ابراهيم ناصرالدين

تلقى لبنان في الساعات القليلة الماضية «تطمينات» اوروبية مشوبة «بالحذر» حيال تراجع منسوب احتمال اندلاع صدام عسكري في المنطقة على خلفية تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وايران، فيما لاحظ بعض المسؤولين اللبنانيين مناخا اميركيا «تهادنيا» عقب المحادثات مع مساعد وزير الخارجية الاميركي دايفيد ساترفيلد فيما يرتبط بترسيم الحدود البحرية والبرية اللبنانية، فما هي اسباب هذه «المناخات» الاميركية الجديدة بعدما حمل المبعوث الاميركي سابقا تحذيرات وصلت الى حدود «التهديد»...؟

تعتقد اوساط دبلوماسية في بيروت ان هذا التطور له اسبابه المرتبطة «بالقلق» الاميركي ،وذلك ربطا بما تعتقده واشنطن بوجود استراتيجية ايرانية «هجومية» تحتاج في هذه المرحلة الى سياسة «استعابية» كي لا تنزلق الامور باتجاه مواجهة لا يرغب بها البيت الابيض حيث يصر الرئيس دونالد ترامب على عدم خوض حروب جديدة على الرغم من نوايا «شريرة» كامنة داخل المجلس الامن القومي الاميركي...

ووفقا لتلك الاوساط، لا تقتصر هذه المناخات على بيروت فقط، فواشنطن تتحرك على «خط» تخفيف حدة التوتر في المنطقة كي لا تنزلق «قدمها» الى «هاوية» لا تريدها، بل تسعى فقط الى «الرقص على حافتها»، فالايرانيون فاجأوا الجميع بالتقدم «خطوة الى الامام» اقله من خلال التغطية السياسية التي منحوها لانصار الله في اليمن لاستهداف خطوط النفط قرب الرياض بعد ساعات على الاستهداف «الملتبس» للناقلات النفطية «الفارغة» في ميناء الفجيرة الاماراتي، وهو ما اعتبرته الادارة الاميركية «رسالة» واضحة من طهران بانها مستعدة للذهاب بعيدا في المواجهة اذا ما استمرت عملية الضغط الاقتصادي الممنهج ضدها، فهي من جهة اعطت اشارات واضحة على استعدادها للانسحاب من الاتفاق النووي اذا لم تسارع اوروبا الى الايفاء بالتزاماتها ومنحت الاوروبيين 60يوما لمراجعة حساباتهم، فيما بدأت الاحداث تتدهور على «الارض» بما يوحي بان لدى الايرانيين خطة متدحرجة بدأوا تنفيذها لمواجهة «الغطرسة» الاميركية و«التلكؤ» الاوروبي...

وبحسب تلك الاوساط، يدرك الايرانيون ان الرئيس الاميركي الذي يتبنى استراتيجية «الضغط» الاقتصادي للحصول على تنازلات في المقابل، انصاع الى تحريض رئيس الامن القومي جون بولتون ومن وراءه اسرائيل الى «التهويل» العسكري، فجاء الرد باسرع من المتوقع، وبعد ساعات على ظنه بانه رفع سقف الضغوط على الايرانيين الى درجة انهم سيبادرون الى الاتصال به على الرقم الهاتفي الذي «اودعه» لدى سويسرا، صدر موقف سياسي واضح برفض التفاوض تحت «الضغط» او وفقا للشروط الاميركية، واقرنت طهران «القول بالفعل» حيث شعر الاميركيون للمرة الاولى منذ انسحابهم من الاتفاق النووي قبل عام ان هامش «المناورة» لديهم بات ضيقا للغاية وهم الان امام «مفترق» «طريق»، فاما يواصلون استراتيجية «حشر» ايران في «الزاوية» ويتحملون نتائج «غير محسوبة» تهدد الامن والسلم العالميين او يتراجعون «خطوة الى الوراء»، ويسمحون لموسكو و«الشركاء» الاوروبيين بمساعدتهم «بالنزول عن الشجرة»...

وتعتقد تلك الاوساط، بان واشنطن الان في مرحلة «مراجعة» لحساباتها بعدما «تبعثرت» «اوراقها»، فالاميركيون كانوا فيما مضى يبحثون عن «سر» العقلانية الايرانية في ضبط ردود الفعل على احداث «ضخمة» لمحاصرة مصالحها في المنطقة، لكنهم يعتقدون في واشنطن الان، ان «القيادة الثورية» في ايران والمتمثلة بالحرس الثوري اخذت «زمام المبادرة» بتغطية مباشرة من المرشد الاعلى السيد علي خامنئي بعدما منح «التيار التفاوضي» الوقت الكافي لتحقيق المصالح الايرانية واخفق بذلك،وهذا يحتاج الى «منهجية» جديدة في التعامل مع الواقع الجديد، وقد تكون اولى الخطوات «تدحرج» بعض «الرؤوس» في واشنطن، وفيما يحمل الديموقراطيون بوضوح البيت الابيض مسؤولية تضييع فرصة التفاهم مع ايران، ومسؤولية تعريض منطقة «حيوية» للاهتزاز، دخل الحلفاء الخليجيون في حالة من «الشك» ازاء نوايا واشنطن المستقبلية، بعدما ربطت الولايات المتحدة ردود فعلها بتعرض «مصالحها للخطر»، وقد انطلقت «وراء الكواليس» دعوات اميركية «للتريث» و«الهدوء»، بعدما تعرضت «سيادتهم» الوطنية الى انتهاكات امنية وعسكرية على مستوى غير مسبوق من «الخطورة»، وهذا ما بدا يطرح اكثر من علامة استفهام حيال تقدير الادارة الاميركية لما تعتبره تجاوزا ايرانيا «للخطوط الحمراء»...!

