جرى في بلدة شمسطار أمس الأول الأحد، تشييع المُخلّص الجُمركي الموقوف حسّان الضيقة الذي توفّي في مُستشفى الحياة التي كان قد نُقل إليها من سجن عاليه الذي احتُجز فيه منذ أواخر شباط الماضي بعد أن كان قبل ذلك مُسجونًا في سجن رومية، في ظلّ إتهامات وأقاويل إعلاميّة بتعرّضه للتعذيب والضرب ما تسبّب له بمُضاعفات صحّية أدّت إلى وفاته، وبخاصة أنّه مُنع من إجراء عمليّة جراحيّة كانت ضروريّة له، بحسب الإتهامات عينها. وقد أثار هذا الأمر بلبلة واسعة، وأسفر عن دُخول أكثر من جهة على خطّ التحقيقات لتبيان حقيقة ما حصل. فما هي خلفيّات هذا الملف، وما رأي الجهات المَعنيّة، وهل ستظهر الحقيقة قريبًا؟

والد الفقيد المُحامي توفيق الضيقة أصرّ على تعرّض نجله للتعذيب، وناشد الرؤساء الثلاثة وأمين عام حزب الله بمُتابعة الملفّ «لحفظ دمّ إبني» ـ كما قال، مؤكّدًا التمسّك بالدعوى المُقدّمة بحق فرع المعلومات في هذه القضيّة. في المُقابل، نفت المديريّة العامة لقوى الأمن الداخلي - شعبة العلاقات العامة، في بيان لها، أن يكون السجين المُتوفّي قد تعرّض للتعذيب، مُشيرة إلى أنّه لم يخضع للتحقيق لدى شعبة المعلومات أكثر من 48 ساعة، حيث جرى تسليمه للقضاء المُختص إعتبارًا من الخامس من تشرين الثاني 2018، واضافت أنّ والد الضيقة تراجع عن الدعوى بعد اكتشاف عمليّة تزوير تقرير طبّي بالتنسيق بينه وبين أحد الأطباء الشرعيّين.

من جهة أخرى، لفتت مصادر مُتابعة للقضيّة إلى أنّ المُشكلة الأساسيّة تتمثّل في أنّ الإتهامات بالتعذيب بُنيت إنطلاقًا من تقرير طبّي نظّمه الطبيب الشرعي (ن. م.) في 23 تشرين الثاني 2018، أي بعد 20 يومًا على توقيف الضيقة، وبعد تسليم الموقوف من جانب شعبة المعلومات إلى القضاء المُختصّ، حيث تضمّن هذا التقرير معلومات تحدّثت عن وُجود «علامات ضرب وكدمات على جسد المَوقوف»، علمًا أنّ هذا الطبيب الشرعي بالتحديد، هو حاليًا مَوقوف بجُرم تزوير تقارير طبّية شرعيّة متعدّدة، في مُقابل رشاوى ماليّة، من بينها تقرير لصالح الفقيد الضيقة. وقد اعتبرت مديرية قوى الأمن الداخلي في بيان لها أنّ هذا التقرير نُظّم بناء على إتفاق مُوثّق بالصوت، بين الطبيب الشرعي المذكور ووالد الضيقة!

وأضافت المصادر نفسها أنّ المُشكلة الأساسيّة الثانية تكمن في أنّ أهل الفقيد الضيقة رفضوا - ولأسباب دينيّة وعاطفيّة، تشريح نجلهم قبل دفنه، الأمر الذي سيزيد من صُعوبة تحديد سبب الوفاة بدقّة، علمًا أنّه حين وُجد الضيقة مُتوفيّا في غرفته في مُستشفى الحياة، أظهرت العوارض الأوّلية الميدانية تعرّضه لتوقّف مفاجئ في القلب بحسب ما جاء في تقرير الطبيب الشرعي (ح. م.)، لكن لا يُمكن الجزم بهذا الأمر من دون تشريح.

