بلغ حجم التخفيضات شبه الأكيدة التي أقرّتها الحكومة في موازنة العام 2019 ما يوازي المليار دولار أميركي مما يجعل العجز المتوقّع في هذه الموازنة 5.4 مليار دولار أميركي أي 9.7% من الناتج المحلّي الإجمالي. هذه النسبة تبقى أعلى من المطلوب ضمن إطار مؤتمر سيدر والذي يفرض عجز أقلّ من 9% في العام 2019 مما يعني حاجة الحكومة إلى تخفيض العجز 500 مليون دولار أميركي إضافية. والسؤال المطروح، من أين يُمكن توفير هذا المبلغ؟

على الورق الأمر سهل، لكن عمليًا وحتى لا تقع الحكومة في تجربة العام 2018، يتوجّب عليها إيجاد إجراءات ذات مصداقية. المشكلة التي تواجه الحكومة في الوقت الحالي هي أنها محاصرة بقيود من ضغط الشارع، إلى ضغط المجتمع الدولي مرورًا بضغط أرقام الموازنة.

فتخفيض الإنفاق له محدوديته من منطلق أن البنود الثلاث (الأجور، خدمة الدين العام، والكهرباء) التي تستهلك الكمّ الأكبر من الخزينة (80% من إجمالي الإنفاق)، هي بنود صعبة المعالجة نظرًا إلى أن المسّ بالأجور يُثير غضب الشارع، والمسّ بخدمة الدين العام يُشكّل حفيظة الأسواق والمصارف (المموّل الأول للدوّلة)، والمسّ بدعم مؤسسة كهرباء لبنان يُظهر الإنقسامات السياسية.

إذا ما هي الإجراءات التي تسمح للحكومة بتخفيض العجز؟

من جهة الإنفاق، الأمور مُعقّدة! فالحكومة لم تستطع المسّ بأجور القطاع العام، بل جّل ما في الأمر أنها حدّت من الإستفادة من تعويضات إضافية وخفّضت مساهمتها الاجتماعية في بعض الصناديق... وهذه الإجراءات وهذا أقصى ما يُمكنها القيام به على صعيد الأجور خوفًا من إثارة غضب الشارع.

أما خدمة الدين العام، فحتّى الساعة لا يوجد أية خطّة لخفضها بإستثناء توقّعات للحكومة بأن تعمد المصارف أو مصرف لبنان لإقراض الدوّلة أكثر من 5 مليارات دولار أميركي بفائدة صفر بالمئة أو 1%. وهذا الأمر لن يحدث في ظل غياب إصلاحات جدّية في القطاع العام.

أمّا على صعيد الكهرباء، فقدّ تمّ خفض البند بألف مليار ليرة (660 مليون د.أ) وهذا يعني نقلّ التكلفة بشكل غير مباشر على المواطن من خلال زيادة ساعات القطع.

أيضًا على صعيد الانفاق، تنصب المناقشات في الجلسات الأخيرة على دراسة موازنات الوزارات التشغيلية، وهنا برزت خلافات واضحة حول موازنات وزارة الصحة ووزارة الشؤون الاجتماعية (من باب الجمعيات) ولكن أيضًا من موازنة بعض المؤسسات مثل المجلس الأعلى اللبناني السوري وغيرها. وظهرت الخلافات جليًا بعد جلسة البارحة من خلال تصاريح نارية لبعض الوزراء.

كل هذه الإجراءات تبقى غير كافية لأنها بالمطلق سمحت بتوفير ما يقارب المليار دولار أميركي. لكن الدينامية في كتلة الأجور وخدمة الدين العام ستمتص تلقائيًا هذا التوفير مع مرور الوقت.

على هذا الصعيد، برزت مبادرة لوزير الخارجية جبران باسيل الذي قدّم في جلسة مجلس الوزراء البارحة عددًا من الإقتراحات «ترتكز على خمسة محاور حجم الدولة والهدر والتهرب الضريبي والتهريب الجمركي وخدمة الدين والميزان التجاري أي الوضع الاقتصادي ككل» بحسب تصريح الوزير باسيل.

