تدرك الحكومة تماما حجم المخاطر التي تتربص بها جراء السياسة التقشفية التي تجد نفسها اليوم مضطرة الى اتباعها وصياغة موازنة العام 2019 على اساسها، لذلك تراها تؤجل جلسة بعد أخرى البت بملف العسكريين ورواتب وموظفي القطاع العام خوفا من ردة الفعل في الشارع والتي بدأت استباقية وها هي تتطور بشكل تصاعدي مع الاقتراب من ساعة الحسم.

وبحسب المعلومات، فان مجلس الوزراء لن يبت هذين البندين قبل حصول تفاهم كبير عليهما من خارج الحكومة ليقتصر دورها على التصديق على هذا التفاهم الذي تحرص ان يكون شاملا باعتبار ان ايا من مكوناتها ليس بصدد ان يتحمل وحيدا مسؤولية وعواقب ما قد ينتج من قرار خفض الرواتب والحد قدر الامكان من التقديمات للعسكريين سواء الحاليين او المتقاعدين، لذلك يسعى الجميع لتأمين مظلة تشكلها القوى السياسية مجتمعة تقي الحكومة من تداعيات اي تصعيد مرتقب.

ولا تتردد مصادر سياسية في الاعراب عن خوفها من أن تؤدي الاجراءات التي قد تتخذها الحكومة الى جر البلد الى الفوضى، واصفة الوضع بالمقلق والقابل للانفجار باعتبار ان السياسة التقشفية التي تسعى الحكومة لاعتمادها وفرضها اليوم تتزامن مع وصول حجم الاحتقان الشعبي الى أوجه نتيجة الازمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. وتضيف المصادر: «لو كان الوضع في البلد طبيعياً لكان أمكن تمرير بعض التقشف، انما ان نطلب من اللبنانيين الذين بات قسم كبير منهم يرزح تحت خط الفقر ان يضحوا أكثر ويفقروا أكثر، فهذا ما لا يمكن توقع انعكاساته الدراماتيكية».

وتعتبر المصادر أن الانضباط الحزبي لطالما جنب البلاد الفوضى طوال السنوات الماضية، وقد لمسنا مستويات عالية من هذا الانضباط في أكثر من محطة، فكانت المجموعات التي لا تنتمي الى احزاب والتي تصنف كمجموعات المجتمع المدني وحدها التي تتخذ من الشارع مقرا لها لمواجهة السلطة، اما اليوم، فالخوف من انهيار الانضباط الحزبي بعد المس بلقمة العيش التي اصلا هي غير متوافرة عند كثيرين كما بأقساط المدارس التي تحولت الى خيالية مقارنة بما كانت عليه.

ويشهد البلد انكماشا اقتصاديا غير مسبوق يرده البعض الى اقرار سلسلة الرتب والرواتب في العام 2017 من دون اقرار موارد حقيقية لتمويلها. ولعل توقف القروض السكنية كان احد ابرز الاسباب التي فاقمت الانكماش باعتبار ان الازمة التي يشهدها السوق العقاري اثرت تلقائيا في كل المهن الحرة الاخرى.

ووفق المصادر، فان أكثر ما يهدد الاستقرار الهش القائم وبخاصة على الصعيد الاجتماعي هو اعتبار اللبنانيين أن القوى السياسية تبحث عن مصادر للتمويل في المكان الخطأ، من دون ان يكون هناك من يتحمل مسؤولية ايصال البلاد الى مرحلة تستوجب سياسة تقشفية حادة وبالتالي المس بجيوب المواطنين. وتضيف المصادر: «بدل عقد عشرات الاجتماعات للبحث عن مخارج لاستيعاب نقمة الشارع المتمرد، كان الاجدى بالقوى الحاكمة الانصراف لاستعادة نحو 2.5 مليار دولار يتم هدرها عبر الادارة الخاطئة لملف الأملاك البحرية، وقد فنّد النائب جميل السيد ما يحصل في هذا المجال، وهو ما يشكل فضيحة مدوية لم تستدع على ما يبدو ان تخصص الحكومة ولو جلسة واحدة من جلساتها لبحثها والتدقيق فيها». وترد المصادر ما يحصل الى «مراعاة القوى السياسية مصالح بعضها بعضاً، وهو ما ينسف بشدة كل ما اشيع عن قرار كبير بوضع حد لكل الممارسات السابقة التي أفقرت الدولة والمواطنين».

من جهته، يشير مصدر نيابي الى ان الحكومة تسير اليوم في حقل من الألغام بحيث تسعى لتفادي الانهيار المالي وفي الوقت نفسه لتجنب الانفجار الاجتماعي، الا انها تبدو حاسمة بموضوع خفض عجز الموازنة رغم كل الاعتراضات التي تتسع في الشارع خوفا من فقدان مشاريع وأموال «سيدر» التي تعول عليها للنهوض مجددا بالاقتصاد. ويوضح المصدر ان «المسؤولين اللبنانيين تلقوا رسائل واضحة من المجتمع الدولي بأن تعهدات «سيدر» في خطر حقيقي في حال لن تؤمن الموازنة الجديدة خفض العجز بشكل فعلي وليس كما وعد رئيس الحكومة سعد الحريري بأن تخفض موازنة 2018 العجز الى حدود الـ8% فاذا به يتخطى الـ11%»، لافتة الى ان تكرار التجربة بموازنة العام 2019 سيعني حتما تبخر كل مشاريع وأموال «سيدر» وهذا ما لا يمكن للدولة احتمال عواقبه.

\