لو يعرف اللبنانيون ماذا يدور في جلسات الحكومة، وكيف يتم النقاش لادركوا انه من رابع المستحيلات ان يخرج لبنان من ازماته الاقتصادية والمالية، كون النقاش في مجلس الوزراء لم يرتق الى مستوى المرحلة وتطورات المنطقة الخطيرة والمفتوحة على كل الاحتمالات، في حين ان التأخير باقرار الموازنة شل البلاد، وجمد الحركة الاقتصادية حيث الناس يعيشون احباطاً شاملاً وليس امامهما الا الانتظار حتى يأتي الفرج. ويبدو انه مستحيل في ظل ما يسرب عن جلسات مجلس الوزراء والخلافات العاصفة بين الافرقاء والكمائن المتنقلة بين الاطراف وكل فريق ينتظر الآخر على «الكوع» فالمجلس الاعلى اللبناني السوري فجر خلافاً بين حزب الله وامل عبر الوزيرين محمد فنيش وعلي حسن خليل من جهة، ووزراء الاشتراكي والقوات اللبنانية اللذين طالبا بالغاء المجلس الاعلى وتوفير امواله للمعتقلين في السجون السورية، وكان رد واضح من الوزيرين فنيش وخليل ورفض لهذا المنطق، وان الطائف اقر المجلس الاعلى لتنظم العلاقات بين لبنان وسوريا. وكان رد وزراء الاشتراكي والقوات ان هناك علاقة ديبلوماسية بين البلدين، وسفراء ولا حاجة للمجلس الاعلى، فتدخل الرئيس الحريري وحسم النقاش بالقول «هذا الموضوع سياسي وهو نقطة خلافية، ونحن نناقش الآن الموازنة واتفقنا على عدم التطرق للمواضيع الخلافية السياسية، وما ورد في الطائف والافضل عدم النقاش في هذا الملف »وحسم الامر ببقاء المجلس الاعلى اللبناني السوري.

والخلاف الاكبر كان بين وزراء التيار الوطني الحرّ والقوات اللبنانية على خلفية وزارة الشؤون الاجتماعية وطلب وزراء التيار بتخفيض موازنة وزارة الشؤون الاجتماعية الذي يتولاها الوزير القواتي ريشار قيومجيان نتيجة وجود جمعيات وهمية تتقاضى اموالاً ومسجلة في الوزارة، وحصل نقاش «عالي النبرة» استمر خارج الجلسة، وزادت من «وتيرته».

مقدمة نشرة اخبار O.T.V المحسوبة على التيار الوطني الحرّ، التي فندت الجمعيات الوهمية، فرد الوزير قيومجيان مبدياً اسفه لان بعض السياسيين وبعض الشاشات يستغلون وضع الفقراء والمعوقين وكل الجمعيات الصادقة التي تهتم بالناس المحتاجة من اجل الشعبوية والمكاسب السياسية.

واضاف: «عيب على هؤلاء السياسيين والشاشات استغلال هذا الواقع للمزايدة السياسية وغمز قيومجيان من قناة الوزير جبران باسيل بالقول: «لا جمعيات وهمية واتحدى من يقول ذلك» واردف بالقول: «من يتباهون بالعضلات ويستعملون جهاز امن الدولة ليرهبوا بعض الموظفين في بعض الوزارات وبعض الديبلوماسيين، ادعوهم ليرسلوا امن الدولة الى مراكز وزارة الشؤون الاجتماعية كافة والى الجمعيات الاهلية المتعاقدة معنا، ليروا ان كانت هناك جمعيات وهمية ام لا».

وعندما سئل باسيل عن كلام قيومجيان رد «ما بيسترجي» يقول هذا الكلام داخل الجلسة وما يقوله خارج الجلسة لا يجرؤ على قوله داخلها».

والاشتباك الثالث يتلعق باتهام وزراء القوات اللبنانية لوزراء في التيار الوطني الحر بمحاولة سحب كل الصلاحيات من وزارة التنمية الادارية التي تتولاها الوزيرة مي الشدياق وتوزيعها على وزاراتهم.

كما حصل خلاف بين وزراء القوات والتيار حول موازنة وزارة الصحة العامة واتهام وزراء التيار للوزير القواتي غسان حاصباني بانه ترك ديوناً على وزارة الصحة تتجاوز الـ50 مليون دولار، وهذا لا يجوز ومخالف لعمليات الصرف، ورد حاصباني بان الديون المتراكمة على وزارة الصحة لا تعود الى ايام وزارته بل هي من وزارات متعاقبة هذا بالاضافة الى ان وزارته تهتم «بصحة الناس» ولا يحوز تعريض صحة الناس لاي خطر.

واللافت ان الوزير جبران باسيل قدم مداخلة مالية اقتصادية في جلسة مجلس الوزراء امس معلناً عدم رضاه عن الخطوات التي اتخذت حتى الان والتي لم تحقق الهدف الاساس وهو تخفيض العجز الى ما دون 9%. وعلق الوزير وائل ابو فاعور ممازحاً على مداخلة باسيل بالقول «عملنا جلسة تحليل استراتيجي وضربنا بالرمل، وقرأنا بالكف، وما طلع معنا شي». هذا هو موجز عن النقاشات في مجلس الوزراء.

