تصطدم سياسة الحكومة العراقية لحماية المنتج المحلي، بحواجز عدة تمنع تطبيقها، ما يُبقي أبواب الاستيراد العشوائي للسلع والبضائع، مشرّعة حتى حين، ويطيل زمن السبات الذي يصيب قطاع الصناعة في البلاد.

انتعاش بسبب الحصار

خلال مرحلة الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق جراء غزو الكويت مطلع تسعينيات القرن العشرين، والقيود الصارمة التي فرضها المجتمع الدولي على نظام صدام حسين في مجال الاستيراد آنذاك، سجلت الصناعة المحلية في البلاد قفزة كبرى، ترافقت وافتتاح مئات المعامل في طول البلاد وعرضها. ومنذ العام 2003 أقفلت هذه المصانع لأسباب مختلفة، أبرزها انفلات حدود الدولة، والاستغراق في استيراد كل ما تحتاجه السوق، حتى بات العراقيون يسخرون من حقيقة أن بلادهم التي تملك نهرين كبيرين، "تستورد مياه الشرب المعبأة من بلدان لا تملك ساقية ماء".

إغراق إيراني تركي

ويجمع متخصّصون على أن أبرز أسباب جمود الصناعة المحلية واستمرار الإغلاق، يعود إلى غياب ضوابط الاستيراد، وانفتاح السوق العراقية على البضائع الإيرانية والتركية حد الإغراق. ولا تقدم الدوائر المعنية في العراق أرقاماً دقيقة عن عدد المصانع المغلقة، لكن خريطة توزيعها، تؤكد أنها منتشرة في مختلف مناطق البلاد طولاً وعرضاً.

وعلى سبيل المثال، تعطّل معمل صناعة السكر في ميسان ومعمل صناعة الورق في البصرة ومعمل صناعة إطارات السيارات في الديوانية، جنوب العراق، ومعملا السيارات والبطاريات في بابل وسط البلاد، ومعمل أدوية سامراء شمالاً، ومعمل الزجاج في الرمادي غرباً. كانت هذه المعامل تؤمن الاكتفاء الذاتي للبلاد وتوفر جانباً للتصدير، على غرار معمل زجاج الرمادي، ولكنها توقفت كلياً بعد اجتياح العراق.

البطالة: تطرف وميليشيات

تسبب توقف الصناعة في إنشاء جيش من العاطلين من العمل، وخلق فراغاً هائلاً في القطاع الخاص، قاد إلى ربط الاقتصاد المحلي بموارد الدولة الريعية، التي تعتمد على عائد النفط في تمويل نحو 95 في المئة من موازنة البلاد السنوية. وشكلت البطالة مغذياً رئيسياً للجماعات المسلحة، السنية والشيعية، لتجنيد المقاتلين في صفوفها، ما أسهم في تعزيز دورة العنف، وتحوله بين العامين 2005 و2008 إلى ما يشبه "باب الرزق" لدى كثير من الشبان العاطلين، الذين انخرطوا في صفوف جماعات متشددة كتنظيم القاعدة وداعش، وميليشيات كجيش المهدي وعصائب أهل الحق.

الحكومة تحاول إنقاذ الصناعة

وعلى الرغم من أن جانباً من الصناعة المحلية، دُعم خلال السنوات الأربع الماضية، عبر مبادرات فردية لبعض الوزراء، بيد أن إسهام المنتج الوطني في السوق العراقية، بقي ضئيلاً للغاية، إزاء نظيره المستورد. وتحاول الحكومة العراقية منذ سنوات، فرض ضرائب على استيراد السلع والبضائع، لكنها تواجه تحديات صعبة، أبرزها النفوذ الإيراني الكبير في البلاد. وأفرزت السنوات القليلة الماضية، لاعباً جديداً في مجال الصناعة المحلية، يتمثل في "العتبات الشيعية"، التي تسعى إلى استثمار جزء من عوائد الهبات التي يقدمها المتبرعون في إنشاء مصانع. وتملك العتبة الحسينية، وهي مؤسسة شبه رسمية تشرف على قبر الحسين بن علي بن أبي طالب في كربلاء، سلسلة من المشاريع الصناعية والزراعية، التي أنشأتها على نفقتها الخاصة. وافتتحت العتبة الحسينية في كربلاء مطلع مايو (أيار) 2019، مصنعاً ضخماً لأجهزة التكييف، يمكنه إنتاج جهاز تكييف واحد كل دقيقة.

هيمنة إيرانية على السوق

تستخدم إيران نفوذها السياسي الكبير في العراق للهيمنة على أسواق البلاد، فتعيق أولاً أيّ تشريعات وقوانين عراقية لحماية المنتج العراقي، وتسيطر ثانياً على عملية توريد البضائع المصنعة في معاملها إلى العراق. وتحتكر إيران تجارة عدد كبير من السلع المتداولة في الأسواق العراقية، تبدأ من السيارات، ولا تنتهي بالحليب ومشتقاته.

ويقرّ رئيس مؤسسة المنافذ الحدودية في العراق، كاظم العقابي، بـ "تهديدات واستهدافات من قبل بعض المجاميع المسلحة الخارجة عن القانون لعدد من المنافذ الحدودية، التي شملت عمليات ابتزاز وتهديد للعاملين في هذه المنافذ"، مطالباً الحكومة بـ "زيادة عدد العناصر الأمنية المكلفة بحماية هذه المنافذ". وأبلغ العقابي، لجنة مراقبة حركة المال العام، في البرلمان العراقي بوجود "شبهات فساد في بعض المنافذ الحدودية من قبل بعض ضعاف النفوس". وجرت العادة، على تواطؤ موظفين مع تجار، في إدخال بضائع من دون تحصيل ضرائبها، ما يتيح بيعها بسعر أقل في السوق المحلية.

ورقة عمل جريئة

ويقول وزير الصناعة في الحكومة العراقية صالح الجبوري، إن وزارته "أصدرت مجموعة من القرارات لحماية عدد من المنتجات، إلا انها تتعرض إلى مشكلات في التطبيق بسبب عدم التعاون من بعض الجهات"، داعياً إلى "ضرورة تطبيق قرارات الحماية والعمل بموجب قوانين التعرفة الجمركية وحماية المنتج". وتتبنى وزارة الصناعة ورقة عمل في شأن "مفهوم حماية المنتجات"، الذي يفسر بأنه "استعمال جميع القوانين والأنظمة والتعليمات ووسائل السياسة الاقتصادية التطبيقية التي تؤدي إلى تقوية المركز التنافسي للمنتجات المحلية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر"، فضلاً عن "تحديد الممارسات الضارة بالتجارة الدولية بالإغراق والدعم والتزايد غير المبرر في الاستيرادات". ويعتقد الجبوري، أن "التدهور الذي تعانيه الصناعة الوطنية يضع الجميع أمام حرج كبير"، مشدداً على "أهمية تنسيق الجهود بين الجهات القطاعية ومؤسسة المنافذ والأجهزة الرقابية" لحماية المنتج المحلي وإعادة الروح إلى المصانع العراقية.

انديبندنت عربية