على صعيد الإيرادات، تبقى الخطوات التي أخذتها الحكومة خجولة بإستثناء إجراء رفع الضريبة على الفوائد على الحسابات المصرفية من 7 إلى 10% والذي من المتوقّع أن يؤمّن ما يقارب الـ 500 مليون دولار أميركي.

على صعيد الإيرادات الجمركية، نلاحظ أنها تبقى هزيلة نسبة إلى حجم النشاط الاقتصادي وذلك لسببين:

الأول هو التهريب الجمركي على مرفأ بيروت وطرابلس والمطار والحدود البرّية، والفضائح على هذا الصعيد كثيرة في وسائل الإعلام. وتُشير المعلومات أن بند ضبط التهريب على الحدود البرّية تمّت إحالته إلى المجلس الأعلى للدفاع لمراقبة الحدود ومكافحة التهريب. إلا أن هذا البند لم يتمّ تقييمه ماليًا وبالتالي لم يتمّ إحتسابه في الموازنة مع العلم أن الخسارة الناتجة عن هذا البند ليست ضئيلة.

وتُشير المعلومات أيضًا أن الحكومة لم تتخذ أية إجراءات جدّية على صعيد بندي الأملاك البحرية والتهريب الجمركي (مرفأي طرابلس وبيروت والمطار)، وبالتالي لا إحتساب لأية مداخيل إضافية من هذين البندين مع العلم أن المُشكلة الأساسية تكمن فيهما. فمرفأ بيروت يجب أن يُعطي مدخولاً للدولة لا يقلّ عن مليار دولار أميركي سنويًا نظرًا إلى حجم البضائع التي تمرّ عبر المرفأ كما أن الأملاك البحرية والنهرية وسكك الحديد تُشكّل مدخولاً سنويًا يفوق المليار دولار أميركي (200 د.أ بـ 5 مليون متر مربّع). ولا يجب نسيان الهيئة الخاصة التي تُدير المرفأ من دون أن تحويل مداخيلها إلى خزينة الدوّلة بحسب تصريح الوزير السابق فادي عبود.

والثاني يعود إلى حرمان خزينة الدولة من الواردات الجمركية نتيجة الإتفاقات التجارية مع الدول العربية ومع الإتحاد الأوروبي. فحجم الإستيراد يبلغ 20 مليار دولار أميركي منه 40% من الإتحاد الأوروبي وهي بضائع تدخل إلى لبنان من دون رسوم جمركية. وأثار إقتراح وزير الإقتصاد فرض رسوم 3% على كل البضائع المستوردة معارضة شديدة في مجلس الوزراء مع العلم أن مثل هذا الإجراء له فوائد كثيرة على الصعيد المالي والإقتصادي ويُمكن أو يؤمّن مدخول سنوي لا يقلّ عن 600 مليون دولار أميركي.

بناءً عليه، تتوالى الإجتماعات حتى نهار الجمعة المقبل (إذا سارت الأمور كما يجب) وقدّ تمتدّ حتى مطلع الأسبوع المُقبل إذا ما طرأت معطيات جديدة داخل الحكومة أو في الشارع أو حتى إقليميًا!

بالتحديد وعلى الصعيد الإقليمي، التوتر الحاصل في الخليج العربي على إثر تعرّض سفن إماراتية وسعودية الأحد الماضي لعمليات تخريبية وإستهداف منشآت بترولية سعودية البارحة تبنّتها جماعة «أنصار الله» اليمنية، رفعت من مستوى المخاطر مع ما تُشكّله هذه الهجمات من تهديد واضح لسوق النفط العالمي الذي يُعتبر عنصر إقتصادي إستراتيجي وجيو - سياسي بإمتياز. فإرتفاع أسعار النفط نتيجة ضرب منشآت نفطية سيؤدّي حكمًا إلى تباطؤ الاقتصاد الأميركي وهذا ما لن ترضى عنه إدارة ترامب التي أخذت على عاتقها تأمين حماية الإمدادات من الخليج.

