نور نعمة

البطريرك صفير جسد لبنان الناهض من ركام الحرب الى لبنان الدولة التي تدفن آثار التقاتل وتتطلع لمستقبل مشرق. شكل الملجأ للمسيحيين ودافع عن حقوق المظلومين وعاند من اجل حرية شعبه فاصبح البطريرك القائد المدرك لضرورة قيام الدولة وقلب صفحة الحرب التي انهكت الجميع وارهقت الوطن ومزقته وشرذمته.

البطريرك مار نصرالله بطرس صفير كان القدوة في محبة الوطن وفي محبة مواطنيه. حمل مشعل الحرية والسيادة والكرامة للبنان اينما كان وفي كل المناسبات واللقاءات والزيارات.

اليوم رحل البطريرك صفير تاركا وراءه ارثا تاريخيا ومجدا عظيما من مواقف جبارة وثبات واستقامة وهو سيبقى محفورا في قلوبنا وفي ذاكرتنا والاهم في تاريخ لبنان العظيم. السيادة عنده لم تكن ضمن مفاهيم عدة بل كان لها مفهوم واحد وهو عدم قبول تدخل اي دولة في شؤون لبنان الداخلية او احتلال ارضه وتهجير شعبه. واجه الوجود السوري وانتقد الممارسات الخاطئة التي قام بها بعض المسؤولين السوريين في لبنان كما ندد بالعدوان الاسرائيلي على لبنان ورفض اي تعد على شبر من ارض لبنان.

البطريرك صفير رعى المصالحة في الجبل واظهر عظمة التسامح والغفران وهكذا عادت الحياة الى الجبل والجراح بدات تندمل بعدما امعنت الحرب في تفكيك الجبل وتحويله الى متاريس حربية ونفسية .زيارته للجبل ودعمه المصالحة اسساً لصفحة جديدة او بالاحرى مرحلة جديدة بين الدروز والمسيحيين واظهر للجميع ان العيش المشترك والسلام هما اركان الدولة السليمة.

البطريرك صفير هو بالفعل بطريرك الاستقلال وهو البطريرك البطل الذي وقف بوجه كل الاعاصير التي هبّت بوجه لبنان فواجهها بايمانه العميق وعزيمة المناضلين واستقامة رجل دولة. احب لبنان حتى العشق فلم يبخل عليه باي تضحية او اي مصارحة او اي حوار يؤسس لمستقبل افضل. علم ان الحرية هي اساس لبنان ومن دونها يزول لبنان ولذلك ناضل من اجل الحريات في هذا الوطن الصغير الذي تكاثرت الاطماع فيه وسالت دماء كثيرة فيه لكن البطريرك صفير لم ترهبه الصعوبات ولا الصفقات الاقليمية او الدولية بل ظل متمسكاً بحق لبنان ان يكون سيدا حرا مستقلا. لم يغير موقفه حسب المصالح الخارجية بل بقي متشبثا اكثر في مصلحة لبنان وقدسية هذا الوطن.

البطريرك صفير قهر الموت بالخلود ذلك ان ذكراه ومواقفه ومسيرته ستبقى خالدة عصية على الموت وعلى النسيان. الجميع توافدوا الى وداعه لانهم يعلمون ان من كان مثله لا يمكن ان يموت ولا يمكن للنسيان ان يمحيه من ذاكرة الوطن الذي نذر حياته من اجله.

اليوم نودع البطريرك صفير وكلنا طمأنينة وفخر وفرح اننا عشنا في حقبة هذا الرجل العظيم الذي كرس حياته من اجل مستقبل افضل للبنان واكثر من ذلك اننا عشنا وشهدنا على مسيرة بطريرك لم يغير مبادئه بل كرسها من اجل الحفاظ على سيادة لبنان حتى الممات.