المحامي ناضر كسبار

} وداعاً احمد صفصوف }

على اثر وفاة المحامي احمد صفصوف، امين سر مجلس نقابة المحامين، رثاه المحامي سعيد نصر الدين فقال:

رحلت ايها الحبيب ولم ارك، كنت اسأل عنك واتتبع اخبارك لكني لم ارك.

رحلت بعد اشتداد آلامك وتفاقم مرضك وثقل معاناتك ولم ارك.

سامحني ايها الكريم، فقد قصرت في عيادتك، واعذرني ايها الحبيب فإني لم اكن جحوداً ولا مَسّني داء النسيان، بل عز علي ان اراك مريضاً ان اراك ضعيفاً، انت الذي ما التقيته الا مبتسماً قوياً صبوراً على الشدائد والهموم، ما التقيته الا انيقاً ولا سمعته الا متفائلاً ومطمئناً الى مقبل الايام ...لكنه الموت يأتينا ولو كنا في ابراج مشيدة.

سامحني فقد عز علي ان ارى كيف صارت تقاسيم وجهك الذي اعتصره الالم وكيف نال المرض من بسمتك الحلوة «الطالعة» من القلب، بسمة وطهارة طفل.

لقد كانت بسمتك بسمة طفل لانك كنت صادقاً صدق طفل مع انك عنيد في مجابهة الصعاب، صلب في الدفاع عن مبادئك والقيم، مندفع في الذود وعزة زملائك وكرامة مهنتك.

سامحني ايها الحبيب فقد قصرت معك، اتعرف لماذا؟ بل انك تعرف اني لا أحتمل مجرد التفكير بلقاء لا لقاء بعده... تعرف اني آثرت وجع الفراق على لقاء ما بعده لقاء، وخشيت ان تقرأ في قسمات وجهي ما اعانيه من هواجس الفراق.

سأفتقدك كثيراً سيفتقدك زملاؤك وستفتقدك المحاكم وردهات قصور العدل تفتقد خطاك الرشيقة واناقتك المحببة وابتسامتك المشرقة.

وداعاً ايها الحبيب احمد رحمك الله واسكنك فسيح جناته مع الابرار والصديقين.

وإنا لله وإنا اليه راجعون.

***

} رحل المارد الابيض }

وكتب المحامي ماهر خالد المعروف بوفائه واخلاصه كلمة مؤثرة جداً جاء فيها:

في رحيلك الصامت

خرست اقلامي

وثارت اشجاني

فالراحل رضخ للقدر

نعم،

رحل دون ان يودعنا

رحل المارد الابيض

رحل كبير من كبارنا

سيرته بيضاء كبياض روحه وقلبه

اشتقنا لك حتى قبل ان تفارقنا

ففتشنا عنك في بيت المحامي

في قاعة الخطى الضائعة

في اورقة العدلية

اين هو الفارس الراقي

اين هو من تضخ المجالس بذكره

احمد صفصوف ابن الاصل والاصول

صاحب الابتسامة الدافئة والحضور الاستثنائي

فجاء الجواب كزلزال مخيف

انه عند ربه ذهب في اولى ايام شهر رمضان المبارك

ليكون الفاضل في حضرة الرب الفضيل

ترافقه الدمعات دمعات محبيه

وليختنق معه صوت اصحابه وخاصة رفيق عمره النقيب

القادم ناضر كسبار

نفتش عن الامين المرحوم احمد صفصوف

وهو حاضر بروحه تحمله الملائكة الى ديوان رب الرحمة

وداعاً ايها الاخ الكبير

وداعاً يا اغلى الاحبة....

***

} إبنتي الصغيرة }

وكتبت ابنته المحامية رند صفصوف التي كان المرحوم احمد معجباً بأخلاقها وبأدائها المهني والاجتماعي:

بهذه الكلمات كان يعرفني الى اصدقائه المحامين «زميلتنا في المهنة، بنتي الصغيرة»

وكنت حينها اقول له والابتسامة على وجهي:

«صغيرة؟ نييلي!