وفي الجلسة الثانية عشرة لإقرار الموازنة، لم تسقط الحكومة بعد من حسابها تخفيض الرواتب للموظفين والعسكريين حتى هذا التاريخ، فالامر لا يزال مطروحا، الا ان الحكومة خائفة من ردة فعل الشارع، ولذلك تترك هذا الموضوع متداولا في اروقة مجلس الوزراء فقط. والحال ان تخفيض فوائد المصارف على الدولة لم يبت حتى الان كما لم يتداولوا مسألة الشركات الكبيرة في حين ابقوا على المساهمة المعهودة للجمعيات بما ان كل فريق سياسي لديه «جمعياته» بحسب اوساط وزارية. وللاسف لا يزال موضوع رواتب الموظفين متداولا في نقاشات مجلس الوزراء وتخفيض الرواتب فوق 3 مليون ليرة لا يزال مطروحا ويقضي الطرح بجمع هذه الزيادة التي تتعدى كل راتب يفوق 3 مليون ليرة على فترة ثلاث سنوات ضمن فائدة معينة تعود الى صاحب الراتب لاحقا.

اما البارز في جلسة الامس، كان موقف وزراء حزب الله الذي تميز بمصداقية عالية حيث شددوا على عدم المس برواتب الناس وطرحوا افكارا تأتي للدولة بأموال للخزينة دون ان تمس جيوب الناس. على سبيل المثال، طرح حزب الله زيادة الرسوم على الواردات بنسبة تتراوح بين 3 و4% في حين كشفت اوساط وزارية ان الرئيس الحريري والوزير جبران باسيل لم يبديا حماسة تجاه هذا الطرح. اما الرئيس بري فقد حيد نفسه من السجالات الدائرة حول الموازنة بانتظار احالتها الى مجلس النواب في حين شدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم تخفيض رواتب الناس.

بدوره، قدم الوزير جبران باسيل في الجلسة السابعة اقتراحات جديدة ابرزها رفع الضريبة المتعلقة بالمصارف لزيادة المداخيل الضريبية الى جانب تقديم مشروع استعادة الأموال المنهوبة من كل من قام بخدمة عامة حاليا وسابقا ومشروع قانون تتمحور فكرته حول تغريم كل عامل أجنبي يعمل خلافا للقانون وخارج القطاعات المسموح فيها. وأوضح باسيل انه في موضوع التدبير رقم 3 يجب ان يكون هناك فرق بين الموجود على الجبهة والحدود ومن يقوم بمهمات امنية في الداخل ومن يقوم بمهام ادارية في الثكنات. وشدد على اننا «قادرون على تغيير وجه لبنان في الصيف ولكن علينا كسر الرتابة الاقتصادية»، مضيفا: «نحن مع الغاء التوظيفات المخالفة للقانون والسفر المضخم ونقترح تغيير دوام العمل كذلك ولا بد من خفض رواتب الوزراء والنواب لكن لا يجب أن يقتصر ذلك عليهم وحسب».

من جهتها، ابدت القوات اللبنانية استعجالا في اقرار الموازنة ترجمت على لسان وزيرها كميل بو سليمان الذي شدد على تحلي الحكومة بجرأة لمعالجة الامور وان تتطرق الحكومة الى العناوين الكبرى التي تشكل الهدر الاساسي والذي يجنب الحكومة المس برواتب الناس الذين يعيشون بضائقة اقتصادية كبرى. وبالعناوين الكبرى طالب بو سليمان مكافحة التهرب الضريبي، الجمارك، المعابر غير الشرعية. وحملت القوات اللبنانية الوزير جبران باسيل مسؤولية كل التظاهرات والاعتصامات التي حصلت على مستوى البلد لانه افشى افكارا كانت تتداول في الغرف المغلقة دون ان يكون هناك اي توجه للمس بالرواتب والمعروف ان ما يدور في الغرق المقفلة شيء اما التنفيذ والذهاب الى التطبيق فشيء اخر. وقال مصدر قواتي لـ«الديار»: «اليوم يتحدث باسيل عن اقتراحات في الجلسة الثانية عشر في حين لم يتقدم بأي حل او مبادرة في الجلسات الاولى والمستغرب في الامر انه يطالب بتسريع اقرار الموازنة». وتابع وفي الحقيقة الجميع يريد التسريع بإقرار الموازنة ونتمنى على الوزير باسيل ان لا يخرج على التضامن الوزاري مرة اخرى ويعرض الساحة اللبنانية لاعتصامات وتظاهرات اخرى. وقال المصدر القواتي ان المطلوب في هذه المرحلة هو العمل ثم العمل ثم العمل مشددا على اتخاذ اجراءات تحفز النمو وتستقطب استثمارات سيدر كي ينعم لبنان بالبحبوحة والازدهار.

