دوللي بشعلاني

تكتسي زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد الى لبنان في هذه المرحلة بالذات، أهمية بالغة نظراً لما يحصل من تطوّرات وضغوطات في المنطقة، ويستغلّها فرصة لأداء واجب العزاء بوفاة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير. فملف ترسيم الحدود البريّة والبحرية الذي «أوكله» لبنان للأمم المتحدة التي أرسل إليها في وقت سابق جميع الوثائق والمستندات والخرائط التي تؤكّد على حدود لبنان المعترف بها رسمياً، وتحفظ حقّه كاملاً في أرضه كما في المنطقة الإقتصادية الخالصة في البحر، بات أمراً ملحّاً، سيما وأنّ جميع الأطراف المعنيّة به تستعجل حلّه، وذلك للإستفادة من الغاز الطبيعي في البحر من قبل لبنان، كما لتحديد الحدود النهائية لـ«دولة إسرائيل» التي تعمل «صفقة القرن» على وضعها وتثبيتها من قبل العدو الإسرائيلي. ولهذا تفرض واشنطن نفسها اليوم وسيطاً في المفاوضات غير المباشرة من خلال موفدها ساترفيلد، كون العدو الإسرائيلي لا يُعوّل كثيراً على الأمم المتحدة ولا يلتزم بالتالي بالقرارات الصادرة عنها ولا عن مجلس الأمن الدولي.

وتقول أوساط ديبلوماسية عليمة بأنّ ساترفيلد الذي يسعى الى تسريع المفاوضات بشأن ملف ترسيم الحدود البرّية والبحرية والذي يجرّ منذ سنوات وعقود، إنّما يهدف الى ربط الأمور ببعضها البعض، علّه يستطيع عبر إنجاز هذا الملف أن يُحصّل للولايات المتحدة ما تريده من تحجيم لإيران ولحزب الله في لبنان من جهة، ولإسرائيل ما تريده في لبنان والمنطقة من جهة ثانية، وذلك قبل إعلان «صفقة القرن» بعد انتهاء شهر رمضان أي في الأسبوع الأول من حزيران المقبل. ويُناقش ساترفيلد مع المسؤولين اللبنانيين مسألة الرقعة البحرية المتنازع عليها بين لبنان والجانب الإسرائيلي في المنطقة البحرية، والعقوبات الأميركية الإقتصادية المشدّدة على إيران و«حزب الله»، وصولاً الى موضوع النازحين السوريين في لبنان وإمكانية موافقة واشنطن على عودتهم الآمنة في الوقت الراهن، في حال تجاوب لبنان مع مطالب الضيف الأميركي.

فساترفيلد يقوم بجهود حثيثة بهدف إنجاز ملف الترسيم، على ما أضافت الاوساط، ولإنهاء الخلاف البحري القائم مع العدو الإسرائيلي من خلال إيجاد صيغة ملائمة لذلك، علماً بأنّ مقترحاته السابقة قد جرى رفضها من قبل المسؤولين اللبنانيين، وكان الموقف الموحّد الصادر عنهم بأنّ «لبنان لن يتخلّى عن أي شبر من أراضيه (أي مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وبلدة الغجر التي تسعى إسرائيل للسيطرة عليها من خلال استمرارها في احتلالها، على غرار ما فعلت في هضبة الجولان السوري)، ولا عن أي كيلومتر من حصّته في المنطقة الإقتصادية الخالصة في البحر». وهذا الموقف، حاول ساترفيلد الإلتفاف حوله من خلال مجموعة إقتراحات تهدف الى تقاسم المثلث البحري بين لبنان والجانب الإسرائيلي، فضلاً عن بقاء القوّات الإسرائيلية في مزارع شبعا كونها «غير لبنانية» من وجهة النظر الأميركية.

