نبيه البرجي

في تلك الليلة، بدا جون بولتون وكأنه تقمص شخصية الجنرال دوغلاس ماك آرثر. ديبلوماسي خليجي قال لنا ان مستشار الأمن القومي أوحى لمن اتصل بهم من «الصقور العرب»، بأن ساعة الصفر قد أزفت. أيام قليلة وتتحول ايران الى «أرض يباب»، كما هو عنوان القصيدة الشهيرة لـ ت. س. اليوت.

دعا الصقور لإعداد زجاجات الشمبانيا. لن يبقى هناك وجود لآيات الله. لم يتحدث عن النظام البديل، وان كان قد التقى، مرة واحدة، رضا شاه الثاني، الابن البكر للشاه المخلوع من زوجته فرح ديبا.

كل شيء كان جاهزاً للحرب. حتى المستشفى الميداني الذي عبر قناة السويس. هذا جعل الرأي العام في المنطقة يحبس أنفاسه. جنرال مصري شاهد ضخامة المستشفى قال «ربنا يستر»!

ربما تكون هناك مفاجأة وشيكة. اقالة جون بولتون من منصب مستشار الأمن القومي، بعدما كان الجنرال مايكل فلين، والجنرال هربرت ماكماستر، قد أبعدا عن المنصب لأنهما كانا يناقشان الرئيس في تغريداته. الأخير ما لبث أن وصف دونالد ترامب بـ«الخنزير الذي يقلد البلابل». اعتبر أن هذا الاسلوب في صياغة، أو في ادارة، السياسات، لا يصلح حتى للتوتاليتاريات الرثة.

ترامب قال انه بعث بحاملة الطائرات، وبالقاذفات (النووية)، للاقتصاص من ايران اذا ما حاولت الاعتداء على أهداف أميركية، أو على أهداف حليفة.

تل أبيب «أكدت» أن الايرانيين وراء التفجيرات التي حصلت لأربع ناقلات للنفط قرب الفجيرة. عادة، البيت الأبيض يتبنى، ميكانيكياً، كل ما يصدر عن اسرائيل

في مثل هذه الأحوال. لاحظوا التلعثم في تعليق مسؤول أميركي «وكالات الأمن القومي الأميركية «تعتقد» الآن أن «وكلاء» متعاطفين مع ايران، أو يعملون لحسابها، «ربما» هاجموا الناقلات، لا ايران نفسها».

ثم قال ان بلاده «لا تمتلك دليلاً قاطعاً على من تولى عمليات التفجير».

الأمبراطورية لا تحتاج الى ذرائع. غزت افغانستان بحجة أن أسامة بن لادن الذي خطط لأحداث 11 أيلول 2001 موجود هناك. مجرد وجوده يفترض غزواً ما زال مستمراً منذ أكثر من 17 عاماً. وبتلك الحجة الكاريكاتورية، والساذجة، حول امتلاك نظام صدام حسين أسلحة الدمار الشامل، جرى غزو العراق عام 2003.

الغاية آنذاك تحويل العراق الذي يتاخم قوس الثروات، وقوس الأزمات، (سوريا، السعودية، الأردن، الكويت، تركيا، ايران)، الى غرفة عمليات لادارة لعبة الخرائط. احداث انقلاب دراماتيكي في المعمارية الجيوسياسية، والجيوستراتيجية، للشرق الأوسط.

جون بولتون يعلم أن الغارات الجوية، والصاروخية، لا يمكن أن تؤدي الى تقويض النظام. لا بد من الاجتياح البري. هو من سرّب المعلومات الى «النيويورك تايمز» حول خطة القائم بأعمال وزير الدفاع باتريك شاناهان بإرسال 120 ألف جندي لمواجهة ايران، والتي عرضها على كبار المساعدين الأمنيين للرئيس.

البنتاغون لم يوافق على الخطة. هو الذي يرفض «وضع جنودنا بين أسنان مقاتلي الحرس الثوري».

بعد الذي سمعه مايك بومبيو في بروكسل، ثم في موسكو، بدا أن الولايات المتحدة ستكون وحيدة في الميدان...

لا مجال للمحاكاة بين الأرمادا الأميركية، بامكاناتها الاسطورية، والترسانة الايرانية. هذا لا يعني أن الحرب بمثابة نزهة على أرصفة الف ليلة وليلة.

بصراحة، قال الأوروبيون للوزير الأميركي أن قياداتهم العسكرية، واجهزة الاستخبارات لديهم، تعتبر ان اي حرب ضد ايران تستدعي، حتماً، اللجؤ الى الخيار النووي. هل يمكن للبيت الأبيض أن يستوعب التداعيات الكارثية لمثل ذلك الخيار؟

في موسكو كان الكلام البراغماتي. أين مصلحتكم في أن تلاحقكم الحرائق في الشرق الأوسط؟ الأميركيون، والأوروبيون، مقتنعون بأن الايرانيين هم وراء تفجيرات الفجيرة. التحليل الدقيق أظهر أن العملية البعيدة جداً عن الشواطئ الايرانية، نفذت بحرفية مذهلة ان على المستوى الميداني أو على المستوى التقني.

من يستطيع تفجير الناقلات، وكان بالامكان تدميرها، يمكنه تفجير حاملات الطائرات، والبوارج، وسفن الانزال. لا داعي للمقارنة الكلاسيكية بين القوة الأميركية والقوة الايرانية. ولكن هناك أساليب شتى للمواجهة. النموذج الايراني أكثر تعقيداً بكثير من النموذج الأفغاني. ماذا حقق الأميركيون في الصراع مع «طالبان»؟

المشكلة الآن، كيف يتراجع دونالد ترامب؟ هل يؤمن له الروس التغطية؟ مايك بومبيو عاد مقتنعاً بأن ليلة الشمبانيا قد تتحول الى ليلة التوابيت. في موسكو، قال «لا حرب». الاستعراض العسكري الضخم تحول الى مسرحية كوميدية على غرار مسرحيات البيفرلي هيلز.

لم يعد خافياً أن هناك دولاً خليجية تدرك مدى هشاشة الأوضاع في المنطقة. هذه الدول أبلغت واشنطن بأنها ترفض استخدام أراضيها في عمليات عسكرية ضد ايران كونها لا تستطيع تحمل الانعكاسات الهائلة لذلك. هل يسدل الستار على الكوميديا، وتعود حاملة الطائرات، والقاذفات، الى قواعدها؟

هذا لا بد أن يصدم القاعدة الشعبية للرئيس الأميركي، وقد جرت تعبئتها لانتظار قادة ايران في طريقهم الى غوانتنامو، كما يصدم الحلفاء في المنطقة الذين كانوا يتوقعون أن يرفع آيات الله الرايات البيضاء.

المعلق الأميركي البارز روبرت كيفن قال «هكذا سقط دونالد ترامب في الفخ». للقصة بقية...