ناجي سمير البستاني

مطلع آذار الماضي، زار مُساعد وزير الخارجيّة الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، دايفيد ساترفيلد، لبنان، حيث أجرى سلسلة من المُحادثات مع عدد من المسؤولين الرسميّين وغير الرسميّين. وللمرّة الثانية في غُضون شهرين، عاد هذا الدبلوماسي الأميركي المُخضرم مُجدّدًا إلى لبنان، حيث إلتقى الرؤساء الثلاثة إضافة إلى وزير الخارجيّة. فما هي المعلومات المتوفّرة بشأن جديد هذه اللقاءات؟

بحسب أوساط سياسيّة مُطلعة إنّ المبعوث الأميركي طالب المسؤولين اللبنانيّين الرسميّين بتفاصيل عملانيّة للأفكار التي توحّدوا على رفعها في الماضي القريب، إلى سفيرة الولايات المتحدة الأميركيّة المُعتمدة في لبنان، إليزابيت ريتشارد، بشأن آليّة العمل الخاصة بترسيم الحُدود البحريّة الجنوبيّة. وكشفت الأوساط أنّ تقدّمًا كبيرًا تحقّق خلال لقاءات ساترفيلد، لكنّ التباين بقي قائمًا بين آليّة ترسيم الحُدود المُقترحة من قبل الجانب اللبناني وتلك المُقترحة من قبل الجانب الأميركي. وأوضحت أنّ لبنان يُطالب بترسيم الحُدود البحريّة والبريّة في آن واحد، بعكس أميركا التي تُطالب حاليًا بحصر المسألة بالحدود البحريّة، على أن يتمّ تأجيل البحث في مسألة الحدود البريّة إلى مرحلة لاحقة.

وأضافت الأوساط نفسها، أنّ المسؤولين اللبنانيّين أصرّوا على أن يشمل الترسيم الحدود البرّية بموازاة الحُدود البحريّة، إنطلاقًا من أنّ من شأن الترسيم البرّي أن يُثبّت حُقوق لبنان في مياهه الإقليميّة، باعتبار أنّ الترسيم البحري يستند بالدرجة الأولى إلى الحُدود البريّة لكل دولة، وقد وعد ساترفيلد بنقل هذا الطلب بتفاصيله إلى الإدارة الأميركيّة التي من المعروف أنّها تُعارض هذه الفكرة، مُتذرّعًة بأنّها ستُعقّد الأمور كثيرًا، حيث ستُدخل كل الخلافات على «الخط الأزرق» ومسألة مُلكيّة «مزارع شبعا» إلى الملفّ دُفعة واحدة، بينما الجميع حاليًا ـ برأيه، بحاجة إلى آلية ترسيم تُنهي الخلافات البحريّة في هذه المرحلة، لتسريع وتيرة الأعمال الرامية إلى إستخراج الثروات النفطيّة والغازيّة من البحر الأبيض المتوسّط.

وكشفت الأوساط السياسيّة المُطلعة أنّ لبنان أصرّ أيضًا على رفض الإقتراحات التي وردت على لسان أكثر من مسؤول أميركي رفيع، مثل وزير الخارجيّة الأميركي مايك بومبيو والمُوفد الأميركي الخاص إلى المنطقة فريديريك هوف، بشأن سُبل حلّ الخلافات البحريّة بين لبنان وإسرائيل، لجهة منح لبنان نحو 60 % من الأراضي المُتنازع عليها في مُقابل حُصول إسرائيل على الجزء الباقي، وذلك بهدف إطلاق أعمال التنقيب عن النفط والغاز وإستخراجه في أسرع وقت مُمكن. وبحسب المعلومات، فإنّ لبنان أصرّ على حُقوقه على كامل مساحة المنطقة البحريّة المُتنازع عليها، وهي مُقدّرة بما لا يقلّ عن 860 كيلومترًا مربّعًا، وتشمل كلاً من الكتلتين 8 و9 بحسب الترقيم اللبناني للبلوكات النفطيّة والغازيّة في مياهه.