وإذ ينقسم رأي المسؤولين اللبنانيين بين فريق مؤلّف من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، يرفض الفصل بين ترسيم الحدود البرّية والبحرية، فيما يؤيّد كلّ من رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل أحد اقتراحات ساترفيلد بضرورة حلّ كلّ من الترسيمين على حدة، تكشف الأوساط نفسها بأنّ واشنطن تودّ الفصل لكي تُنجز الملف البحري أولاً. فالعدو الإسرائيلي يهمّه أن يُنهي الخلاف العالق بينه وبين لبنان عند نقطة الناقورة لكي يتمكّن من استخراج النفط والغاز في المنطقة البحرية من دون أي إشكالات، سيما وأنّه بات في مرحلة التسويق الى الدول الأوروبية، ويودّ بالتالي معرفة إذا ما كانت واشنطن ستتمكّن من مساعدته على الحصول على نسبة معيّنة من الثروة الطبيعية الموجودة في الرقعة البحرية المتنازع عليها والتي تصل مساحتها الى 860 كيلومتراً مربعاً، ويُطالب العدو الإسرائيلي بالحصول على نسبة 40 % منها، فيما يُشدّد لبنان على رفض هذا الأمر كونه يُعتبر تعدّياً سافراً على حقوقه في البلوكات البحرية التابعة له.

أمّا مسألة الترسيم البرّي فتتطلّب إثبات «لبنانية» مزارع شبعا، وانتزاع الإعتراف بذلك من قبل النظام السوري الذي يملك الوثائق الرسمية، ولهذا فإنّ واشنطن تتجنّب إثارة موضوع الترسيم البرّي مع لبنان في المرحلة الحالية وذلك لعدم إقحام سوريا في هذا الأمر خصوصاً وأنّها لا تريدها أن تُعطيها أي دور في إنجاز هذا الملف. كما لأنّ مجرّد طرح مسألة سيطرة القوّات الإسرائيلية على المزارع وتلال كفرشوبا وقرية الغجر سيؤلّب المقاومة (أي حزب الله) مجدّداً ضدّ الإحتلال الإسرائيلي، وهذا ما لا تريده لا واشنطن، ولا إسرائيل في الوقت الراهن اللتين تتحضّران فيه لإعلان «صفقة القرن». وكشفت الأوساط الديبلوماسية نفسها بأنّ الجانب الإسرائيلي، يتمنّى توسيع جغرافية دولته التي يقيمها جرّاء احتلال الأراضي والاستيلاء عليها، فضلاً عن الاستيطان والتعدّي على حقوق دول المنطقة، لتشمل الأراضي اللبنانية التي لا يزال يحتلّها، علماً بأنّ القرار الدولي 1701 (2006) يُطالبه بالإنسحاب من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر، وهو لم يُنفّذ هذا البند من القرار المذكور ومن قرارات أخرى ذات الصلة، لا سيما القرار 425 (1978) الذي «دعا الى احترام سلامة لبنان الإقليمية وسيادته واستقلاله السياسي داخل حدوده المعترف بها دولياً»، ودعا إسرائيل «الى سحب جميع قوّاتها من الأراضي اللبنانية».

ووسط تشبّث كلّ من لبنان والعدو الإسرائيلي بموقفه حول مسألة الترسيم البحري، أكّدت الأوساط أنّ ساترفيلد أبلغ المسؤولين اللبنانيين أنّه مستعد للعب دور الوسيط من أجل التوصّل الى صيغة يُوافق عليها الجميع، كما طالب بضرورة معالجة دور حزب الله الداخلي والخارجي، لكي تتمكّن واشنطن بالمساعدة لاحقاً على حلّ أزمة النازحين السوريين في لبنان التي تُساهم في زيادة ديون الدولة اللبنانية.

ووصفت الأوساط الديبلوماسية بأنّ الإجتماع الذي جمع ساترفيلد وباسيل في الخارجية بالإيجابي جدّاً، تناولا خلاله الأحداث الجارية في المنطقة، بما فيها ما حصل أخيراً في الخليج. كما جرت مناقشة مسألة ترسيم الحدود البحرية والبرّية، وكان تبادل لوجهات النظر التي تطابقت في كثير من النقاط، على ما شدّدت، وتمّ عرض الاحتمالات التي يُمكن أن تُعرقل مشروع الحلّ اللبناني المقترح والذي يحظى بتوافق من الأطراف كافة.

وكشفت بأنّ ساترفيلد تبلّغ من الوزير باسيل أنّه سيستكمل مشاوراته لبنانياً ودولياً لكي يبلغ هذا الملف حلاً نهائياً يفتح الباب أمام استثمار لبنان لحقول الطاقة، كما قدّم للضيف الأميركي مخارج عدة تحفظ للبنان كامل حقوقه البرية والبحرية وتحقّق مصلحته الوطنية.