ابتسام شديد

ما حصل في الاسبوعين الاخيرين من اضرابات بموازاة اجتماع الحكومة لمناقشة مشروع الموازنة لم يكن حادثا عاديا من اضرابات موظفي مصرف لبنان الى تحرك العسكريين المتقاعدين الذي تطور الى حرق دواليب وقطع طرقات الى اضراب ادارة المرفأ ، الامر الذي دفع رئيس الحكومة الى اصدار مذكرة ادارية حملت الرقم 14/2019 يذكر فيها الموظفين بالنصوص القانونية لناحية حظر الاضراب عن العمل على الموظف وتحريض غيره على الاضراب.

وفق خبراء واقتصاديين فان التظاهر رتب مضاعفات خطرة في كل المرافق التي شملها التحرك واعباء مالية على الدولة.

واذا كان لكل تحرك مضاعفاته وفق اوساط سياسية فاضراب الضمان اوقف حركة المستشفيات والعمليات الجراحية وما يتعلق بالاستشفاء، فيما تعرقلت حركة الشحن ودخول البضائع عبر مرفأ بيروت فان اضراب القضاء كانت له آثار كثيرة وتداعيات جانبية فتعطلت الحركة القضائية بمجملها وتوقف القضاة عن عقد جلسات قضائية والاكتفاء فقط بتلبية اخلاء السبيل.

اعتكاف القضاة كان الاقوى ولا يزال مستمرا وهو وفق اوساط قانونية يعتبر الاكثر تأثيرا بعد اضراب العسكريين ، واذا كان تحرك العسكريين المتقاعدين شكل مشكلة كبيرة بعدما هدد المتقاعدون بمحاصرة مرافق حيوية وصار صعبا ضبط الشارع بين عسكريين في التظاهر وعسكريين في الخدمة، فان موقف القضاة الذين اعتصموا في العدليات وراء مكاتبهم بدل اقواس الحكومة كان له تأثيرات في اصحاب الشأن وهو أرهق المحامين الذين تعطلت جلساتهم وطالهم التأخير في عقد الجلسات ورتب مشاكل قانونية لموكليهم.

مشروع الموازنة والاجراءات المتعلقة بحقوق القضاة فيها لجهة الاقتطاع من مكتسبات القضاة المالية من صندوق التعاضد ليس السبب الاصلي والوحيد لاعتكاف القضاة في العدليات، وفق اوساط قضائية هناك حالة تفلت وهريان في الجسم القضائي ومشاكل متوارثة اضيفت اليها ما تسرب من خلافات بين رؤساء السلطات القضائية والحملات الاعلامية والامنية التي طالت عدد من العدليات.

اعتكاف القضاة حركة احتجاجية اسوة بسائر القطاعات التي توقفت عن العمل لكن الغريب في اعتكاف القضاة انها ظاهرة غير مألوفة الى الحد الذي يعتبر البعض ان ظاهرة الاحتجاج ليست من شيم المسؤولين عن قضايا الناس والرأي العام وعن المحاكمات.

كان من المتوقع وفق اوساط سياسية ان ينتهي اعتكاف القضاة عندما عقد في بعبدا الاجتماع القضائي الموسع الذي حضره رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي جان فهد كوسيط وراعي بين الحركة القضائية والسلطة السياسية ، لكن نتائج اجتماع بعبدا لم ترض المعتكفين واستمر الاعتكاف عن العمل في قصور العدل.

وفق اوساط قانونية القضية ليست موجهة ضد اي فريق سياسي هي تتعلق بمطالب وحقوق القضاة وإصلاحات وردت في بنود الموازنة تتناول المكتسبات المالية للجسم القضائي بعد ان وردت بنود حسم 10 بالمئة من مساهمة الخزينة في صندوق تقاعد القضاة وتحويل 30 بالمئة من رسوم السير الى وزارة المال بدل تحويلها الى صندوق التعاضد.

عن الاسباب الفعلية المضافة الى ما تضمنته الموازنة يتحدث المطلعون على تفاصيل الاعتكاف ان هناك اكثر من عنوان وثمة فئتان مختلفتان في طريقة معالجة الملف، نادي القضاة الذي يصعد لتحقيق المطالب والمجلس الاعلى للقضاء الذي يؤيد المطالب ولكن تختلف طريقة مقاربته للقضية وان كان الارجح ان مجلس القضاء الاعلى ليس بعيدا عما يعرضه نادي القضاة لكنه يطالب بالمعالجة الهادئة وتسيير امور العدليات.

الفريق الثاني اي نادي القضاة وجد في موضوع الموازنة الفرصة المناسبة لرفض تشكيلات قضائية خضعت للتسييس في وقت سابق وتحذيرا لتشكيلات قادمة، ورفض اقتحام العدليات من الاجهزة الامنية وفك الرابط بين السياسة وعمل القضاء اضافة الى مسائل تقنية ومالية وبنود مؤلمة في الموازنة اما في الشق المعنوي فثمة حالة من اللارضى تولدت لدى القضاة بعد تورط اسماء معينة في قضايا مع سماسرة قضائيين والانزعاج من حملة استهدفت سمعة القضاء وهيبته.