وفي هذا السياق، لا ترغب الادارة الاميركية في دخول العامل الاسرائيلي على خط التوتر لانها تدرك ان ما يمكن تجاوزه على المستوى الخليجي قد يصعب «هضمه» اذا ما ارتبط بامن اسرائيل، ووفقا للتقديرات في واشنطن ثمة خشية راهنا من امرين اساسيين: الاول تعرض الجنود الاميركيين «للخطر» في العراق وسوريا، والثاني تلقي اسرائيل «رسالة» مشابهة لما حصل في السعودية والامارات من خارج حدود قطاع غزة، خصوصا ان «البروفا» الاخيرة في «القطاع» غير مبشرة لجهة حجم ونوعية الرد الذي قامت به المقاومة الفلسطينية وخصوصا «حركة الجهاد الاسلامي»، وهو ما شكل برأيهم «رسالة» ايرانية واضحة بان اسرائيل لن تكون بمنأى عن اي توتر في المنطقة، والخشية اليوم من فتح «جبهات اخرى»، والقلق الرئيسي يرتبط بالحدود السورية الاكثر قابلية لتكون «صندوقة بريد» «متفجرة»، وهو ما بحثه على نحو جاد وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو مع نظيره الروسي..

ولان واشنطن لا ترغب في خروج الامور عن «السيطرة» تبدو الادارة الاميركية مهتمة ايضا في بقاء الجبهة اللبنانية «هادئة» ودون «مفاجآت»، ومع ان كل المؤشرات والمعطيات تؤكد ان حزب الله غير معني باي تصعيد، ولم يقترف في السابق اي خطوة غير «عقلانية»، تصر واشنطن على عدم ترك الامور «للصدفة» او «المفاجآت»، ولذلك جاء مساعد نائب وزير الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الادنى دايفيد ساترفيلد الى بيروت، حاملا في جعبته مواقف «لينة» من ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية، وذلك في سياق سحب «فتيل» متفجر قد يؤدي الى تطورات غير محسوبة...

واشارت مصادر سياسية مطلعة الى ما حمله ساترفيلد يحتاج الى «متابعة» فهو ابلغ المسؤولين ان الوساطة الاميركية احرزت تقدما فيما خص المناطق المتنازع عليها ولم يطرح مجددا نظريته حول ان يقبل لبنان بأن يستثمر ما بين 55 و60 في المئة من المنطقة المتنازع عليها من البلوكين 8 و9 ، على ان يترك الجزء الباقي منها معلقاً إلى حين ترسيم الحدود البحرية في شكل رسمي... كما «المح» ايجابيا لموافقة بلاده على الطرح اللبناني على اجراء محادثات بوساطة الامم المتحدة وبرعاية اميركية من اجل حل النزاعات الحدودية عند الخط الازرق وفي المنطقة الاقتصادية الخالصة في البحر... لكن تبقى الكثير من الامور العالقة حيال «حجم الدور» الذي ستلعبه الامم المتحدة، وما اذا كان ترسيمها المفترض سيكون ملزما لكافة الاطراف، ووفقا لا ي مبدأ سيحصل ذلك، وعندها سيقدم لبنان اجابات حول احتمال رفع مستوى التمثيل في هذه المحادثات غير المباشرة وما اذا كان سيشارك مع العسكريين تقنيون وديبلوماسيون...

وازاء هذه المعطيات، لا تبدو واشنطن مستعدة للدخول في حرب جديدة في المنطقة، وقد جاءت «الرسائل» الايرانية المتتالية لـ«تكبح جماح التهور» الاميركي، الان الجميع في مرحلة «اعادة» الحسابات، فاما «الامن للجميع او لا امن لاحد»، وهذا الامر قد يفيد لبنان مرحليا، لان الاميركيين يسعون لتحييد الساحة اللبنانية خدمة «للامن الاسرائيلي»، لكن يجب عدم الركون للوعود الاميركية حيال ترسيم الحدود فالامر يحتاج الى متابعة دقيقة، وحسم سريع للنقاط العالقة، كي لا تكون «المهادنة» الاميركية مرحلية بانتظار تغير الاجواء في المنطقة...