وتابعت المصادر نفسها، أنّه تتمّ حاليًا مُراجعة التقارير الطبّية الخاصة بفترة وُجود الفقيد الضيقة في مُستشفى الحياة، لتحديد وضعه الصحّي خلال الفترة التي سبقت وفاته، في مُحاولة لكشف أي حلقة مفقودة في الملفّ، وبخاصة أنّ كل أوجاع الظهر ـ على اختلاف أنواعها، وحتى الشلل الجزئي، ليس من الأسباب المُباشرة لأي حادث وفاة. وأبدت هذه المصادر خشيتها من ضياع الحقيقة بسبب التجاذب القائم منذ مدّة على الصلاحيّات، بين مفوّض الحُكومة لدى المحكمة العسكريّة القاضي بيتر جرمانوس من جهة والمديريّة العامة لقوى الأمن الداخلي من جهة أخرى، باعتبار أنّ هذا النوع من الملفات الحسّاسة يستوجب التنسيق التام بين «القضاء» و«الأمن»، ولا يحتمل أيّ نوع من الصراع الخفّي بين السُلطات المَعنيّة ولا أي نوع من محاولات «تسجيل النقاط والأهداف» المُتبادلة. وأضافت أنّ التضارب والتجاذب شمل أيضًا كلام كل من المُدّعي العام في جبل لبنان القاضية غادة عون وقاضي التحقيق الأوّل في جبل لبنان نقولا منصور، فقد قالت القاضية عون في بيان لها: «لقد ورد خطأ على لسان قاضي التحقيق الأوّل في جبل لبنان نقولا منصور، بأني رفضت تعيين طبيب شرعي لمُعاينة الموقوف حسان توفيق الضيقة، وهذا غير صحيح بتاتًا. أنا نقلت الموقوف إلى المُستشفى وعيّنت لجنة طبّية لمُعاينته، ويُمكن سؤال الوالد المُحامي الضيقة عن ذلك. كما أنّ القرار موجود في الملف، لذا اقتضى التوضيح».

وبحسب المصادر المُتابعة للقضيّة نفسها، يبدو أنّ المخرج الوحيد المُتاح لمُحاولة التوصّل إلى الحقيقة في قضيّة وفاة المسجون الضيقة، يتمثّل بتسلّم النيابة العامة التمييزيّة، مُمثّلة بالنائب العام التمييزي بالوكالة القاضي عماد قبلان، الملف بكامل مفاصله، منعًا لدُخول التحقيقات فيه مرحلة «تصفية الحسابات» بين «القضاء» و«الأمن» إذا جاز التعبير، على خلفيّة إشكالات سابقة بين شعبة المعلومات وقيادة قوى الأمن الداخلي من جهة، ومفوّض الحُكومة لدى المحكمة العسكريّة القاضي بيتر جرمانوس. } خلفيّة القضيّة... }

إلى ذلك، ذكّرت مصادر أمنيّة مُطلعة على خلفيّة هذه القضيّة، أنّه في مطلع تشرين الثاني من العام 2018 الماضي، نفّذت مجموعات كبيرة من القُوّة الخاصة في شعبة المعلومات، سلسلة من المُداهمات المُوزّعة على مناطق لبنانيّة عدّة لكن المُتزامنة من حيث التوقيت، وذلك لإنجاح العمليّة الأمنيّة النوعيّة التي كانت تهدف إلى توقيف أفراد شبكات تهريب مُخدرات بكميّات كبيرة من لبنان إلى الخارج. وأوضحت أنّ هذه العمليّة التي تمّت بناء على مَعلومات إستخباريّة دقيقة بشأن تحضير عمليّات تهريب كبيرة من مادة الحشيشة وحبوب الكبتاغون من لبنان إلى كل من مصر وليبيا عن الطريق الشحن البحري، أسفرت عن توقيف 12 شخصًا، في كلّ من منطقتي «سان تيريز» و«حيّ الأميركان» في الضاحية الجنوبيّة، وعرمون في جبل لبنان، وسعدنايل وزحلة في البقاع، واللبوة في محافظة بعلبك - الهرمل، إضافة إلى مطار بيروت الدَولي. وتابعت المصادر الأمنيّة أنّ عمليّات التوقيف الجَماعي تزامنت مع دهم مُستودع في «حيّ الأميركان» جرى استئجاره لتخزين كميّة كبيرة من المُخدرات المُجهّزة للتهريب إلى الخارج، بالتنسيق مع المُخلّص الجُمركيّ حسّان الضيقة في مقابل مبلغ وقدره مئتي ألف دولار أميركي، تلقّى منه 43 ألف دولار كدفعة أولى مع وعد بتلقّي المبالغ الباقية بمجرّد نجاح عمليّة التهريب. ولفت المصدر إلى أنّ المضبوطات كانت عبارة عن 2,2 طن من حشيشة الكيف مُوضّبة داخل قساطل ألمنيوم. وأضاف المصادر الأمنيّة أنّ الموقوفين الذين وُجد في منازلهم كميّات من الأسلحة وأموال نقديّة كبيرة، اعترفوا خلال التحقيقات الأوّليّة معهم، بالانتماء إلى شبكات تهريب للمُخدرات، وبتنفيذ أكثر من 20 عمليّة تهريب بين العامين 2015 و2018 تاريخ إلقاء القبض عليهم. وبالتالي إنّ قضيّة التهريب ثابتة من حيث المُعطيات، وقد صدر القرار الظنّي في هذا الملفّ عن قاضي التحقيق الأوّل منذ أقلّ من أسبوعين، وقد أحيل الملفّ إلى الهيئة الإتهاميّة.