أبي، زميلي ورفيقي، سأفتقدك في نقابتنا التي طالما احببت.

سأفتقدك في قصور العدل وفي كل زاوية من المكتب.

تركت لي ارثاً عظيماً اعدك بالمحافظة عليه.

كم انا محظوظة وفخورة بأني ابنتك.

الى جنات الخلد يا اغلى الناس على قلبي.

***

} الانسانية }

يروي المحامي احمد بشير العمري ما يأتي:

يقول شارلي شابلن، اشهر كوميدي في تاريخ السينما: عندما كنت صغيراً، ذهبت برفقة ابي لمشاهدة عرضٍ في السيرك، وقفنا في صف طويل لقطع التذاكر، وكان امامنا عائلة مكونة من ستة اولاد والام والاب، وكان الفقر بادياً عليهم، ملابسهم قديمة لكنها نظيفة، وكان الاولاد فرحين جداً وهم يتحدثون عن السيرك، وبعد ان جاء دورهم، تقدم الاب الى شباك التذاكر، وسأل عن سعر البطاقة، فلما اخبره عامل شباك التذاكر عن سعرها، تلعثم الاب، واخذ يهمس لزوجته، وعلامات الاحراج بادية على وجهه! فرأيت ابي قد اخرج من جيبه عشرين دولاراً، ورماها على الارض، ثم انحنى والتقطها، ووضع يده على كتف الرجل وقال له: لقد سقطت نقودك! نظر الرجل الى ابي، وقال له والدموع في عينيه: شكراً يا سيدي! وبعد ان دخلو، سحبني ابي من يدي، وتراجعنا من الطابور لانه لم يكن يملك غير العشرين دولار التي اعطاها للرجل! ومنذ ذلك اليوم وانا فخور بأبي، كان ذلك الموقف اجمل عرضٍ شاهدته في حياتي، اجمل بكثير حتى من عرض السيرك الذي لم اشاهده.

***

} الضرائب الفاحشة }

يروي المحامي هيثم عزو الطرفة الآتية:

يحكى ان مستشارا دخل على مولاه فوجده مستغرقا في التفكير، فسأله عما يهمه، فقال: اريد ان افرض ضريبة على البنجر... السكر... بقيمة 10% لتمويل خزائني التي تكاد تفرغ، وافكر كيف سيتقبل الناس هذا القرار...

قال المستشار: دع الامر لي يا مولاي...!

جمع المستشار اعوانه، وطلب منهم ان يبثوا في الاسواق اشاعات بأن الحاكم ينوي فرض ضريبة بمقدار 50% على البنجر واللحم والتمر والقمح والشعير#0236. فضج الناس، واخذوا ينتقدون الامر علنا، وبدأوا يعبرون عن سخطهم وعدم رضاهم.

وكان الاعوان ينقلون ما يحدث في الاسواق وما يقوله العامة للمستشار اولا بأول.

وفي الاسبوع الثاني طلب المستشار من اعوانه بث اشاعة تؤكد الاشاعة الاولى، واضاف عليها ان بعض المستشارين هم من اشاروا على الحاكم بهذا الامر، وان القرار سيصدر قريبا جدا.

اخذ الناس يقبلون الامر، ويقولون: الضريبة مرتفعة جدا، ومن الظلم ان تدفع على جميع هذه الاصناف، لو كانت 10 او حتى 15%، او لو كانت على صنف واحد لهان الامر.

عندها ذهب المستشار الى الحاكم وقال: مولاي، الآن اصدر الامر بفرض الضريبة...

} ودعني اعد صياغة القرار... }

كتب المستشار: تلبية لرغبات شعبنا الكريم، ونزولا عند رأيهم فقد قررنا عدم الإنصات لمستشاري السوء الذين سعوا الى اثقال كاهل المواطنين بالضرائب الكثيرة، واكتفينا بفرض ضريبة بسيطة بمقدار 12% على مادة البنجر فقط...!

تنفس الناس الصعداء وضجوا بالثناء والدعاء للحاكم الحكيم الذي يراعي شعبه، ولا يثقل كاهلهم بالضرائب الفاحشة...!