المخاوف تأتي من مواجهة مباشرة بين القوات الأميركية المرابطة في الخليج (والتي تزداد أعدادها) وبين الحرس الثوري الإيراني وما قد ينتج عنها من تهديد لمنطقة أقلّ ما يُقال عنها أنها خزان العالم النفطي. هذا الواقع يُثير المخاوف أيضًا على صعيد لبنان إن من ناحية ارتفاع أسعار النفط وما له من تداعيات على خزينة الدولة وبالتالي على عجز الموازنة ولكن أيضًا على القدرة الشرائية للمواطن اللبناني، أو من ناحية عدوان إسرائيلي جديد على لبنان شبيه بعدوان تموز 2006.

على كلٍ الأحوال، تُشكل هذه الأحداث تهديدًا جدّيًا لمسار الموازنة ومسار المشاريع المقرّرة في مؤتمر سيدر إذ أن إندلاع مواجهات عسكرية ستُقلّل حكمًا من الأموال الآتية إلى لبنان وذلك أن أية حرب تفرض إمتلاك سيولة من قبل الدوّل المُقرضة مما يعني التأخير في إقراض لبنان. أضف إلى ذلك أن الإصطفاف السياسي التقليدي بين مؤيدين للدول الخليجية من جهة وإيران من جهة أخرى سيُعقّد الأمور أكثر وقد يتمّ حجب أموال عن لبنان نتيجة هذا الإنقسام.

مما تقدّم وفي حال حصول المواجهة، فإننا نتوقّع أن تكون موازنة 2019 شبيهة بموازنة العام 2018 أي أن الأرقام المُحقّقة على الأرض ستكون بعيدة عن الأرقام المتوقّعة في موازنة العام 2019. وبالتالي سيغوص لبنان أكثر في مشاكل مالية سيكون من الصعب الخروج منها دون وصاية صندوقية.

في مقابل هذا الإطار الذي يلّفه الغموض تأتي زيارة مساعد نائب وزير الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الادنى دايفيد ساترفيلد الى بيروت لتُطفي بصيصًا من الأمل حول مستقبل الملف النفطي اللبناني. فالمبعوث الأميركي يحمل في حقيبته آلية جديدة لحلّ النزاع على الحدود البحرية والبرية مع العدو الإسرائيلي بوساطة أميركية. وإذا كانت الأجواء التي يبثّها المبعوث الأميركي إيجابية إلا أن هناك عدداً من الأسئلة التي يتوجّب طرحها: من المعروف أن هناك موقفاً موحداً للبنان تجاه الإعتداء الإسرائيلي على المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان. والمعروف أيضًا أن حل نزاع سلميًا يتطلّب تنازلات من الطرفين، فهل هناك موقف موحدّ للبنان لمستوى التنازلات التي قدّ يقدّمها خلال عملية حلّ النزاع؟ الجدير ذكره أن إسرائيل تسّطو على 860 كيلومتراً مربّعاً من المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان والتي تشمل أجزاءً من البلوكات 8، 9 و10 في جنوب لبنان.

على كلٍ، وفي فرضية أن النزاع الحدودي البحري تمّ حلّه، فهذا يعني أن الشركات العالمية ستتهافت وتتسابق لإستخراج غاز لبنان ونفطه، وسيتطلّب الأمر 5 إلى 6 سنوات للبدء بإستخراج الثروة النفطية من البحر.

على كلٍ الأيام والأسابيع القادمة ستكون حاسمة للبنان على الصعيد المالي مع بلوغ الموازنة مُفترق طرق من المفروض أن لا إمكانية للعودة عن أي طريق تأخذه. وبالتالي هناك إلزامية على الحكومة للإعتماد على مواردها المالية والبشرية كما وضرب الفساد الذي يُشكّل العائق الأول أمام الإنماء الاقتصادي والإجتماعي.