وتابعت الأوساط السياسيّة المُطلعة أنّ التقدّم الذي تحقّق في لقاءات ساترفيلد الأخيرة طال مسألة التنفيذ الميداني لعملية ترسيم الحُدود. وأشارت في هذا السياق، إلى أنّ الولايات المتحدة الأميركيّة التي كانت تضغط في السابق لأن يُوافق لبنان على ترسيم حدوده البريّة والبحريّة، عبر مُفاوضات متعدّدة الأطراف طالما أنّ التفاوض الثُنائي مع إسرائيل مرفوض كليًا، في مُقابل رفض الجانب اللبناني أيّ تفاوض لا ُثنائي ولا مُتعدّد الجهات مع العدو الإسرائيلي، تراجعت جزئيًا في هذه المسألة. وبحسب الأوساط السياسيّة نفسها، إنّ ساترفيلد أبدى هذه المرّة تفهّمًا كبيرًا لمطلب لبنان الداعي إلى إجراء تفاوض غير مُباشر عبر لجنة الهدنة أو لجنة مُشابهة فقط لا غير. كما تعامل بإيجابيّة مع دعوة لبنان إلى تطبيق آليّات سبق وأن أثبتت نجاحها عند رسم «الخط الأزرق» البرّي، برعاية الأمم المتحدة، بعد تحرير الجنوب من الإحتلال الإسرائيلي في العام 2000، على عمليّة ترسيم الحدود البحريّة المُرتقبة في المُستقبل، مع العلم أنّ لبنان يُطالب بأن تكون هذه الحُدود غير نهائيّة، ومُراقبة من جانب القوّات الدَوليّة أيضًا، بغطاء سياسي دَولي واسع، وذلك بهدف منع «إسرائيل» من التعدّي على الحُقوق البحريّة للبنان، ومن فرض وقائع غير قابلة للتغيير.

وأشارت الأوساط السياسيّة المُطلعة إلى أنّ التوافق كان قائمًا بين الطرفين اللبناني والأميركي على أن تتواصل الإتصالات لتحديد الجهة التي ستتولّى الإشراف على المُفاوضات غير المُباشرة، من جانب الأمم المتحدة، وكذلك لتحديد مُستوى التمثيل في هذه المفاوضات التي ستكون برعاية وبمتابعة أميركيّة، وما إذا كان هناك من ضرورة لتضمّ عسكريّين أو دبلوماسيّين إلى جانب الوفد التقني المُتخصّص بالترسيم الحُدودي.

وتوافق الطرفان أيضًا ـ بحسب المعلومات المتوفّرة، على ضرورة مُواصلة مُعالجة الخلافات الحُدوديّة البرّيّة والبحريّة مع إسرائيل بالأساليب الدبلوماسيّة وبالتنسيق مع قوّات الأمم المتحدة والمُجتمع الدَولي، من دون السماح لأي خلاف على البلوكات البحريّة المُرتبطة بإستخراج النفط والغاز بالتحوّل إلى مُواجهة ميدانيّة، تحت أي ظرف من الظُروف، وكذلك على ضرورة الحفاظ على الإستقرار القائم منذ سنوات على طول «الخط الأزرق» بمعزل عن أيّ توتّر إقليمي، مع الحرص على تطبيق القرارات الدَوليّة وعلى العمل على وقف الخُروقات.

وختمت الأوساط السياسيّة المُطلعة كلامها بالقول إنّه على الرغم من إستمرار التباينات بين رؤية كل من واشنطن وبيروت بشأن ترسيم الحُدود، فُتح الباب واسعًا لحلّ مُعضلة ترسيم الحدود، مع توقّع تكثيف الإتصالات على غير مُستوى لتسريع وتيرة البحث عن حلول للتفاصيل العالقة.