وزني: موازنة 2019 رقمية حسابية لا تحمل رؤية اقتصادية

قال الخبير الاقتصادي الدكتور غازي وزني لـ«الديار» ان موازنة 2019 هي موازنة رقمية وحسابية لا تحمل رؤية اقتصادية واجتماعية كما لا تحتوي على اصلاحات كافية لحل المشكلة الاقتصادية في لبنان. وفي قراءة شاملة للوضع الاقتصادي، اشار الدكتور وزني الى ان لبنان يواجه ازمتين: الازمة الاولى هي المالية العامة اما الثانية فهي عجز الميزان التجاري. وفي هذا السياق لفت الى ان المعالجة يجب ان تبدأ من هذين النقطتين بتخفيض العجز ليصبح اقل من 9% ويكون ذلك بإعادة النظر في النظام التقاعدي الذي بلغ عام 2018 نسبة40% من الموازنة العامة الى جانب وقف التوظيف واعادة النظر في التوظيف العشوائي الذي حصل العام الماضي. وفي التفاصيل، كشف الخبير الاقتصادي غازي وزني ان نهاية الخدمة ارتفعت من 1,400 مليار ليرة عام 2010 الى 6,540 مليار ليرة عام 2018. ولذلك الاجراءات التقشفية والاصلاحية يجب ان تشمل النظام التقاعدي والمتعلق ايضا بالقوى الامنية والعسكرية اضافة الى تجميد زيادة الرواتب لمدة 3 سنوات.

اضف الى ذلك، رأى الدكتور وزني ان خدمة الدين وصلت الى 32% من الموازنة العامة عام 2018 وهذا مؤشر سلبي وبالتالي يجب اخذ اجراءات حقيقية تؤدي الى خفض العجز عبر مساهمة مصرف لبنان والقطاع المصرفي في هذا المجال.

وحول قطاع الكهرباء، قال وزني انه يجب وضع سقف لدعم مؤسسة الكهرباء لا يتجاوز 2,400 مليار ليرة وان يترافق ذلك مع اصلاحات حقيقية في الموازنة عبر اصلاح القطاع العام واعادة النظر بالاملاك العمومية البحرية وبحث هذه المسألة بجدية. اما في قطاع الاتصالات، فرأى وزني انه يجب اعادة تحسين ايرادات الاتصالات لافتا الى وجود بنود غير واضحة في موازنة 2019. والاهم من كل ذلك اعتبر الخبير الاقتصادي ان مكافحة التهرب الضريبي الذي بلغ ثلاثة مليار ليرة وهي بند ناقص لا تلحظه موازنة 2019.

ساترفيلد في بيروت

جاء ساترفيلد الى لبنان للتعزية بالبطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير، ولاستئناف المفاوضات التي توقفت عند خط هوف حيث بقي من المساحة المتنازع عليها 350 كلم2، ولم تستكمل المفاوضات في هذا الـسياق.

اليوم يعود ساترفيلد لاحياء ما توصل اليه هوف ومحاولة احياء المفاوضات البحرية واخذ جواب لبنان على ترسيم الحدود البحرية ويذكر ان الرئيس ميشال عون ونبيه بري اعلنا موقفهما من هذه القضية حيث شددا على دور الامم المتحدة في حل النزاع ورسم الحدود البرية والبحرية وتمسكا بمبدأ عدم الفصل بين رسم الحدود البحرية والبرية، والتمسك بدور الامم المتحدة في مجال ترسيم الحدود وعدم الممانعة في الوساطة الاميركية طالما تحفظ حقوق لبنان.

طروحات ساترفيلد دائما منحازة لاسرائيل وتصب في مصلحتها الكاملة. المرة الماضية، ذهب ساترفيلد من لبنان دون ان يحصل على ما يبتغيه حيث كان يسعى الى اقناع السلطات اللبنانية بضرورة الفصل في ترسيم الحدود البحرية والبرية الا انه سمع من الرئيس عون والرئيس بري موقفاً موحداً حيال هذه المسألة وبخاصة ان كلا الرئيسين تمسكا بالحفاظ على سيادة لبنان ورفضا التنازل عن حق لبنان في ملف النفط. وفي هذا السياق، لجأ لبنان الرسمي الى الامم المتحدة طالبا اعادة ترسيم الحدود مع اسرائيل، علما ان لبنان كان قد ارسل خرائطه عام 1923، وبذلك استند لبنان الى وساطة الأمم المتحدة لحل النزاع.

اليوم يأتي ساترفيلد مرة اخرى الى لبنان حاملا معه اقتراحات جديدة، ولكن في المضمون تبقى نفسها طالما هي اقتراحات غير عادلة تجاه لبنان ومنحازة لاسرائيل. والهدف من زيارة ساترفيلد الحالية هو تسهيل طريق لإسرائيل في ما يتعلق بالنفط والحصول على حصة من المثلث البحري، علما ان هذا المثلث تابع للبنان.