن إلا أن واجهتهم بخراطيم المياه، ووصلت تعزيزات لعناصر مكافحة الشغب وسط اتخاذ تدابير جديدة عند المداخل، ولاحقا دخل وفد من العسكريين المتقاعدين الى السراي الحكومي لمقابلة الوزير بو صعب للتفاوض بشأن مطالبهم، وبعد اللقاء اكد وفد العسكريين المتقاعدين انه سيتم عقد جمعية عمومية وبناء عليها سنتخذ القرارات والخطوات المقبلة بعد ان وعد الوزير بو صعب بانه سيتم حسم 3 % من رسم الطبابة وانه سيبحث مع قائد الجيش برسوم الطوابع التي ندفعها اما حول الاقتطاع من رواتبنا فأكد ان هذا الشأن ليس مطروحا. وهذا ما اكد عليه وزير الدفاع بعد الجلسة واعلن انه تم اعفاء عوائل الشهداء من اقتطاع 3 بالمئة من ضريبة الطبابة بناء على طلب المتقاعدين والامور الباقية المتعلقة بحسم 50 بالمئة من معاش التقاعد لأرملة العسكري وحرمان الابنة العزباء من المعاش لا صحة لها ولم يتم طرحها. وقال: استمعت لمطالب العسكريين واكتشفت أن الامور المقلقة بالنسبة اليهم غير مطروحة للنقاش وعبرت عن أسفي لهم كما دعا العسكريين المتقاعدين كي يعودوا الى الإنضباط وعدم السير وراء الشائعات. واضاف «نحن نخفض بموازنة الوزارة كما يتم التخفيض في موازنات الوزارات الأخرى وهذا أمر إيجابي يعود بالفائدة على الجميع»، أنا مؤتمن على وزارة الدفاع وعلى العسكريين وحقوقهم..

وكان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط قد علق على الأحداث التي تحصل في ساحة رياض الصلح واقتحام العسكريين المتقاعدين الجدار الأمني للسراي. وغرّد قائلاً: «هل يعقل ان تقف بعض من الدولة تتفرج على البعض الاخر يقتحم السراي الحكومي؟ هل يعقل ان نصل الى هذه الدرجة من الفوضى فقط لانه مطلوب اعادة النظر في التدبير رقم 3 في الحد الادنى لترشيد الانفاق؟ ما هو المطلوب الفوضى والافلاس ورفض الاصلاح؟ ما هو المطلوب رقم 3 او لا امن؟». وهل علينا ان ندفع ثمن صراع الاجنحة في «البيت الواحد»من اجل الرئاسة. ودعا جنبلاط الرئيس ميشال عون كي يحسم الامور..

لا أزمة محروقات.

وبعد ساعات من «الهلع» ادت الى زحمة على محطات الوقود، اعطى المدير العام للجمارك بدري ضاهر اوامره لمكاتب الجمارك باستلام تصاريح شركات النفط وبالتالي العودة لتسليم المحروقات، وكان تجمع الشركات المستوردة للنفط في لبنان قد اكد انه بعد عطلة نهاية الاسبوع، فتحت الاثنين الشركات المستوردة للنفط في لبنان ابوابها وحضر الموظفون كالمعتاد الى المكاتب والمنشآت، كذلك سائقي الصهاريج، لكن لم تتمكن هذه الشركات من تسليم المحروقات للسوق اللبنانية بسبب اعتكاف موظفي الجمارك عن العمل، وكانت المحطات مهددة بعدم تسليم المحروقات ابتداء من اليوم، بالرغم من توافر المادة في مستودعات الشركات. من جهة ثانية، يستمر اعتكاف القضاة وإضرابهم رفضا للمساس في مخصصاتهم وحقوقهم. ولبى المساعدون القضائيون في النبطية الدعوة الرامية الى الاعتكاف المفتوح وإلتزموا مكاتبهم، معتذرين عن عدم قبول المراجعات باستثناء ما يتعلق منها بالموقوفين والمهل...وقد التزم موظفو الادارة العامة الإضراب العام في مختلف المناطق اللبنانية، تلبية لدعوة هيئة التنسيق النقابية للإضراب العام الشامل في ساحة رياض الصلح، وأقفلت معظم المدارس أبوابها،وعند الثالثة بعد الظهر، انضمت رابطة التعليم الثانوي الى اعتصام رياض الصلح. وأشار نقيب المعلمين في المدارس الخاصة رودولف عبود الى أننا «نطالب المدارس الخاصة باحترام سلسلة الرتب والرواتب»، معتبرا أن «ما يحصل في صندوقي التقاعد والتعويضات معيب»، مطالبا بـ«تنفيذ القانون بدءا بصندوق التعويضات». وقد انسحب المعلمون قبل محاولة اقتحام السراي الحكومي..

 استقالة الاسمر.. 

في هذا الوقت يبدو ان ملف رئاسة الاتحاد العمالي العام سيبدأ في منحى جديد ابتداء من اليوم وفي بعدما أعلنت هيئة مكتب المجلس التنفيذي للاتحاد العمالي العام قبول استقالة بشارة الاسمر على أن يقوم نائب الرئيس حسن فقيه بصلاحيات الرئيس بحسب ما ينص النظام الداخلي للاتحاد، وفي موقف لافت شدد الاتحاد على «ضرورة إطلاق سراحه فوراً، وعودته إلى ممارسة عمله بشكلٍ طبيعي في الإهراء حيث أن لا مسوغ قانونيا لفسخ عقد عمله»...وفيما ادعت النيابة العامة الاستئنافية في بيروت على الاسمر بجرم قدح وذم وتحقير الشعائر الدينية حدد القاضي جورج رزق اليوم موعداً لإجراء التحقيق مع معه واتخاذ الإجراءات اللازمة، أعلنت مصادر مطلعة أن البحث لم يتطرق بعد الى انتخاب رئيس جديد للاتحاد وهذا الامر متروك للاتصالات السياسية التي بدأت بعيدا عن الاضواء لمنع حصول اي خلل في مركز الرئاسة من خلال استفادة البعض من «البهورات» التي ادعت الحرص على مقام البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير، فيما كانت اول من اساء له في حياته.