بولا مراد

الطعن الذي تقدّم به المرشّح الخاسر في الانتخابات الفرعية في طرابلس يحيى مولود، وطالب فيه مجددا بإبطال نيابة ديما جمالي، شكّل إحراجاً كبيراً للنائبة الشابة ولكتلة «المستقبل» التي تنتمي اليها، وولّد قلقاً حقيقياً من إمكانية إبطال نيابتها مرّة ثانية، باعتبار أن جمالي قدّمت في مقابلتها التلفزيونية الأخيرة الأسباب الموجبة لقبول الطعن، عبر اعترافها الصريح بدفع رشى مالية لبعض الناخبين بمثابة «بونس» للطرابلسيين «لتظبيط أوضاعهم»، وهو ما خلق قاعدة صلبة لقبول هذا الطعن في الشكل، والدخول في الأساس لمناقشته مع ما يترتب على ذلك من نتائج تبقى ملك المجلس الدستوري، والقناعة التي سيصل اليها، بناء على المعلومات الموثقة بالصوت والصورة.

لا يمكن التكهّن مسبقاً بالنتيجة التي سيخلص اليها الطعن، الا أن هذه المراجعة تكتسب بعدين قانوني وسياسي، ففي البعد الأول قدّمت جمالي بنفسها الدليل على دفع الأموال في الانتخابات الفرعية عبر ماكينتها الانتخابية الهائلة القدرات، والتي لا يمكن مقارنتها مع ماكينات المرشحين المغامرين، وهو ما يتعارض مع أحكام قانون الانتخاب الذي يجرّم شراء الأصوات والذمم من أجل التأثير في قناعات الناخبين وتغيير النتائج في صناديق الاقتراع، وهو ما يعطي المجلس الدستوري دليلاً على جوهر الشوائب التي اعترت الانتخابات الفرعية، والتي سيعززها لاحقاً تقرير هيئة الاشراف على الانتخابات، وما قد يتضمنه في هذا الخصوص ليبنى على الشيء مقتضاه.

أما في الشقّ السياسي، فثمّة نقطة قد تصبّ في صالح النائبة الشابة، وربما تثيرها بقوّة جمالي وفريقها السياسي والقانوني، وهي أن قبول الطعن هذه المرة يعني استهدافاً سياسياً لكتلة «المستقبل» بما تمثّل في الشارع السنّي وفي الحالة الوطنية، واستهدافاً مباشراً للرئيس سعد الحريري، على قاعدة أن دفع المال الانتخابي لا يعني رشوة الناخبين وشراء الأصوات، إنما يندرج ضمن بنود النفقات الانتخابية التي ينصّ عليها القانون ويحدد سقفاً لها، مثل تعيين المندوبين والمصاريف الانتخابية، خصوصاً في غياب الدليل على دفع الرشى، حتى أن كلام ديما جمالي لا يكفي وحده كدليل للإدانة وابطال نيابتها، لأن النائبة المذكورة لم تحدد كيفية دفع المال خلال الانتخابات، ما يعطي هامشاً كبيراً لتفسير كلامها وسوء تعبيرها.

وفي مقابل خوض معركة تثبيت نيابة جمالي، تعترف أوساط تيار «المستقبل» بأن النائبة المذكورة باتت حملاً ثقيلاً على التيار بفعل هفواتها المتراكمة، والتي طالما أحرجت الأمين العام للتيار أحمد الحريري طيلة فترة قيادته حملتها الانتخابية، وإقامة المهرجانات في عاصمة الشمال التي استمرّت أكثر من شهر، وهو ما تسبب بنقمة شعبية كبيرة لدى جمهور التيار الأزرق، جرّاء الإصرار على خوض المعركة بشخص جمالي واستبعاد قيادات بارزة مثل الدكتور مصطفى علوش، المعروف بنضاله داخل التيار منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، ووفائه للحريرية السياسية التي لم تبادله هذا الوفاء.

في المقابل ثمّة مشكلة قانونية قد تشكل إحراجاً للمجلس الدستوري، انما بنفس الوقت ملاذاً للنائبة جمالي للإفلات من ابطال نيابتها، أو تعليق البت بها الى أمد طويل، ويرى مصدر قانوني، أن ثمة إشكالية حقيقية تطرح الآن حول مدى قانونية نظر المجلس الدستوري في هذا الطعن، بعد أن بات المجلس الحالي خصماً حقيقياً للنائبة المطعون بنيابتها، جرّاء الدعوى القضائية التي تقدّم بها المجلس بشخص رئيسه الدكتور عصام سليمان ضدّ جمالي، بجرم القدح والذم، على خلفية اتهامها له بالخضوع للضغوط السياسية، ما أدى الى ابطال نيابتها في المرّة السابقة قبل إعادة انتخابها.

ويشدد المصدر على أن أي دعوى قضائية يشتمّ منها وجود صلة قرابة أو صداقة أو خصومة بين القاضي الذي ينظر فيها وأحد المتقاضين تفرض على القاضي التنحّي عنها، وإحالتها الى مرجع قضائي آخر، وبالتالي فإن ما ينطبق على النظام القضائي ينسحب على المجلس الدستوري، لأن الأخير هو هيئة واحدة، اللهم الا إذا جرى تسجيل المراجعة في قيود المجلس، وبقيت عالقة الى حين انتخاب وتعيين المجلس الدستوري الجديد.

قد يكون مبكراً التكهّن بالنتيجة التي سيخلص اليها الطعن، الا أن مصادر طرابلسية تؤكد أن جمالي باتت في وضع لا تحسد عليه، سواء ابطلت نيابتها أم لا، ومردّ ذلك الاستنتاج إلى أن هذه النائبة رغم شهاداتها العلمية تفتقر الى «الكاريزما» السياسية التي تؤهلها البقاء تحت قبّة الندوة البرلمانية لدورة جديدة، كما أن قيادة تيار «المستقبل» لن تكرر تجربتها في ترشيح هذه الشخصية في الانتخابات النيابية المقبلة، بعدما وصلت الى قناعة مفادها أن محاولة تجديد العمل السياسي بعنصر شبابي، لا يعني دائماً أنه خيار موفق.