الايديولوجيا لا تضحك. هذا كان عنوان مقالة للفيلسوف الفرنسي ريمون آرون. هل رأيتم أدولف هتلر أو بنيتو موسوليني (ناهيك عن كارل ماركس أو فريديك نيتشه) يضحك؟!

يفترض بالايديولوجيا أن تبقى متجهمة، شرسة، كئيبة ودموية. هذا اذا كانت سياسية أو اقتصادية، أو قومية. ماذا اذا كانت الايديولوجيا دينية؟ لابد أن تكون أكثر تجهماً «لكي تنغرز في لاوعي الآخرين».

الأميركيون، والأوروبيون، ذهلوا حين رأوا محمد جواد ظريف يضحك. لم يكتفوا بالحديث عن «الديبلوماسية الضاحكة». قالوا... الايديولوجيا تضحك.

هذا يعني أن النظام يضحك. كما لو أننا نقول «الفولاذ يضحك». الايرانيون كانت لهم أمبراطوريتهم التي لم تتوقف, في الكثير من الأحيان، عند حدود. في لبنان، الفرس الأخمينيون وصلوا الى شواطئنا، وعهدوا الينا بصناعة السفن ليقاتلو الاغريق.على مقربة من بغداد لاتزال بقايا ايوان كسرى أنو شروان.

هذا لا يعني أن الثقافة الايرانية مكفهرة، وخشبية. لهم شعراؤهم الذين يذوبون رقة. كما لو أن الرومانسية ترعرعت هناك. ابو القاسم الفردوسي، أسدي الطوسي، عمر الخيام، فريد الدين العطار، شمس التبريزي، سعدي الشيرازي، حافظ الشيرازي وقرة العين القزوينية.

للكثير منهم أضرحة لكأنها اضرحة الأنبياء أو اضرحة الأولياء. بعضهم وصلوا بلغة القلب الى حدود «الصوفية الكبرى».

مختلفون عن جيرانهم العثمانيين الذين يكاد تراثهم يخلو من النزعات الفلسفية، والشعرية، والأدبية. لعلنا أمام استثناءات حين نكون في حضرة ناظم حكمت، وعزيز نيسين، ويشار كمال، وأورهان باموق الذي حاز جائزة نوبل». حتى أن بعض موسوعاتهم تصنف ابراهيم اليازجي وعبدالرحمن الكواكبي كجزء من التراث العثماني.

بالرغم من الرياح السوداء (الصفراء ان شئتم)، الايرانيون يضحكون من دونالد ترامب. العقوبات قاتلة. الرجل الذي يمتدح، على مدار الساعة، كيم جونغ ـ أون، ويمد يده الى الملاّ هبة الله أخونزادة (زعيم طالبان)، ويغازل الصينيين ولو بأسنانه، اختار ايران لتكون العدو الأكبر والأوحد.

وزير خارجيته مايك بومبيو صرح بأن ايران تشكل خطراً على الأمن القومي الأميركي. كيف؟ ربما شاهدتم غواصة نووية ايرانية تختال قبالة شواطئ فلوريدا.

كوميديا القرن. ترادفاً مع المصطلحات الشائعة. «صفقة القرن»، «فضيحة القرن»، «معجزة القرن». من يستطيع التصديق بأن ايران تهدد الأمن الاستراتيجي للأمبراطورية؟ هذا من دون قنبلة نووية، وبالاقتصاد الذي يتدهور أكثر فأكثر. كوميديا القرن أم خدعة القرن؟

حاملة الطائرات «يو.اس. اس. أبراهام لنكولن» بدت على سطح الماء كما لو أنها الليدي غاغا تقدم أوبريت شهرزاد لكورساكوف. الأوروبيون يسخرون، يومياً، من السياسات البهلوانية. لا أحد يمكنه اقناع دونالد ترامب بأن ايران ليست احدى جمهوريات الموز لكي ترتعد فرائصها أمام مرأى البوارج الحربية تقترب من شواطئها.

خبراء عسكريون أوروبيون تحدثوا عبر الشاشات عن قدرة الصواريخ الايرانية على تعطيل حاملة الطائرات خلال مدة قياسية. أشاروا الى الكاميكاز الايراني. ما فعله اليابانيون في بيرل هربور يمكن أن يفعله الايرانيون في كل القواعد والمرافئ المجاورة.

هذا ما ذهب اليه الخبراء في القارة العجوز، وحتى في الولايات المتحدة، وان كانت معاهد البحث الأكثر استقطاباً قريبة، أو قريبة جداً، من اللوبي اليهودي.

منذ عهد البابا بيوس الثالث، في بدايات القرن السادس عشر، وحتى انشاء عصبة الأمم عام 1919، ثمة 4000 معاهدة، واتفاقية، ذهبت أدراج الرياح. هذا هو التاريخ. أن يتقيأ الدم أو أن يتقيأ النار. حقاً، بأي منطق انسحب دونالد ترامب من اتفاق يمنع طهران من حيازة القنبلة النووية؟

منتهى السذاجة أن نسأل عن المنطق في شخصية الرئيس الأميركي. منذ عام وهو يلاحق الايرانيين بأكثر العقوبات بربرية في التاريخ. تراه تمكن من زحزحة آيات الله قيد أنملة؟ الذي يحصل أن الايرانيين يزدادون صلابة. الأهم من ذلك أن البيت الأبيض الذي يدفع بعشرات الملايين الى حافة الجوع انما يكرّس ان لم يكن يزيد في قوة النظام.

هذا الذي يحدث فوق الماء (القابلة للاشتعال) لا يقوم به سوى المهرج. في أوروبا محافل سياسية عليا ترى أن تلك السياسات تجعل الشرق الأوسط برمّته على أبواب جهنم. كلام كثير عن الرجل الذي يستسيغ الرقص، ولو عارياً، على أرصفة جهنم.

بموازاة العصا الغليظة، دعوات متتالية الى التفاوض. ادارة ترامب سبق وطرحت شروطها الاثني عشر على ايران. يفترض بآية الله خامنئي أن ينحني أمام دونالد ترامب مثلما انحنى الأمبراطور هيروهيتو أمام دوغلاس ماك آرثر غداة قنبلة هيروشيما.

جون بولتون تصفّح خارطة ايران. ما رأيكم بـ«قنبلة أصفهان»؟ البنتاغون اعترض بشدة. حاملة الطائرات، والقاذفات العملاقة، للعرض فقط. لم تهتز أعصاب الايرانيين. خبراء أميركيون ويسألون عن حدود المنطقة المجنونة في رأس دونالد ترامب. الايرانيون جادون في استهداف حاملة الطائرات. كيف يمكن أن يكون الرد؟

أكثر من أي وقت مضى، تبدو طهران مطمئنة. تلك مظاهر دونكيشوتية لا أكثر ولا أقل. قبل أن يسقط رئيس فذ مثل جون كنيدي في دالاس، سقط في خليج الخنازير. الآن رئيس غبي، ويسقط في خليج الأباطرة.

حرب أعصاب. ولكن هناك من يعمل في الظلام.ما حدث أخيراً ينذر بكوارث كبرى. ابحثوا، في الحال، عن ردهة للتفاوض بين العرب والايرانيين ولو كانت على سطح المريخ!!